باسيل في عين التينة للتشاور وعزل “القوات”؟

من باب الإعلان عن جولة تشاورية مع رؤساء الكتل النيابية تحت عنوان تحريك ملف الاستحقاق الرئاسي، يدخل رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل عين التينة للقاء رئيس المجلس نبيه بري، وفي جعبته أكثر من هدف يسعى إلى تحقيقه، من خلال عناوين ملفات يحملها الى طاولة البحث. البداية من الاستحقاق الرئاسي ثم الحوار والتشاور، وصولا إلى العلاقة بين الرجلين أولاً، فبين التيار وحركة “امل” التي يرأسها بري، في اطار رغبة باسيل في فك عزلته الشيعية بعد الجفاء مع الحليف الأساسي “حزب الله”، والبناء لاستحقاقات مقبلة سيحتاج فيها باسيل إلى الصوت الشيعي.
ليست المرة الاولى يمد باسيل يده إلى خصمه السياسي، ولن تكون الاخيرة بعدما أدرك الرجل المعاقب أميركياً، ان لا وسيلة لركوب قطار أي تسوية مقبلة على البلد من خارج باب عين التينة، التي تشكل الطرف الآخر من المفاوضات الجارية على الجبهة الجنوبية من خلال الوسيط الاميركي، كبير مستشاري الرئيس لشؤون الامن والطاقة آموس هوكشتاين.
صحيح ان زيارة باسيل تأتي ضمن جولة مشاورات يعتزم القيام بها على رؤساء الكتل، لكن هدفها الأساسي اللقاء مع بري. فهو نفى ان يكون يحمل مبادرة او طرحاً، لكن على اجندته اولويات لا تقف عند استحقاق انتخاب الرئيس، وانما تثبيت تجربة التحالف بين التيار والحركيين على مدى الفترة الماضية، رغم خلافات في السياسة غاب تأثيرها عن التحالفات الانتخابية والنقابيّة.
تأتي زيارة باسيل اليوم بعد ثمانية اشهر على زيارته في تشرين الاول الماضي غداة اندلاع حرب غزة وإعلان “حزب الله” فتح جبهة الإسناد والمشاغلة. وجاءت الزيارة حينها تحت العنوان نفسه، اي التشاور مع القوى السياسية، من أجل “الوحدة الوطنية وحماية لبنان”، علماً انه كان لباسيل في حينها موقف لافت من جبهة الإسناد اذ اعلن ان “لا احد يجرنا إلى الحرب إلا إذا شن العدو الاسرائيلي علينا عدواناً”.

“فلنسهّل ولا نصعّب”
قبل زيارة عين التينة، وجه باسيل من بكركي التي زارها امس والتقى سيد الصرح البطريركي، دعوة جديدة “إلى كلّ القوى المعنية وعلى رأسها المسيحية لنتّفق على الخيارات المطروحة، وسنتواصل مع الجميع لوضع برنامج لقاءات وطرح ورقتنا والأفكار حتى نتمكّن من الذهاب إلى جلسات انتخاب فعليّة”. وفي موضوع الجلسات والدورات المتتالية، قال “يجب ان نسهل لا ان نصعب”، معتبراً ان “هناك فريقين يعطلان والمطلوب سحب الذرائع”، موجهاً دعوة جديدة للقوى المعنية وعلى رأسها المسيحيون ليوحدوا موقفهم”. وذكّر بأنه بعد 7 تشرين قام بتحرك، ملاحظاً انه في هذه المرحلة هناك مبادرات جديدة.
من هذا المنطلق، لا يرى باسي بدّا من بذل جهد للتوافق على رئيس توافقي واضعاً شرطين لذلك، بناء الدولة وحماية لبنان، ومعتبراً “ان هؤلاء الاشخاص موجودون اذا كنا فعلا نريد انتخاب رئيس”.
وعن جولته التي بدأها من بكركي ويستكملها اليوم في عين التينة حتى الخميس مع سائر الكتل النيابية، كشف انه بدأ تحركه من الصرح البطريركي، كما فعل عندما استبق الفراغ من الديمان قبل سنتين وابلغت البطريرك الراعي يومها بأني غير مرشح، للتسهيل، وطلبت منه ان يجمعنا نحن المسيحيين لنكون مبادرين بدل أن نقوم بردة فعل، لكن الافرقاء الباقين لم يستجيبوا”. وقال: “عند ترشيح جهاد ازعور ابلغت البطريرك الراعي انه يجب ان تكون لدينا خطة لليوم التالي اذا عطلوا النصاب واستمر الفراغ”.
وعليه، ماذا يحمل باسيل إلى عين التينة؟ وكيف تم التحضير لهذا اللقاء بعد أشهر طويلة من الصدام بين الطرفين؟
في المعلومات ان باسيل مهّد لهذا اللقاء في اكثر من محطة او مناسبة، وقد ألهمته مواقف لبري اعلن فيها انه ليس على تحالف مع باسيل وانما ليس على عداوة. كُلف النائب غسان عطاالله التواصل، فكانت النتيجة تعاوناً في انتخابات المهن الحرة والمهندسين. ثم استمر التعاون وإن غير المباشر او المعلن، وصولاً إلى تفعيل المشاركة في الجلسات النيابية العامة اما لتأمين نصاب بعضها وإما لإقرار قوانين عبر التصويت لها، كما كانت الحال في التجارب في ملف البلديات او النازحين.
توّج هذا الانفتاح أخيراً بإعلان باسيل في حديث تلفزيوني استعداده للمشاركة في طاولة الحوار التي اقترحها بري. وكانت تلك الرسالة واضحة جداً وتلقفها رئيس المجلس جيداً بقطع النظر عن التسميات او التوصيفات المطروحة لذلك الحوار. ومن الواضح ان باسيل تلقف تماماً الحراك الخارجي الجاري حول لبنان والمواقف الدولية المؤكدة استقراره ومنع انزلاقه إلى حرب موسعة مع إسرائيل، والتي ركزت عليها أخيرا قمة الرئيسين الاميركي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون. ولهذا السبب، لا يريد باسيل الملدوغ من العقوبات الاميركية، والساعي بقوة إلى إزالتها، ان توجه اليه أصابع الاتهام بتعطيل انتخاب الرئيس، كما حصل مع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي ترددت معلومات ان السفيرة الاميركية ليزا جونسون أبلغت اليه رسالة مفادها انها ستسميه من بين المعرقلين لانتخاب الرئيس، عندما تسألها ادارتها عن هذا الامر.

يحيد باسيل نفسه عن تهمة التعطيل، فيركب قطار الحوار والتشاور، من دون ان يستقل مقطورة انتخاب مرشح الثنائي زعيم “المردة” النائب السابق سليمان فرنجية. فطرحه لبري سيكون التزام المشاركة في أي طاولة تشاور او حوار تمهيداً للتوصل إلى مرشح توافقي، ما يترجم عملياً انه لا يزال على موقفه من ترشيح فرنجية.
نقطة ثانية لا تقل اهمية بالنسبة إلى باسيل، تكمن في الحاجة إلى ارساء تحالفات تؤمن له النجاح في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة على مختلف الصعد.
الاكيد ان إعلان باسيل المشاركة في الحوار سيشكل نقلة نوعية في العلاقة مع بري، كما في تذليل واحدة من العقبات المسيحية امام اي تشاور يسبق جلسات الانتخاب. تلمس معراب الحركة الباسيلية، فيتراجع جعجع خطوة عن فكرة ترؤس بري للتشاور. والخشية أن تؤدي الحركة الانفتاحية لباسيل إلى اخراج “القوات” وحشرها ضمن السقف العالي لمواقفها، فتبقى وحيدة في ميدان معارضة التشاور المؤدي إلى انتخاب، بقطع النظر عن اي فخاخ يمكن ان تكون مزروعة في حيثياته. ستختلف التسميات ولكن الاكيد حتى بالنسبة إلى باسيل، اقله حتى الآن، ان الزخم الدولي في اتجاه لبنان يمكن ان يدفع نحو فتح ثغرة في جدار الأزمة الرئاسية بالتوازي مع ازمة الجنوب.