
بعد دقائق من انتهاء الغارات على بلدة كفرحتى في إقليم التفاح، توجّهت قوة مشتركة من الجيش و«اليونيفيل» لاستكشاف الموقع المستهدف، وهو ما طرح السؤال في بعض الأوساط عن الظروف التي سمحت بتجاوز القوة الدولية نطاق انتشارها جنوب الليطاني. وهو أمر لم يكن مستغرباً لدى من يعرف انّ هذه القوة تحولت بعد تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 من أدوات «الميكانيزم»، التي أوليت مهمّة مراقبة تنفيذ التفاهم وتطبيق ما قال به على كل الأراضي اللبنانية.
لم يتوسع كثر في شرح الإجراءات والخطوات المحدثة التي واكبت تأسيس لجنة «الميكانيزم» التي كُلّفت مراقبة تنفيذ «تفاهم 27 تشرين الثاني 2024» منذ تشكيلها مطلع كانون الأول من العام نفسه. وكل ما كان معمماً أنّ التفاهم قال بتسمية أحد ضباط القيادة الوسطى الأميركية «سينتكوم» التي يقع لبنان ضمن ولايتها، ليكون رئيساً لها إلى جانب جنرال فرنسي رفيع المستوى ليكون نائباً له. في اعتبار أنّ بلديهما كانا من رعاة التفاهم، وترجما تعهدهما ببيانين منفصلين صدرا بالتزامن مع إعلانه، عن كل من الرئيس الأميركي السابق جو بايدن والفرنسي ايمانويل ماكرون، على أن تضمّ اللجنة قائد قوات «اليونيفيل» أو من ينتدبه، وضابطين كبيرين يسمّيهما الجانبان اللبناني والإسرائيلي.
وما لم تتناوله وسائل الإعلام بدقة وتفصيل بقي محصوراً بآلية عمل اللجنة. ولذلك ينبغي إلقاء الضوء سريعاً عليها لمجرد تكليفها مهمّة المراقبة والإشراف على معالجة أي خرق يمكن أن يرتكبه أي من طرفي الحرب إسرائيل و«حزب الله» بعد تجميد «العمليات العدائية»، وذلك استناداً إلى الشكاوى التي تُرفع امامها. وهي آلية قالت بضرورة التحقق من صحتها قبل أي خطوة يمكن أن تتخذها الجهة الشاكية. وإن كانت إسرائيل صاحبة الشكوى أُلقيت على عاتق الجيش و»اليونيفيل» مهمّة التحقق منها على الأراضي اللبنانية وإفادة غرفة العمليات المركزية التابعة لها في حضور ممثلي الأطراف كافة، وهي التي تتولّى الفصل في ما يجب ان يُتخذ من إجراءات، وفي مدى التزام الطرفين بها لمنع تكرار ما حصل.
على هذه الخلفيات، – يقول العارفون بآليات العمل المعتمدة – لدى «الميكانيزم»، إنّ هذه التجارب لم تكتمل دائماً بفعل تجاهل الجانب الإسرائيلي لعمل اللجنة، متجاوزاً آراء أعضائها ومواقف دولهم، حتى بالنسبة إلى الجنرال الأميركي السابق الذي كان يرأس أعمال اللجنة قبل ان تتحول إلى وجهيها العسكري والسياسي. بحيث انّه كان يعتبر أنّ ما قام به ليس في لبنان فحسب إنما في اليمن وسوريا، منسّق سلفاً مع إدارة بلاده في واشنطن. وبالتالي ليس ملزماً بأن يقف عند رأيه عدا عن زميله الفرنسي. وقد سُجل أكثر من خرق في هذا الاتجاه، بحيث انّه لم ينتظر الإسرائيلي رأي الجانب اللبناني الذي عليه استكشاف الموقع المستهدف بالشكوى، وهو ما حصل أكثر من مرّة في الضاحية الجنوبية لبيروت وتحديداً في حي الاميركان والسان تريز، حيث أجرى أعمال حفر في بعض المباني ولم يعثر فيها على أي أسلحة. كما تكرّر الأمر نفسه في بعض قرى اقليم الخروب والشوف الساحلي في وقت سابق، فسارع إلى قصفها وتدميرها من دون ان يرفّ له اي جفن، متجاوزاً انتقادات اللجنة بكل أعضائها.
ويضيف العارفون، انّ هذه التجربة عاشها الجنوبيون ايضاً بكثافة لا يمكن إحصاؤها، وقد تكرّرت الإغارة عشرات المرّات قبل ان تقوم دوريات «اليونيفيل» والجيش بمهمّة التثبت والاستكشاف، ولم يلتزم سوى لمرات قليلة، بدليل وقف القصف الذي كان يستهدف مجمعاً سكنياً في قرية يانوح في قضاء صور منتصف الشهر الماضي، بعدما تجاوب الأهالي مع نصائح الطرفين الجيش و»اليونيفيل» بتفتيشه، فيما لم تنجح أعمال أخرى اعترض خلالها الأهالي على أعمال التفتيش، وهو أمر لم يعد يتكرّر بعد تجربة «بناية يانوح»، عدا عمّا كشفته تلك العملية من تجنٍ إسرائيلي لا مبرّر له سوى الإمعان في أعمال التدمير بحجة وجود اسلحة او نشطاء يعملون على إحياء العمل العسكري في بلداتهم.
وانطلاقاً مما تقدّم، لاحظ العارفون انّ الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة قد خرجت بشكل لافت عن نطاق أعمالها جنوب الليطاني من دون وقفها نهائياً، بعد سلسلة التقارير التي أصدرها الجيش ومعه أطراف الخماسية الذين أشادوا بجهوده الجبارة لإنهاء وجود «المجموعات المسلحة» وتفكيك مخازنهم وإقفال أنفاقهم في المنطقة، وبدأوا التركيز على المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي، دون التردّد في إضافة مناطق ساحلية في صيدا على لائحة أهدافهم بحجة ملاحقة قياديين مما يُسمّى «سرايا المقاومة» أو من الفلسطينيين من حركتي «حماس» و»الجهاد الاسلامي»، كما حصل عند تدمير مبنى في بلدة أنان الشوفية «المسيحية»، والتي لم يكن احد من سكانها ومسؤوليها المحليين على علم بوجود مسؤول «حمساوي» يحمل هوية فلسطينية. وطالما انّه لم يصدر أي بيان ينفي هذه الواقعة عن أي جهة لبنانية أو فلسطينية، فقد اقتنع الجميع بمضمون الإعلان الإسرائيلي الذي شكّل مفارقة تسببت بحالة هلع وقلق كبيرين في بلدة شكّلت ملجأ آمناً لعائلة جنوبية هجرت قريتها الشيعية المستهدفة.
وإلى هذه الملاحظات التي لم يكن منها بدّ، توسع العارفون في تقدير المرحلة المقبلة، فتحدثوا عن نية إسرائيلية بمزيد من الضربات في القرى الواقعة شمال الليطاني وربما تجاوزت مجرى نهر الاولي وصولاً إلى جزين ومحيطها. وذلك لعلمهم بوجود مراكز محصنة للحزب أقيمت في الأودية واطراف الأحياء السكنية، وسبق له أن حولها إلى مناطق عسكرية ممنوعة على أصحاب الأراضي الزراعية والبساتين المثمرة لسنوات عدة، كما استشهد فوقها الطيار سامر حنا قبل سنوات. وهو أمر أثبتته آراء الخبراء العسكريين الذين رصدوا بدء استخدام الطيران صواريخ من طراز «Mk 84» التي تزن 900 كلغ ومزوّدة بحزمة توجيه «J-DAM» قادرة على خرق التحصينات تحت الأرض، ومزوّدة برأس حربي ضخم. وهي تُعرف أيضاً بـ«صاروخ المطرقة» نظراً للضرر الشديد الذي تُخلّفه نتيجة ما تتسبب به من ارتجاج كبير وتردد بعيد المدى يصل صداه إلى مناطق بعيدة جداً عن المناطق المستهدفة.
وفي الخلاصة، ينتهي العارفون إلى التأكيد انّه لن يكون مستبعداً ولا مستغرباً ان تتوسع مهمّات «اليونيفيل» الاستكشافية إلى مناطق بعيدة عن الجنوب، متجاهلة مضمون القرار الأخير بإنهاء ولايتها الحالية نهاية العام 2027، لتتولّى بعدها «القوة البديلة» التي قد تنتشر بنحو مكشوف من أجل مراقبة الموانئ البرية والبحرية والجوية ومناطق بقاعية وربما في قلب جبل لبنان، ليتحول الاستغراب الذي تسبب به دخولها إلى بلدة كفرحتى اول امس، مشواراً ينذر بمهمات إضافية يُستدرج اليها اللبنانيون يوماً بعد آخر. وكل ذلك نتيجة التردّد في التخلّي عن سلاح غير شرعي افتقد أدواره، وبات خطراً مؤكّداً على بيئة حامله واللبنانيين جميعا.
جورج شاهين – الجمهورية
