
أنطون الفتى – وكالة “أخبار اليوم”
يزور البابا لاوون الرابع عشر لبنان، وهو واحد من البلدان التي تشهد تراجعاً مسيحياً ديموغرافياً مرتفعاً، والكثير من التذمّر المسيحي السياسي والشعبي، بسبب ذلك.
ولكن لا بدّ من قول بعض الأمور كما هي أحياناً كثيرة، مهما بَدَت قاسية، أو غير شعبية لما قد يطلبه المستمعون في بعض الأوقات والظروف. نعم، لا بدّ من قول ولو بعض الأمور كما هي، نظراً الى أن الواقع يُخبر عن نفسه، والحقيقة تكشف عن نفسها بنفسها، مهما كثُرَت محاولات التعتيم عليها.
صدفة؟
فمنذ عقود، نستمع الى ما يقول إن الرئاسة في لبنان هي الرئاسة المسيحية الوحيدة في الشرق الأوسط، والى أن الحفاظ على كراسي السلطة الموكَلَة الى مسيحيين في بلادنا منذ عقود، هو مسألة جوهرية للحفاظ على المسيحيين فيه (لبنان)، وكخط دفاع أساسي عن المسيحيين الشرق أوسطيين عموماً. ولكن منذ عقود أيضاً، نلاحظ أن كراسي السلطة تلك ثابتة لشخصيات مسيحية (بالإسم والظاهر فقط)، فيما أعداد المسيحيين الديموغرافية تتقلّص وتتراجع في بلدنا والمنطقة عموماً. والنتيجة هي أنه رغم “النزلات” الديموغرافية المسيحية المستمرة، لا تزال الكراسي ثابتة على حالها، من دون أي نتيجة إيجابية على المستوى الديموغرافي والشعبي. فهل هذه صدفة، أم نتيجة طبيعية من نتائج مصالح خاصة معينة؟
“وشايات”
نذكر ضمن هذا الإطار، أن المسيحي في لبنان يُحارَب من المسيحي أولاً، قبل الآخرين، وهي حقيقة راسِخَة منذ عصور سابقة.
فبالعودة الى الأزمنة القديمة، أي الى حقبات الاحتلال العثماني وما سبقه من احتلالات أخرى أيضاً، نجد أن المسيحيين لم يكونوا تلك المجموعة المُضطّهَدَة في الشرق فقط، ولا هم أولئك الذين يحرقون البخور للصلاة، والصوم، و”القطاعة”، وللعيش بنعمة السيد المسيح المقدسة فقط، كما يحلو للبعض أن يتحدث أو يكتب عنهم. ففي تلك الحقبات، كان المسيحي تماماً كما هو حاله اليوم، مع فارق أساسي وهو أن طبيعة الحياة آنذاك كانت مختلفة عمّا هي عليه الآن.
فالفلاح أو الراعي المسيحي (مثلاً) في ذلك الوقت، كان إنساناً مسيحياً صالِحاً، أو شخصاً حسوداً وشريراً ومؤذِياً جداً لغيره، من المسيحيين أولاً، ولأرزاقهم ومواشيهم ولقمة عيشهم بألف شكل وطريقة، تبدأ بـ “الوشايات” لدى الإقطاعيين والولاة، وبشكل كان بإمكانه أن يتسبّب بإماتة غيره من الفلاحين والرعاة، وبفقدانهم لأرزاقهم.
والمتموّل المسيحي الكبير في ذلك الوقت، والذي كان إقطاعياً مثلاً، أو تاجراً… كان إنساناً مسيحياً صالِحاً، أو شخصاً شريراً ومؤذياً جداً، الى درجة أن بعضهم كان يشتكي على فلاحين أو رعاة مسيحيين “معتّرين” يعملون لديه، لدى الوالي العثماني، فيتسبّب بسجنهم، أو بتعذيبهم ونفيهم، أو إعدامهم… والشكاوى لم تَكُن بالضرورة بسبب ارتكابات، بل بحسب مصالح أو غايات شخصية، أو بحثاً عن ضمّ المزيد من الأراضي ولو بالقوة، أو رغبةً بالتحكّم والسيطرة على أكمل وجه، وصولاً الى حدّ استعباد الإنسان المسيحي وكل أفراد عائلته. وهذا كلّه حصل أمام أعيُن سلطات دينية (لا نعمّم) كانت تصمت، أو تتآمر على “المعتّر” لغايات سياسية ومصلحية… مع الأسف. وهنا لا نعمّم طبعاً، لأن بعض الكهنة أو الرهبان الذين كانوا يطالبون برفع الظّلم، وجدوا نصيبهم من الاضطهاد الشديد و… و… و…
يحاربون المسيحي
نعم، هذا كان سبباً رئيسياً لما حلّ بالمسيحيين من “تعتير” في لبنان والشرق عموماً. وإذا أردنا إضافة المزيد من الكلام، فسنجد ما يُشبه ما سبق ذكره كثيراً اليوم أيضاً، ولكن بأساليب جديدة طبعاً.
فالإقطاعيون المسيحيون لا يزالون موجودين حتى الساعة، فيما أُضيف إليهم الكثير من الإقطاعيين الجُدُد، من رجال مال وأعمال وسياسة لا دخل لهم ولأنشطتهم بالسيد المسيح، وهم ينعمون باحترام ودعم سلطات دينية تعلم بشرورهم، وتشارك فيها أحياناً كثيرة مع الأسف. وهنا لا نعمّم أيضاً، لأنه لا تزال هناك قلّة قليلة باقية لم تغمس لقمتها بصحن الإثم.
نعم، هذا هو حال الجماعة المسيحية في لبنان والمنطقة، والتي يُقال إنها تتناقص منذ عقود وقرون. فاليوم أيضاً، نجد أن المسيحي يُحارِب المسيحي من أجل أي شيء، وفي كل شيء.
“يتمرجل”
فالمسؤول المسيحي في لبنان يتسلّح بالقانون والدولة، ليفرض سيطرته على المواطن المسيحي “المعتّر” حصراً. وبتلك الطريقة وحدها، يحمي سلطته. والمواطن المسيحي في لبنان “يتمرجل” على المواطن المسيحي الآخر حصراً، خصوصاً إذا كان مدعوماً سياسياً وحزبياً.
وحتى إن مؤسسات السلطة الدينية المسيحية (لا نعمّم) “تسلخ” المسيحي “المعتّر” قبل غيره، بالمدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها، وهو ما يؤثّر على تراجُع القدرة على الإنجاب، وذلك فيما يتذمّر المسيحيون من تناقُص أعدادهم في لبنان والمنطقة. فتُصبح النتيجة النهائية أن كراسي السلطة المخصّصة للمسيحيين في لبنان، مسيحية، بينما تتناقص أعداد الجمهور المسيحي بشكل مستمر. ففي النهاية “قلّة فرق”، طالما أن الكرسي موجودة وبـ “ألف خير”.
أعداء أنفسهم
في الختام، لا بدّ من التذكير بأن اتفاق القاهرة (عام 1969) الذي وقّعه لبنان، والذي تسبّب بانخراط الدولة اللبنانية في مشروع حرب مدمّرة، وُقِّعَ عندما كان المسيحيون فيه (لبنان) بأوج قوتهم السياسية، وحتى العسكرية، ورغم أن قوة الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر كانت تتآكل منذ هزيمة العرب في حرب عام 1967.
ولا بدّ من التذكير بأن أعداد المسيحيين في لبنان وسوريا تآكلت خلال نظام حكم آل الأسد، أي أقلية سوريّة كان من المُفتَرَض أنها علمانية، وقادرة على أن تساهم بدعم الوجود المسيحي في “بلاد الشام” عموماً، بينما ما حصل كان العكس، وذلك رغم أن تلك الأقلية كانت تتمتّع بعلاقات وازِنَة مع مكوّنات مسيحية أساسية في لبنان.
ولا بدّ من التذكير بأن أعداد المسيحيين في العراق تآكلت خلال نظام حكم الرئيس الراحل صدام حسين، الذي من المُفتَرَض أنه كان حكماً عسكرياً علمانياً أيضاً، والذي كان يتمتّع بعلاقات مع مكوّنات سياسية مسيحية أساسية في لبنان.
نكتفي بهذا القدر لنقول، إن أعداء المسيحيين في لبنان والشرق ينبعون من وسطهم. فهم أعداء أنفسهم، ومن استطاع أن يجد للفهم سبيلاً، سيفهم…
