التحرّش زاد بنسبة 20%… العصر الرقمي ساحة جديدة

كان يعتبر التحرش الجنسي ولوقت طويل أحد المحرّمات التي لا يجب التحدث عنها بل ولم يكن الناس حتى يستخدمون كلمة “تحرش”، لكن هذا لا يُعد مبررا لتجاهله وللتظاهر بعدم وجوده والأهم انه لا يمكن اعتباره أمرا مألوفا أو يحصل في مكان بعيدا عنا، فنحن جميعا نراه يحدث يوميا في شوارعنا، ومدارسنا وبيوتنا. والمقلق ان المجتمع لا يزال يشهد قصصا مماثلة بشكل مستمر، بالرغم من تكرار فضائح الدعارة والتحرش الجنسي على شبكات التواصل الاجتماعي، والتي تتصدر العناوين وتثير الغضب والاستنكار بين الناس. بالمقابل، يبدو وكأن الدولة غائبة عن القيام بدورها الفعّال في مواجهة هذه الجرائم، بينما تتضاءل فعالية مؤسسات حماية الأحداث إلى مجرد اسم لا يملك القدرة على تحقيق أي نفوذ حقيقي. ويتساءل اللبنانيون عن الأسباب التي تجعل هذه الظواهر تتكرر مرات ومرات دون أن نرى ردود فعل حاسمة أو إجراءات جذرية تضمن حماية الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع، مما يعكس خللاً عميقًا في منظومة العدالة والحماية الاجتماعية.

بالموازاة، أضحى التحرش الجنسي مؤخرا سواء كان إلكترونياً أو في الحياة الواقعية حالة متزايدة ومقلقة تؤثر في الأفراد والمجتمعات بشكل سلبي. ويعود ذلك إلى عوامل عدة تشمل التغيرات الاجتماعية، التقدم التكنولوجي، ضعف التوعية والتربية، وقصور في تطبيق القوانين الرادعة التي هي في الأصل فضفاضة. فوق ذلك، أصبحت منصات الإنترنت في العصر الرقمي الحالي ساحة جديدة للتحرش، حيث يمكن للانتهازيين استغلال الفضاء الافتراضي لارتكاب أفعالهم بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة.

التحرشات تعاظمت والجرم واحد!

من ناحية أخرى، يعكس التحرش الجنسي في المجتمع جوانب من المشكلات الثقافية والاجتماعية، مثل غياب الوعي حول حقوق الأفراد، التسامح مع السلوكيات غير الأخلاقية، وعدم المساواة بين الجنسين، وتساهم كل هذه الامور في خلق بيئة تسهل انتشار الدعارة.

وفي هذا الإطار، أوضحت الاختصاصية الاجتماعية والنفسية الدكتورة غنوة يونس “أن تزايد هذه الظاهرة يهدد سلامة وكرامة الأفراد، خاصة النساء والأطفال، وينجم عنه تداعيات نفسية واجتماعية خطرة على الضحايا، مما يستدعي تحركاً جاداً من قبل المجتمعات والحكومة والمؤسسات المختلفة لوضع حد لهذا الوضع عبر تعزيز القوانين، وزيادة الوعي، وتقديم الدعم للفئة المستهدفة”.

وقالت لـ “الديار”: “ان التحرش الجنسي على أي منصة رقمية، عامة أو خاصة، يشمل استخدام الرسائل والمشاركات والصور ومقاطع الفيديو والصفحات، وقد يتداخل عبر الإنترنت مع تحرشات تحدث خارج العالم الرقمي. لذلك فان هذا الصنع القبيح قد ينتج من مجموعة عوامل يمكن تلخيص بعضها على النحو التالي:

الجوانب النفسية: بعض الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية لديهم ميول للتحرش أو السلوك العدواني، ويؤدي ضعف القدرة على التحكم في الدوافع والرغبات إلى تصرفات غير لائقة. بينما يشعر البعض الاخر بالسيطرة والقوة عند ممارسة الرذيلة، وهو ما يعزز من بغي هؤلاء.

تنشئة اجتماعية متعصبة: تساهم التربية السيئة في التقليل من قيمة المرأة وتنمّية التمييز بين الجنسين، لا سيما وان زمرة واسعة من المجتمعات لا تزال تتسامح مع المذنب وتؤمن له الحماية للإفلات من العقوبات الصارمة.

الاعراف: تعمل بعض التقاليد الثقافية على توطيد السلطة الذكورية على حساب الفئات الهشّة، مما يزيد من احتمالية حدوث التحرش، لذلك يساهم نقص التوعية والتثقيف حول حقوق الأفراد واحترام الآخر في تفشي هذه الأفعال المخلّة بالأخلاق والمبادئ العامة”.

نقمة التقدم التكنولوجي!

من جانبه قال الخبير في التحول الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي جورج سمعان لـ “الديار” “ان الفضاء الرقمي يوفر منصة يمكن أن تُستخدم بشكل سيء من قبل المتحرشين للابتعاد عن الرقابة المباشرة وبالتالي ممارسة التحرش الإلكتروني. إشارة الى ان هذه الأنشطة الفاضحة هي نتاج لمزيج من هذه العوامل، وتتطلب معالجة شاملة تشمل التنبيهات، التشريعات الرادعة، والدعم النفسي والاجتماعي للأفراد لتحسين البيئة الاجتماعية والحد من انتشار هذا السلوك”.

وأشار الى “ان السلطات اللبنانية لا تتدخل الا بعد وقوع الجريمة، على نسق ما جرى مؤخرا في قضية “عصابة التيكتوكرز” المتهمة بجرائم الاغتصاب والتحرش وترويج المخدرات. معتبرا ان كل ما يحدث على شبكات التواصل الاجتماعي بات مرعبا جدا لأنه لا يطال القصّر والقاصرات فقط بل ايضا الكبار. وحذر من الحسابات الوهمية التي تنتحل أسماء فتيات وتتعمد ارسال صور ورسائل او فيديوهات غير لائقة. وفي هذا الإطار حصلت “الديار” على رسائل وفيديوهات مرسلة من حسابات تحمل أسماء فتيات وتتضمن محتوى جنسي بشع”.

ماذا عن اتحاد حماية الأحداث في لبنان؟ يجيب سمعان “مثل قلتو” فحتى الساعة لم نسمع أي بيان من جانبه يشفي غليل الضحايا او يضع على الاقل حدا للسفاحين”

قوانين التحرش الجنسي وحماية القاصرين تحتاج الى تغيير او تعديل!

من جهتها، كشفت محامية مهتمة بملف التحرش والاغتصاب لـ “الديار” عن “ان عدد القضاة في جبل لبنان لا يتعدى السبعة، ويتابع كل منهم ما لا يقل عن حوالي الـ 400 قضية تحرش سنويا، مع العلم ان التشريعات المحلية ليست صارمة وتحتاج الى إعادة نظر وربما سن قوانين جديدة غيرها”.

وأشارت الى “ان نسبة التحرش بلغت في الشهرين الأخيرين حوالي 20%، اما في ما يتعلق بحالات الاغتصاب فالأرقام اقل وبعض التبليغات غير صحيحة”.

وقالت: “تسيطر مجموعة من العوامل والجهات السياسية والحزبية على المشهد القضائي، فالنظام السياسي قائم على المحاصصة الطائفية، مما يؤثر سلبا في محاكمة الأطراف التي تنتمي الى جهات تتمتع بنفوذ كبير داخل المحاكم، وتمتلك تأثيراً كبيراً في القرارات القضائية”.

ماذا نعني بتطبيق قوانين جرائم المعلوماتية؟

تجيب موضّحة “يُعرف الفعل الذي يتمثل في إرسال فيديو يتضمن ممارسات جنسية إلى حساب شخص آخر بــ “الإرسال غير المرغوب فيه لمحتوى جنسي” أو “التحرش الإلكتروني”؛ ويعتبر جريمة ويعاقب عليه القانون تحت بنود تتعلق بالتحرش، الانتهاك الجنسي، أو نشر مواد إباحية دون موافقة المستلم. مشددة على ان هذه الأعمال يمكن أن تطبق عليها قوانين جرائم المعلوماتية والتي تسمى أيضا “الجرائم السيبرانية””.

واستكملت “تشمل هذه القوانين غالباً أفعالاً مثل:

1. التحرش الإلكتروني: كإرسال رسائل أو محتوى غير لائق أو مرغوب فيه، بما في ذلك المضمون الجنسي.

2. ترويج الفسوق: ان توزيع أو نشر مواد إباحية دون موافقة الأشخاص المعنيين يُعتبر جريمة في قانون العقوبات والتشريعات اللبنانية.

3. خرق الخصوصية: تعتبر كل المحتويات الجنسية التي يستلمها الفرد رغما عنه انتهاكاً لخصوصيته.

وختمت “يعد إرسال فيديوهات تحتوي على مشاهد إباحية دون انسجام او معرفة المتلقي جريمة ويعاقب عليها القانون، كما ان جميع الأفعال التي تنتهك خصوصية وكرامة الشخص المُستَقْبِل تقع تحت بنود متعددة في قوانين الجرائم المعلوماتية أو القوانين المتعلقة بالتحرش الجنسي”.

ندى عبد الرزاق – “الديار”