
منذ أشهر، يتصاعد منسوب الخطاب المتصل بالحرب في المنطقة، متنقّلًا بين التهويل الإعلامي والرسائل السياسية المبطّنة، وصولًا إلى تسريبات أمنية وتحركات عسكرية لا يمكن فصلها عن سياق أوسع لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية. ولم يعد السؤال المطروح اليوم عمّا إذا كانت الحرب ممكنة، بل عمّا إذا كنّا قد انتقلنا فعليًا من مرحلة التهويل بها إلى مرحلة التحضير لها.
اللافت في المرحلة الراهنة أن لغة التهديد لم تعد حكرًا على التصريحات، بل باتت تُرفق بإجراءات عملية، من تعزيز الوجود العسكري في أكثر من ساحة، إلى تكثيف المناورات، وتوسيع نطاق العقوبات، وتكريس مناخ سياسي دولي يوحي بأن خيار المواجهة لم يعد مستبعدًا كما في السابق.
هذا التحوّل يعكس، في أحد أبعاده، فشل مسارات الاحتواء والردع التقليدية، ولا سيما في ما يتصل بالملف الإيراني، سواء في شقّه النووي أو في امتداداته الإقليمية.
ورغم أن الترجيحات السائدة تشير إلى أن أي مواجهة مقبلة قد تكون موجّهة ضد إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن التجارب السابقة تؤكد أن ساحات الاشتباك لا تُحصر دائمًا بالخصم الرئيسي.
فإيران، بحكم شبكة نفوذها وتحالفاتها الممتدّة، لطالما أدارت صراعاتها بأسلوب الحروب غير المباشرة، ما يجعل دولًا كلبنان عرضة لأن تكون جزءًا من مسرح العمليات، سواء شاءت ذلك أم لا.
في هذا السياق، يبرز لبنان بوصفه الحلقة الأضعف، لكنه في الوقت نفسه الأكثر قابلية للاستخدام كساحة لتبادل الرسائل.
والخشية الكبرى تكمن في أن يتحوّل لبنان، مجددًا، إلى ورقة ضغط تُستخدم لتحسين شروط التفاوض أو لتعديل قواعد الاشتباك الإقليمية.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن مسؤولية الطبقة السياسية اللبنانية المتعاقبة منذ العام 1990، والتي فشلت، عن قصد أو عجز، في بناء دولة قادرة على تحصين نفسها من رياح الإقليم.
فمنذ نهاية الحرب، أُدير البلد بمنطق التسويات الموقتة، وتقاسم النفوذ، وتغليب المصالح الفئوية على منطق الدولة، ما أدّى إلى إضعاف المؤسسات، وتهميش القرار السيادي، وترك لبنان مكشوفًا أمام صراعات لا طاقة له على تحمّلها، ساهم فيها بشكل كبير الاحتلال السوري للبنان والسيطرة على القرار السياسي فيه.
إن هذا الفشل المتراكم هو ما جعل البلاد، اليوم، عاجزة عن فرض منطق النأي بالنفس، أو حماية شعبها من ارتدادات الحروب الدائرة من حوله.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن ثمّة حسابات دولية وإقليمية لا تزال تحاول ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لما لذلك من تداعيات كارثية على الاستقرار العالمي، وأسواق الطاقة، والتوازنات الجيوسياسية.
غير أن هذه الحسابات نفسها قد تصبح عاجزة في حال تراكمت الأخطاء، أو خرجت بعض الأطراف عن السيطرة، أو فُرضت المواجهة كخيار أخير.
بين التهويل والتحضير، تبدو المنطقة واقفة على حافة دقيقة، حيث تتداخل الرغبة في الردع مع الاستعداد للأسوأ.
أما لبنان، فسيبقى في قلب هذا القلق المشروع، ما لم ينجح في تحصين نفسه سياسيًا، وتكريس منطق الدولة، واعتماد سياسة نأي فعلي عن صراعات المحاور. فالتاريخ القريب علّم اللبنانيين أن الحروب، حتى حين تُعلن ضد الآخرين، نادرًا ما تمرّ من دون أن تترك على أرضهم أثمانًا باهظة.
دافيد عيسى في اخبار اليوم

