هل نسف “الحزب” تفويضه لبري؟

كلما ابتعدت إمكانية التوصل إلى الهدنة في غزة، كلما صار التوصل إلى التهدئة في الجنوب صعباً، إذا لم يكن مستحيلاً، وفق المعادلة التي أرساها «حزب الله» عبر ربطه أي بحث في وقف القتال على الحدود وأبعد منها، بوقف الحرب على القطاع.

لم يدم طويلاً النجاح الذي حققته حركة «حماس» في كسب جولة تفاوضية عبر قبولها بمسودة اتفاق الهدنة الأخيرة، الإثنين الماضي، وتشمل تبادلاً للرهائن الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين، التي كان وافق عليها الوسطاء، الأميركي ممثلاً بمدير المخابرات المركزية الدبلوماسي المحنك وليام بيرنز، والمصري والقطري. وعلى رغم ما قيل أنّ هذه الموافقة أحرجت الجانب الإسرائيلي ورمت الكرة في ملعب حكومة بنيامين نتنياهو، فإنّ الأخير لم يجد حرجاً في رفض تلك المسودة والانتقال فوراً إلى مرحلة جديدة من الحرب. وسواء كان نتنياهو راهن على رفض «حماس» أم لا، فإنّه لم يرف له جفن في تسفيه واشنطن ومعاكستها ببدء خطوات الدخول إلى رفح بدءاً من احتلال معبرها مع مصر، ثم بتوسيع عملياته العسكرية في المدينة ومحيطها، ضارباً بعرض الحائط كل التحذيرات التي أطلقها البيت الأبيض والخارجية والبنتاغون… من القيام بذلك.

على العكس تبيّن أنّ إعلان الرئيس جو بايدن عن تجميد تسليم إسرائيل قنابل للجيش الإسرائيلي إذا اقتحم رفح، ذهبت هباءً. فالانزعاج الأميركي من عرقلة تل أبيب الهدنة، وكل أنواع الرفض الأميركي لاجتياح رفح كانت مجرد أقوال في النهار يمحوها الليل. فها هو بايدن يقول إنّ وقف النار يمكن أن يتحقق غداً، إذا أفرجت «حماس» عن المحتجزين الإسرائيليين. الرئيس الأميركي بدوره لم يجد حرجاً في العودة إلى نغمة تحميل «حماس» مسؤولية فشل الهدنة، ناقضاً دور إدارته في صوغ مسودتها، على رغم موافقتها على ما سبق أن اعتبره العرض «السخي» الذي قدمه الوسطاء في الصيغة الأخيرة للهدنة.

وفق قواعد العلاقة بين الدولة العبرية والولايات المتحدة، لا مجال للوم إسرائيل في الظرف الانتخابي الذي يمر فيه الرئيس بايدن. السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة جلعاد أردان لم يخفِ تهديده لبايدن بأن «اليهود باتوا مترددين بالتصويت للحزب الديموقراطي في الانتخابات».

في خضم هذا التسلسل للأحداث السياسية والأمنية يقطع «حزب الله» الطريق على أي بحث في شأن الجنوب كما قال نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم أول من أمس بأن «سنطرح رؤيتنا في الجنوب اللبناني بعد وقف إطلاق النار الكامل في غزة وقبل ذلك لن نطرح شيئاً». وهو بذلك لا يكتفي بقطع الطريق على مناقشة الورقة الفرنسية وعلى الأفكار التي سبق أن جرى التداول فيها مع آموس هوكشتاين، بل يفرمل جهود حليفه رئيس البرلمان نبيه بري مع الوسطاء. فهل يقصد من وراء القول إنه سيقدم تصوره بعد وقف القتال في غزة، بأنه يسحب التفويض الذي كان محضه للرئيس بري للتفاوض وتبادل الأفكار مع هؤلاء الوسطاء؟

فالحديث عن تطبيق القرار1701 كان يتم تحضيراً لنجاح الجهود الدولية لهدنة غزة، بموازاة استمرار مراهنة إيران والحزب معها على ألا تنجر الولايات المتحدة إلى محاولات نتنياهو استدراجها نحو تغطية الحرب على لبنان. فهو سيحتاج إلى هذه التغطية بقدر حاجته إلى دعمها التسليحي والدبلوماسي في حال قررت إسرائيل تحويل آلتها العسكرية نحو حدودها الشمالية. بتراجع الآمال بالتوصل إلى الهدنة، وبعودة بايدن عن تحذيراته لتل أبيب من اقتحام رفح، باتت المراهنة على لجم أي اندفاعة محتملة لإسرائيل نحو توسيع الحرب مجازفة نتائجها قاتلة. إعلان الخارجية الأميركية في تقريرها إلى الكونغرس، بأنها لم تجد «أدلة قاطعة» بأن إسرائيل انتهكت القانون الإنساني الدولي في استخدامها للأسلحة الأميركية، دليل على أنّ لا شيء يضمن تغيير إدارة بايدن موقفها حيال الحرب على لبنان، وفقاً لمصالح الأخير الانتخابية مع إسرائيل واللوبي المؤيد لها في واشنطن. ومن السهل جداً استخدام شتى أنواع الحجج لهذا الغرض، وآخرها ذريعة الضغط الذي يمارسه سكان الشمال على نتنياهو لضمان عودتهم الآمنة إلى مناطقهم خلال الصيف.

أما المراهنة من قبل البعض على أن يحتاج بايدن لأصوات ناخبين من أصل لبناني في بعض الولايات فهي الأخرى قد تذهب أدراج الرياح لأن الأصوات اليهودية التي تصب لمصلحة الحزب الديموقراطي أكثر بكثير.

وليد شقير – نداء الوطن

لمتابعة آخر الأخبار عبر مجموعتنا على واتساب - اضغط هنا