زيارة سلام إلى الجنوب بين الترحيب والامتعاض!

فالنتينا سمعان – “اخبار اليوم”
يزور رئيس الحكومة نواف سلام الجنوب في جولة تستمرّ ليومين، تبدأ من مدينة صورغدًا السبت، حيث سيلتقي في مبنى البلديّة بنواب المنطقة ورؤساء بلديّاتها، ثمّ يتفقّد مقرّ قيادة اللّواء الخامس في الجيش اللبناني في البياضة، قبل أن يتوجّه إلى يارين ومثلث طيرحرفا- الجبين، ومن هناك سيتوجّه إلى مدينة بنت جبيل حيث سيلتقي برؤساء بلديات المنطقة ونوابها في مقرّ اتحاد البلديات، لينتقل بعدها إلى عيترون للقاء رئيس البلديّة في مقرّ البلدية البديل للقصر البلدي الذي دمّر، ليختتم اليوم الأوّل من الجولة بزيارة عين ابل ثمّ رميش حيث سيكون له لقاء شعبيّ مع أهالي البلدتين.
أمّا يوم الأحد، فسيستكمل سلام جولته بدءًا من مركز الجيش اللّبناني عند مثلث تل نحاس بين كفركلا وبرج الملوك حيث سيلتقي رئيس بلديّة كفركلا، ثمّ سيتوجّه إلى ثكنة مرجعيون، فمبنى السراي حيث يلتقي رؤساء بلديّات المنطقة، وينتقل بعدها إلى كفرشوبا ثمّ مقرّ اتحاد بلديات العرقوب في الهبارية ليلتقي رؤساء بلديات المنطقة. وبعد ذلك، سيتوجّه إلى مقرّ اتحاد بلديات الحاصباني في حاصبيا للاجتماع مع رؤساء بلديات منطقتها، ليختتم جولته الجنوبيّة في مدينة النبطية حيث سيشارك في افتتاح السوق المجاني المؤقت لأصحاب المحال التجاريّة المعروف بسوق البيدر.
وكالة “أخبار اليوم” استطلعت آراء الجنوبيّين الرسميّة والشعبيّة إزاء هذه الزيارة والتي انقسمت بين مرحّبة ومستاءة، إذ إنّ هناك من اعتبر أنّ جولة سلام تكتسب أبعادًا سياسيّة ومعنويّة لكلّ أهل الجنوب، بينما اعتبرها آخرون “دعسة ناقصة”.
رئيس بلديّة يارين عدنان أبو دلّة الذي دعا أهل البلدة والبلدات المجاورة المنكوبة و”الممسوحة” (الضهيرة، مروحين، الزلوطية، البستان وأم التوت) إلى لقاء مع رئيس الحكومة في البلدة، اعتبر أنّ جولة سلام الميدانيّة والتفقديّة تنمّ عن كونه شخصًا عمليًّا يفضّل رؤيّة الواقع بأمّ عينه، ولفت إلى أنّها مبادرة فريدة من نوعها، لأنّ سلام هو أوّل رئيس وزراء يزور يارين والبلدات الحدوديّة منذ أكثر من 30 عامًا ليتفقّد أحوال الناس. وشكر أبو دلّة سلام متمنّيًا أن تحمل زيارته الخير للقرى الحدوديّة خصوصًا أنّه رجل عدل وعدالة.
من جهته، تمنّى ميلاد العموري ابن بلدة عين إبل أن تكون الزيارة مثمرة وتحمل معها بوادر الخير للجنوبيّين، ودعا كلّ وجهاء الدولة اللّبنانيّة وأعضائها أن يكونوا موجودين مرّة تلو الأخرى في هذه المنطقة ويزورونها بشكل دوريّ لأنّها منطقة منسيّة منذ سنوات وبعيدة كلّ البعد عن الإنماء، وهي بحاجة لوجود الدولة إلى جانبها للإطلاع على أوضاع أهلها واحتياجاتهم.
بدوره، رحّب إيلي العلم برئيس الحكومة في الجنوب وخصوصًا في بلدته رميش التي صمدت رغم الظروف الصّعبة التي مرّت بها، وتمنّى أن تحمل زيارته الخير والتفاؤل للمنطقة وأبنائها- أبناء الفرح والمحبّة والسلام، كما أثنى على مبادرة سلام حيث أنّ شخصًا بموقعه لم يزر المنطقة الحدوديّة منذ 20 سنة.
أمّا ناصرموسى، فتكلّم باسمه وباسم مجموعة من شباب بلدته كفركلا، فعبّر عن فرحته بزيارة سلام وافتخاره به كقاضٍ دولي ورئيس حكومة لبناني، واعتبر أنّ زيارته تندرج في إطار إبداء حسن نيّته في العمل على مساعدة أبناء الجنوب على تخطّي واقعهم المرير.
وإذ لفت إلى عدم التشكيك بوطنيّة سلام، أكّد أنّه ومجموعة من رفاقه سيخرجون إلى مثلث تل نحاس لاستقباله حتى لو لم يتلقوا دعوة لذلك ولم يزر هو البلدة، فهم بنظر موسى أولى باستقباله من أي مسؤول وهم يتفهّمون أنّ عدم دخوله البلدة يندرج في إطار أمنه الشخصي ويحترمون ذلك، وتمنّى ألّا يساء تقييم سلوك أهل كفركلا بناءً لسلوك بعض أبنائها الذين لا يؤمنون بالدولة.
وختم بعبارة: “من حقّ جميع الناس أن تتقاطع معي بمصالحها، ولكن ليس من حقّها أن تكون مصالحها أهم من مصالحي في بلدي”.
من جهته، اعتبر حسن صبحي من بلدة حولا أنّ الزيارة كانت لتكون أفضل لو أنّ سلام قام بها بعد إعلان وقف إطلاق النار مباشرة، وليس بعد توجيه الانتقادات للمسؤولين بسبب عدم زيارتهم للجنوب، ولكنّه أكمل قائلًا أنّه بسبب هذه الزيارة عادت له القناعة بأنّه محسوب على لبنان بعد أن ظنّ أنّه أصبح خارج حساباته، فتمنّى أن تحمل الزيارة الخير للمنطقة.
من جهة أخرى، أثارت الجولة استياء أهالي البلدات التي استثنت من الزيارة، فيما وجّه أبناء بعضها رسائل إلى رئيس الحكومة.
رئيس بلدية علما الشعب شادي صياح نوّه بأهميّة جولة سلام، لكنّه في المقابل، أصدر بيانًا لفت فيه إلى أنّ فرحته وأبناء بلدته كانت لتكون أكبر لو أنّه زارهم، فعلما الشعب تستأهل أن يتمّ تفقدّها كي لا تشعر أنّ الوطن والقيّمين عليه قد شطبوها عن لائحة القرى البعيدة عن العيون وبالتالي عن القلوب، وشدّد في حديث إلى وكالتنا على أن وجع البلدة كبير وشوقها إلى العودة إلى الوطن أكبر، كما تمنى لو أنّ سلام زار علما الشعب ليستطلع حال مواطنيها ويشعر بما يشعرون به، فتبقى أوضاعهم بذاكرته ليستطيع إيصال صوتهم إلى المحافل الدوليّة والمطالبة بحقوقهم.
أمّا رئيس بلدية عيتا الشعب السابق محمد سرور فاعتبر أنّ أي زيارة لأي مسؤول في أيّ منطقة تقدّر، إذ يعتبرها المواطن لفتة نظر ورعاية تؤكّد أنّه غير منسيّ، لكنّه ينقل استنكار أبناء بلدته لعدم وضعها على جدول الزيارة رغم كونها من أكثر البلدات تدميرًا وتهجيرًا، خصوصًا أنّ سلام يصل إلى حدود عيتا الشعب، وبالتالي لا مبرّر لعدم زيارتها.
استنكار أهالي البلدة وسرور نفسه لم يمنعه من شكر سلام على لفتته وإن كانت متأخرة، متمنّيًا أن يكون جميع المسؤولين على بيّنة من حال النّاس وأوجاعهم وخسائرهم النفسيّة والإقتصاديّة، من دون أن يفسحوا المجال للناس أن تتكلّم وتنتقد، فـ”كلّنا أبناء وطن واحد وهمومنا مشتركة، والمطلوب ألّا يميّزوا بيننا”.
ولفت سرور إلى أنّ صوت أهالي البلدة وصل إلى رئيس الحكومة، وهم يتوقعون منه أن يعدل عن قراره ويزور البلدة غدًا.
من جهتها، أكّدت ليلى تحفة أنّ أبناء يارون علموا من وسائل الإعلام بجولة سلام إلى الجنوب، مع العلم أنّ ليارون أحقيّة وأولويّة في أي جولة لأيّ مسؤول، نظرًا للدمار الكلي الذي تعرّضت له والتهجير والتّشتّت الكبير لعائلاتها.
وأعربت تحفة عن عدم تفاؤلها وأبناء قريتها بأي خطوة، فمنذ سنة لم تشهد البلدة أي تجاوب أو تغيير على أرض الواقع رغم الإعتداءات المستمرّة على البلدة بشكل شبه يوميّ، متسائلة عن إمكانيّة شعور المسؤولين بالنّاس وأوضاعهم في قرى الحافة الأماميّة، وأكّدت أنّهم من الأشخاص الذين يعيشون يومًا بيوم، من دون التفكير بالغد، فوضع البلدة غير مستقر أبدًا ولا جديّة في التّعامل مع ما يحدث على أرض الواقع.
بدوره، لفت محمد صفاوي عضو بلديّة الخيام، إلى الفتور القائم بين “بيئة المقاومة” ورئيس الحكومة، معتبرًا أنّ ذلك سيكون سببًا في عدم اللّقاءات الشعبية مع سلام في الأماكن التي سيتواجد فيها، مؤكّدًا أنّ أبناء الخيام لن يحتجّوا ولن يرفعوا إليه مطالبهم حتّى، رغم كونه- على الصعيد الشخصي- يؤمن برفع المطالب إلى المسؤولين ويعتبره أفضل من السلبيّة في المواقف ولكن “إيد وحدة ما بتزقف”.
وفي سياق متّصل، نقل ابن مدينة بنت جبيل، الأستاذ في علم الاجتماع علي بزي الجو العام المرافق لزيارة سلام إلى الجنوب قائلًا: “سؤال واحد يراود أبناء الجنوب اليوم: ما المناسبة؟ لماذا يزور رئيس الحكومة المنطقة الحدوديّة المدمّرة التي لا زالت تتعرّض للقصف يوميًّا ولا إيقاع حياة فيها أبدًا حتى لو أنّ بعضها مأهولة بالسكان؟ فما الذي يريده؟ وما الذي يحاول إيصاله؟ هل من شيء يحضّر للمنطقة؟، فنظريّة المؤامرة حاضرة دائمًا في أذهان النّاس، خصوصًا في لحظات مصيريّة وحسّاسة كالتي نعيشها اليوم (التهديد الدائم للجنوب، فكرة الحرب التي لا نعرف كيف نزيلها من رؤوسنا، الأحداث التي تحدث في الإقليم وخصوصًا في إيران…”).
الجواب برأي بزي متعدّد الاتجاهات، ولا أحد يملكه حاليًا بشكل نهائي، في المقابل، يعتبر بزي أنّنا يمكن أن نرى هذه الزيارة في هذا التوقيت تحديدًا هي نوع من تدوير الزوايا مع الجهات السياسيّة التي تنتمي لها ديموغرافيا المنطقة، وتندرج ضمن إطار حسن النيّة والاهتمام بهذه المنطقة الجغرافيّة التي تتعرّض يوميًّا للقصف، واتهام المسؤولين بعدم المبالاة بها، وهو ما يدحضه سلام في زيارته هذه، مبرزًا تضامنه مع هذه المنطقة وتبنّيها كجزء من لبنان.
وإذ اعتبر بزي أنّ هذه الخطوة جيّدة، إلّا أنّه أكّد أنّ هذه النيّة تترجم بالأفعال، بدفع تعويضات النّاس، والبدء بخطة إعادة الإعمار، عندها يتأكد الجنوبيّون أنّ الدولة تعتبرهم جزءًا منها مثلهم مثل سكان أي نقطة جغرافيّة في البلد. هذا ما ينتظره النّاس حقيقة، وطالما أنّ المواقف ستبقى في المسار النظري فقط، فهي لا يبنى عليها، والزيارات لا تقدّم ولا تؤخّر.
وختم قائلًا: “أهالي بنت جبيل كما أهالي كلّ الشريط الحدودي بحاجة لوقف العدوان من دون شروط، وبحاجة إلى إعادة الإعمار وازدهار المنطقة”.



