
نداء الوطن – الدكتور دريد بشرّاوي
من نزاع عقاري موضعي إلى مشروع تهجيري للمسيحيين وإشكالية بنيوية تمسّ دولة القانون
لم تعد الوقائع المبلّغ عنها في عدد من المناطق اللبنانية — ولا سيّما لاسا، العاقورة، تنورين، بعلبك، البقاع الشمالي، ضفاف نهر العاصي، جزين (تل سجد)، كفركلا، البياضة، وبعض المناطق الحدودية الجنوبية — قابلة للقراءة في إطار نزاعات عقارية معزولة أو خلافات فردية يمكن معالجتها عبر الآليات التقليدية للتقاضي المدني. ذلك أن تكرار هذه الوقائع، وتشابه أنماطها، وطبيعة الجهات المتدخلة فيها، يثير فرضية وجود ظاهرة ذات طابع منهجي تمسّ بنية حماية حق الملكية في النظام القانوني اللبناني، ولا سيّما بالنسبة إلى مالكين مسيحيين أفراد وإلى مؤسسات كنسية، في مقدّمها البطريركية المارونية والرهبانيات التابعة لها.
ولا تقتصر المسألة على مجرد نزاعات عقارية ذات طابع تقني أو إداري، بل تبدو — في ضوء تكرارها وتعدد صورها — أقرب إلى ظاهرة مركّبة تتداخل فيها عناصر قانونية وأمنية وإدارية، بما يطرح إشكالية أوسع تتصل بمدى قدرة النظام القانوني اللبناني على ضمان حماية فعلية وغير تمييزية لحق الملكية، وعلى صون مبدأ سيادة القانون في مواجهة ممارسات قد تتجاوز إطار المشروعية.
وقد ازداد هذا الوضع تعقيداً وخطورة في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة في جنوب لبنان، في أعقاب معاودة الميليشيا الايرانية المسلحة فتح جبهة ما يُسمّى بـ«حرب الإسناد»، وهذه المرة في سياق مرتبط بدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية. إذ تشير الوقائع الميدانية إلى ما يُشتبه بأنه نمط من الممارسات التي قد تفضي عملياً إلى تهجير سكان عدد من القرى المسيحية الحدودية مع إسرائيل، ولا سيّما القليعة، برج الملوك، مرجعيون، راشيا الفخار، علما الشعب، رميش، دبل، عين إبل، والقوزح وغيرها.
وتفيد معطيات متداولة بتكرار إطلاق الصواريخ من محيط هذه القرى أو من جوارها، بما يعرّضها لخطر الردود العسكرية وما قد يرافقها من تدمير للبنى السكنية والمنشآت الحيوية، الأمر الذي يؤدي عملياً إلى دفع السكان المدنيين نحو النزوح أو مغادرة قراهم. وقد ترافق ذلك مع سقوط ضحايا مدنيين، من بينهم الأب بيار الراعي في القليعة وثلاثة شبان في عين إبل. كما تشير شهادات ومعلومات متداولة إلى حالات توتر بين الأهالي والجهات المليشياوية التي تقوم بإطلاق الصواريخ من محيط القرى، في ظل غياب تام وواضح للدور الفعلي للأجهزة الرسمية، ولا سيّما الجيش اللبناني، سواء في منع استخدام القرى كمنصات لإطلاق الصواريخ أو في توفير الحماية الكافية للسكان المدنيين. وقد أفادت بعض المعطيات أيضاً بوجود تهديدات أو ضغوط تُمارَس على السكان لحملهم على مغادرة قراهم، بما يعزّز الشبهات حول وجود سياسة تهجيرية غير معلنة.
وفي موازاة هذا البعد الأمني، تُثار ادعاءات تتعلق بمجموعة من الممارسات التي تتجاوز إطار المنازعة العقارية التقليدية، من بينها: وضع اليد على عقارات بالقوة خارج الشرعية القانونية، منع المالكين من الوصول إلى أملاكهم، فرض أمر واقع ميليشياوي مادي طويل الأمد، التلاعب بالقيود والسجلات العقارية، التزوير والاحتيال، الادعاء بوجود قرارات قضائية أو إدارية غير صادرة عن المرجع المختص، توظيف محاكم مذهبية خارج نطاق اختصاصها القانوني، فضلاً عن شبهات فساد إداري أو إساءة استعمال السلطة.
وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإنها لا تشكّل مجرد اعتداءات على حقوق فردية، بل تمسّ مباشرة عدداً من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني اللبناني، وفي مقدّمها مبدأ المشروعية، وحصرية السلطة العامة في استعمال القوة، واستقلالية القضاء، وسلامة النظام العقاري.
ويُضاف إلى ذلك بُعد مؤسسي ذو خطورة خاصة يتمثّل في إعادة اعتماد وزير المالية التابع لحركة أمل لتعميم إداري صادر عام 2015 عن وزير المالية السابق علي حسن خليل التابع للجهة الحزبية ذاتها، وهو تعميم تمس آثاره بالنظام القانوني لبعض الأملاك العقارية الجماعية والمشاعات العائدة لقرى مسيحية في جبل لبنان، عبر ضمّها أو إعادة تصنيفها ضمن الملكية العامة أو ضمن أملاك الدولة. وقد يطال هذا الإجراء، وفق ما يُثار من تساؤلات قانونية، ممتلكات خاصة عائدة لمؤسسات كنسية مارونية ولمالكين مسيحيين، ولا سيّما في جبل لبنان.
ويطرح هذا التعميم إشكاليات دستورية وقانونية جوهرية تتعلق بمدى احترامه للضمانات الدستورية لحق الملكية، ولا سيّما ما كرّسه الدستور اللبناني في مادته الخامسة عشرة من حماية الملكية الخاصة وعدم جواز نزعها إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل. كما يثير تساؤلات حول مدى تقيده بمبادئ المشروعية وتدرّج القواعد القانونية وعدم رجعية القرارات الإدارية ووجوب احترام الحقوق المكتسبة، فضلاً عن مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة السابعة من الدستور اللبناني.
ولا تنحصر خطورة هذه المسائل في بعدها العقاري أو الطائفي، بل تمتد إلى صميم مفهوم دولة القانون. فالدولة التي تقوم على سيادة القانون يفترض أن تضمن حماية أمنية فعلية لجميع مواطنيها، ولا سيّما سكان القرى المسيحية المهددة في جنوب لبنان، وأن تكفل حماية الملكية الخاصة — أياً يكن مالكها — بقوة النصوص الدستورية والقانونية، وبواسطة قضاء مستقل وفعّال. كما يفترض أن تكون هذه الحماية متّسقة مع التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيّما ما يتعلق بحماية حق الملكية والحق في المحاكمة العادلة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تسعى هذه الخطة المقترحة إلى:
1. إعادة توصيف الوقائع توصيفاً قانونياً دقيقاً يميّز بين النزاع المدني، والجرم الجزائي، والانحراف في استعمال السلطة؛
2. تحليل الإطار الدستوري والإداري والجزائي الناظم لحماية الملكية في القانون اللبناني؛
3. تحديد سبل الطعن القضائي المتاحة، سواء أمام القضاء العدلي أو الإداري؛
4. استكشاف إمكان اللجوء إلى الآليات الدولية للحماية عند الاقتضاء؛
5. اقتراح التدابير القانونية والمؤسساتية الكفيلة بضمان حماية فعلية وغير تمييزية لحقوق المالكين المعنيين، في إطار احترام الأصول والإجراءات المرعية والمعايير الوطنية والدولية.
وبذلك تنتقل الخطة التي نعتمدها من مقاربة توصيفية للوقائع إلى معالجة قانونية بنيوية، تُعالج المسألة بوصفها اختباراً حقيقياً لمدى صلابة الضمانات الدستورية، ولمفهوم المساواة أمام القانون، ولقدرة الدولة على صون النظام القانوني للملكية من أي مساس خارج إطار الشرعية وتأمين الحماية لأهالي القرى المهددة.
أولاً: تحليل الحالات الواقعية في ضوء القانون اللبناني
تمهيد منهجي
لتحليل الوقائع المبلّغ عنها يقتضي التمييز بين أربعة مستويات قانونية متداخلة:
1. المستوى الدستوري: حماية الملكية الخاصة وحرية ممارسة الشعائر الدينية؛
2. المستوى المدني والعقاري: حجية القيود العقارية وآليات نقل الملكية؛
3. المستوى الجزائي: تجريم الاعتداء على الأملاك والمالكين وعلى الموظفين العموميين؛
4. المستوى الإداري: مشروعية القرارات والتعاميم الصادرة عن السلطة التنفيذية وإمكان الطعن بها.
وانطلاقاً من هذا التقسيم، يُعاد توصيف الوقائع الآتية:
ألف: لاسا، العاقورة وتنورين: نزاعات عقارية واعتداءات محتملة على ممتلكات كنسية
1. الإطار الوقائعي
تشير المعطيات المتداولة عن نزاعات واسعة النطاق تتصل بعقارات عائدة للبطريركية المارونية ولمالكين أفراد، ومن بينها واقعة تحويل كنيسة سيدة الوردية في لاسا إلى حسينية، قبل تسليم مفتاحها عام 2008 إلى العماد ميشال عون بدل المرجعية المالكة أي البطريركية المارونية.
وبصرف النظر عن الجدل السياسي المحيط بهذه الوقائع، فإن التقييم القانوني ينصرف حصراً إلى ما إذا كان ثمة مساس بحقوق ملكية ثابتة أو بحرية ممارسة الشعائر الدينية خارج الأطر القانونية.
2 ـ المساس بحق الملكية
(أ) في القانون الدستوري اللبناني
تنص المادة 15 من الدستور اللبناني على أن:
“الملكية في حمى القانون، ولا يجوز أن يُنزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد دفع تعويض عادل.”
ويستخلص من هذا النص أربعة شروط صارمة:
1. وجود نص قانوني صريح؛
2. تحقق منفعة عامة فعلية؛
3. احترام الإجراءات المحددة قانوناً؛
4. دفع تعويض مسبق وعادل.
وأي وضع يد مادي، أو نقل ملكية غير مستند إلى سند قانوني صحيح، أو مصادرة فعلية de facto دون اتباع إجراءات الاستملاك، يشكل اعتداءً غير مشروع على الملكية.
(ب) في الإطار الدولي
تكرّس المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما المادة الأولى من البروتوكول رقم 1 للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان مبدأ الحماية القانونية للملكية الفردية. وقد أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Sporrong and Lönnroth v. Sweden معيار “التوازن العادل” بين المصلحة العامة وحقوق الفرد، مؤكدة أن أي تدخل يجب أن يكون: قانونياً، مشروع الغاية ومتناسباً.
كما أكدت في قضية Holy Monasteries v. Greece أن ممتلكات المؤسسات الدينية تتمتع بالحماية الكاملة لحق الملكية.
رغم أن لبنان ليس طرفاً في الاتفاقية الأوروبية، إلا أن هذه المبادئ تُستخدم معياراً تفسيرياً في الفقه المقارن.
(ج) في المسؤولية الإدارية
إذا ثبت أن جهة عامة تقاعست عن حماية الملكية أو ساهمت في تكريس وضع غير مشروع، فقد تنشأ مسؤولية الدولة أمام مجلس شورى الدولة استناداً إلى نظرية الخطأ المرفقي أو الامتناع غير المشروع.
3ـ المساس المحتمل بحرية الدين
على الصعيد الوطني تنص مقدمة الدستور اللبناني (الفقرة ج) على احترام الحريات العامة، كما تنص المادة 9 منه على حرية الضمير واحترام الأنظمة الخاصة بالطوائف.
أما على الصعيد الدولي فتنص المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين؛ أضف الى ذلك ان المادة 9 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تفيد بأنه إذا تم تغيير طبيعة مكان عبادة مملوك قانوناً لطائفة دينية دون موافقة الجهة المالكة الشرعية، فقد يُعد ذلك:
• مساساً بحق الملكية؛
• وتدخلاً في ممارسة الشعائر الدينية الجماعية.
والاجتهاد المقارن يربط بين حماية الأملاك الدينية وضمان الحرية الدينية المؤسسية.
4ـ الاعتداء على المساحين وعرقلة مهمة عامة
إذا ثبت حصول اعتداء على مساحين أثناء قيامهم بمهام رسمية، فإن ذلك قد يندرج ضمن:
• جرائم مقاومة أو تعطيل موظف عام أثناء ممارسة وظيفته (المواد 381 وما يليها من قانون العقوبات اللبناني)؛
• جرائم العنف المشدد إذا اقترن الفعل باستخدام القوة.
كما أن عرقلة أعمال التحديد والتحرير تمس بمبدأ الأمن القانوني وبانتظام المرفق العقاري، وهو من المبادئ العامة في القانون الإداري اللبناني المستلهم جزئياً من الفقه الفرنسي.
باء: الاحتلال المادي والاستيلاء العقاري ومخطط تهجير القرى المسيحية في باقي المناطق اللبنانية لاسيما القرى الجنوبية
تشير التطورات الأمنية الأخيرة في جنوب لبنان إلى معطيات ميدانية تثير مخاوف جدية من وجود نمط من الممارسات قد يفضي عملياً إلى تهجير سكان عدد من القرى المسيحية الحدودية مع إسرائيل، ولا سيّما القليعة، برج الملوك، مرجعيون، راشيا الفخار، علما الشعب، رميش، دبل، عين إبل، والقوزح وغيرها. وتفيد المعلومات المتداولة بتكرار إطلاق الصواريخ من محيط هذه القرى أو من جوارها، الأمر الذي يعرّضها لخطر الردود العسكرية وما قد يرافقها من تدمير للمساكن والبنى التحتية، بما يخلق عن سابق تصور وتصميم بيئة أمنية ضاغطة تدفع السكان المدنيين إلى النزوح أو مغادرة مناطقهم.
وفي ظل التوترات المتكررة بين الأهالي والجهات المسلحة التي تستخدم محيط القرى لإطلاق الصواريخ، ومع الغياب الواضح للدور الفعلي للأجهزة الرسمية في منع استخدام المناطق السكنية لأغراض عسكرية أو في توفير الحماية الكافية للسكان المدنيين، تتعزز المؤشرات على وجود سياسة غير معلنة تقوم عملياً على تفريغ هذه القرى من سكانها. وفي هذا السياق، يذهب عدد من التحليلات إلى اعتبار أن هذه الممارسات قد تشكّل جزءاً من مخطط منهجي يستهدف تهجير السكان المسيحيين من القرى الحدودية، بما قد يفتح المجال لاحقاً أمام الاستيلاء على عقاراتهم وتغيير البنية الديموغرافية في هذه المناطق، في إطار ممارسات تُنسب إلى الميليشيا المرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان.
وإزاء خطورة هذه المعطيات وما قد يترتب عليها من آثار ديموغرافية وقانونية بعيدة المدى، تبرز الحاجة إلى بحث السبل والأدوات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بالتصدي لهذا الواقع، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، بهدف وضع حد لهذه الممارسات ومنع تكريس نتائجها على الأرض، بما يضمن حماية السكان المدنيين وصون حقوق الملكية ومنع أي تغيير قسري في البنية السكانية لهذه المناطق.
1ـ في القانون المدني والعقاري
الملكية العقارية في لبنان تخضع لنظام التسجيل العيني، وتتمتع القيود العقارية بقوة ثبوتية مطلقة طالما لم تُبطَل قضائياً.
وعليه:
• لا تنتقل الملكية إلا بعقد صحيح وتسجيله؛
• لا يكتسب واضع اليد ملكية عقار مسجّل إلا وفق شروط استثنائية محددة.
الاحتلال المادي الذي يمنع المالك من الانتفاع بعقاره يشكل:
• تعدّياً (voie de fait)؛
• موجباً لدعوى منع التعرض واسترداد الحيازة والتعويض.
2ـ في القانون الجزائي
يجرّم قانون العقوبات الاعتداء على الملكية العقارية، ولا سيما في حالات:
• التهديد بالقتل وبالاعتداء على السلامة الجسدية، ووقوع جرائم قتل أو محاولات قتل بحق أبناء القرى، فضلاً عن أعمال عنف أو أعمال إرهابية يُدّعى ارتكابها بقصد تهجير السكان وحملهم على مغادرة قراهم تحت وطأة الضغوط المادية والمعنوية والتهديد بالسلاح.
• اغتصاب العقار؛
• التهديد أو العنف لفرض وضع اليد؛
• التزوير في المستندات العقارية.
وفي حال اقتران الفعل بالعنف أو التهديد المسلح، قد يتشدد الوصف الجرمي.
3ـ في القانون الدولي الإنساني
إذا ارتبطت الوقائع بسياق هجوم مسلح، فإن:
• المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النهب؛
• وتُعتبر الاستيلاءات غير المبررة عسكرياً محظورة.
وقد اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية Prosecutor v. Kordić and Čerkez أن التدمير أو الاستيلاء غير المشروع على الممتلكات الدينية في سياق نزاع مسلح قد يشكل جريمة حرب.
ويظلّ تطبيق هذا الإطار القانوني مشروطاً بتوافر عناصر النزاع المسلح وفق التعريف القانوني الدقيق في القانون الدولي الإنساني.
كما أنه، في حال تبيّن وجود مخطّط تهجيري يستهدف فئة من اللبنانيين — ولا سيما المسيحيين — من قراهم، وخصوصاً في جنوب لبنان، بقصد الاستيلاء على ممتلكاتهم العقارية، وإذا ثبت أن هذه الأفعال ترتكب في إطار مخطّط واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد مجموعة من السكان المدنيين، فقد يندرج هذا السلوك ضمن الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما جريمة التهجير القسري للسكان أو الاضطهاد على أساس ديني، متى توافرت العناصر القانونية اللازمة لهذه الجرائم.
جيم: التعميم أو القرار الوزاري الصادر في 31 كانون الأول 2015
1ـ الطبيعة القانونية للتعميم
في القانون الإداري اللبناني، يُعدّ التعميم:
• عملاً تنظيمياً داخلياً؛
• أداة تفسير أو توجيه إداري؛
• غير منشئ لحقوق جديدة.
ولا يمكن للتعميم:
• نقل ملكية خاصة إلى الدولة؛
• تعديل الوضع القانوني لعقار مسجّل؛
• إلا استناداً إلى قانون صريح أو مرسوم استملاك أصولي.
2ـ الرقابة القضائية
إذا ترتب على التعميم:
• تعديل فعلي في المعاملة الإدارية؛
• أو حرمان المالك من ممارسة حقه؛
جاز الطعن به أمام مجلس شورى الدولة بدعوى الإبطال لتجاوز حد السلطة، مع طلب وقف التنفيذ عند توافر ركني:
1. الجدية في الأسباب؛
2. الضرر البليغ
3. وهنا لا يكفي ، كما يدّعي البعض، ادخال تعديلات على نص التعميم وانما ابطاله كلياً.
3ـ حدود سلطة السحب
يجيز الفقه الإداري سحب القرار غير المشروع خلال مهلة معقولة.
وقد حدّد مجلس الدولة الفرنسي في قرار Ternon إطاراً زمنياً دقيقاً لسحب القرارات الفردية المنشئة للحقوق.
ورغم اختلاف النظامين، يُستأنس بهذه المبادئ في الفقه اللبناني.
4ـ شروط أي مساس مشروع بالملكية
أي إجراء إداري يمس حق الملكية يجب أن يستوفي:
1. مبدأ الشرعية؛
2. وجود منفعة عامة حقيقية؛
3. مبدأ التناسب؛
4. تعويضاً مسبقاً وعادلاً (مادة 15 من الدستور).
وفي غياب هذه الشروط، يكون القرار مشوباً بتجاوز حد السلطة وقابلاً للإلغاء.
دال: الإطار الدستوري والعقاري الحاكم
يقوم النظام العقاري اللبناني على:
• مبدأ التسجيل العيني؛
• القوة الثبوتية المطلقة للقيود؛
• عدم انتقال الملكية إلا بالتسجيل.
وأي:
• تزوير قيود،
• تعديل غير مشروع للسجل،
• وضع يد دون سند،
قد يرتب:
• مسؤولية مدنية؛
• مسؤولية جزائية؛
• مسؤولية إدارية عند تقصير المرفق العام.
ثانياً: من له الأهلية القانونية للقيام بالإجراءات القضائية (Locus Standi)؟
تُعدّ مسألة الأهلية للقيام بالإجراءات القضائية (الصفة والمصلحة) شرطاً جوهرياً لقبول أي دعوى، وهي تسبق البحث في أساس النزاع. فانتفاء الصفة أو المصلحة يؤدي إلى ردّ الدعوى شكلاً دون الدخول في الموضوع.
في القانون اللبناني، كما في الفقه المقارن، يُشترط لقبول الدعوى:
1. وجود مصلحة مباشرة، شخصية وحالية (intérêt personnel, direct et actuel)؛
2. تحقق ضرر مؤكد أو محتمل بجدية؛
3. توافر الأهلية القانونية والصفة في التمثيل أمام القضاء.
ويستند ذلك إلى المبادئ العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني، ولا سيما القاعدة المستقرة فقهاً وقضاءً بأن: “لا دعوى بلا مصلحة”.
وتُكرّس المادة 20 من الدستور اللبناني مبدأ حق التقاضي واستقلال السلطة القضائية، فيما تضمن المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة.
وقد أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Golder v. United Kingdom مبدأ الحق في الوصول الفعلي إلى محكمة باعتباره عنصراً ضمنياً في ضمانات المحاكمة العادلة.
ألف: الأشخاص المتضررون مباشرة (الجهات ذات الأولوية)
1ـ تحديد الأشخاص المتضررين
يمتلك الصفة والمصلحة المباشرة:
• المالك المُسلب أو المتضرر من الاعتداء؛
• ورثته أو خلفه العام؛
• الشخص المعنوي المالك (كنيسة، أبرشية، مؤسسة، جمعية).
هؤلاء يتمتعون بمصلحة مباشرة وشخصية وحالية، ويُعتبرون قانوناً أصحاب المركز الإجرائي الأقوى.
أ. الأساس الدستوري والمدني
تحمي المادة 15 من الدستور اللبناني حق الملكية، وتُخضع أي نزع ملكية لشروط صارمة (المنفعة العامة، القانون، التعويض المسبق والعادل).
كما يكرّس قانون الملكية العقارية اللبناني مبدأ القوة الثبوتية المطلقة للتسجيل العقاري، بحيث لا يُنازع في الملكية إلا عبر الطعن القضائي بالقيد.
وقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Papamichalopoulos v. Greece بأن الاحتلال الطويل الأمد دون سند قانوني يشكّل انتهاكاً مستمراً لحق الملكية حتى في غياب قرار مصادرة رسمي، وهو اجتهاد يُستأنس به في الفقه المقارن عند توصيف الاحتلال المادي الممتد.
ب. الدعوى المدنية
يمكن للمالك مباشرة:
• دعوى الاستحقاق (الدعوى العينية العقارية) لتثبيت الملكية واسترداد العقار؛
• دعوى منع التعرض واسترداد الحيازة عند حصول اعتداء مادي؛
• دعوى التعويض استناداً إلى أحكام المسؤولية التقصيرية في قانون الموجبات والعقود (المواد المتعلقة بالخطأ والضرر والعلاقة السببية)؛
• دعوى الإبطال أمام مجلس شورى الدولة إذا كان مصدر الاعتداء قراراً إدارياً.
ويستند القضاء اللبناني إلى نظرية الخطأ التقصيري الموجب للتعويض متى ثبت:
1. خطأ غير مشروع؛
2. ضرر؛
3. علاقة سببية.
ج. الدعوى الجزائية
في حال توافر عناصر جرمية (اغتصاب عقار، تزوير، استعمال مزور، احتيال، تلاعب بالسجلات العقارية، تهديد، عنف، مقاومة موظفين)، تُطبّق أحكام قانون العقوبات اللبناني المتعلقة:
• بالاعتداء على الأملاك العقارية؛
• بالتزوير واستعمال المزور؛
• بالعنف والتهديد؛
• بمقاومة الموظفين العموميين.
• بجمعية أشرار في حال اكتمال عناصرها الجرمية.
ويجوز للمتضرر الادعاء شخصياً أمام قاضي التحقيق أو المحكمة الجزائية المختصين مكانياً بصفته مدعياً شخصياً (طرفاً مدنياً)، مما يعزز موقعه الإجرائي ويمكنه من المطالبة بالتعويض ضمن الدعوى الجزائية.
باء: المؤسسات الدينية المالكة
أ. الشخصية المعنوية والاستقلالية
تتمتع الأبرشيات، الرعايا، الأديرة، والبطريركيات المعترف بها في النظام اللبناني بالشخصية المعنوية، ولها ذمة مالية مستقلة، وتملك أهلية التقاضي باسمها.
ولا تتوقف أهليتها على أي تفويض خارجي، بل تمارس حقها مباشرة بواسطة ممثلها القانوني.
ب. الأساس الدستوري
تنص المادة 9 من الدستور اللبناني على احترام الدولة للأنظمة الخاصة بالطوائف الدينية وضمان حرية إقامة الشعائر.
ويُفهم من ذلك إقرار الاستقلالية التنظيمية والمالية للمؤسسات الدينية، بما يشمل حقها في حماية ممتلكاتها أمام القضاء.
جيم: المنظمات غير الحكومية
1ـ الشروط العامة
يجوز للمنظمة غير الحكومية التحرك إذا:
• كان نظامها الأساسي ينص صراحة على حماية الحقوق العقارية أو التراث؛
• كانت تمثل ضحايا محددين أو مفوضة منهم؛
• ثبت وجود مصلحة مباشرة متصلة بهدفها الاجتماعي.
فالقانون اللبناني لا يعترف بالدعوى الشعبية المجردة (actio popularis) إلا بنص خاص.
2ـ الفقه المقارن
أقرّ مجلس الدولة الفرنسي في قرار Syndicat des patrons coiffeurs de Limoges مبدأ قبول طعن الجمعيات إذا كان القرار الإداري يمس مباشرة بالمصلحة الجماعية التي أنشئت للدفاع عنها.
وفي المجال الجزائي، لا تُقبل صفة الادعاء الشخصي للجمعيات إلا إذا أجاز القانون ذلك صراحةً (كما في جرائم التمييز أو البيئة أو حماية المستهلك).
هـاء: الدولة اللبنانية
1ـ سلطة الملاحقة الجزائية
الدعوى العامة تعود للنيابة العامة، التي تملك تحريكها تلقائياً عند توافر عناصر الجريمة، عملاً بمبدأ الشرعية والاستنسابية في الملاحقة الجزائية، ويقع على عاتق الدولة اللبنانية تأمين الحماية لأهالي القرى المهددة والمعتدى على أهاليها وعلى عقاراتهم.
ويكون تدخّل الدولة حاسماً وواجباً على وجه الخصوص عند توافر مؤشرات جدية على وجود:
• أفعال جرمية منظمة أو ذات طابع جماعي؛
• تهديدات ترمي إلى حمل سكان القرى على مغادرة منازلهم أو تهجيرهم منها؛
• تهديد بالقتل أو بالاغتيال أو بالاعتداء على السلامة الجسدية أو المعنوية؛
• جرائم قتل أو اغتيال أو محاولات قتل أو اغتيال؛
• قصف القرى بالمدفعية أو بالأسلحة الثقيلة، أو إطلاق النار عليها وعلى سكانها؛
• تزوير في القيود أو المستندات الرسمية؛
• اعتداءات تمسّ بالنظام العام والأمن العام؛
• اعتداءات تُرتكب بواسطة القوة المسلحة أو من قبل قوى أمر واقع ضد المالكين المواطنين وأملاكهم.
2ـ السلطة الإدارية
يمكن للإدارة:
• سحب القرار غير المشروع ضمن مهلة معقولة؛
• تصحيح خطأ إداري؛
• الدفاع عن قراراتها أو الطعن بقرارات صادرة عن سلطات أخرى أمام مجلس شورى الدولة.
ويُلزم مبدأ المشروعية جميع السلطات العامة بالخضوع للقانون، وإلا تعرّضت قراراتها للإبطال لتجاوز حد السلطة.
3ـ التعاون القضائي الدولي
في حال وجود عناصر:
• احتيال عابر للحدود؛
• غسل أموال؛
• تحويلات غير مشروعة؛
يمكن للدولة تفعيل اتفاقيات التعاون القضائي الدولي.
كما يمكن للدولة، عند توافر الشروط القانونية واستيفاء العناصر المؤسسة لجرائم ضد الإنسانية، الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية وفق المادة 12، الفقرة 3 من نظام روما الأساسي، وطلب تعيين لجنة تحقيق دولية بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو أي هيئة أممية مختصة.
وـ الجهات والآليات الدولية
1ـ المسؤولية الدولية
إذا ثبتت انتهاكات جسيمة لحق الملكية أو لحرية الدين منسوبة إلى الدولة أو نتيجة تقصيرها الجسيم، يمكن إثارة مسؤوليتها الدولية استناداً إلى قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة.
2ـ الجناية ضد الإنسانية
إذا ثبت توافر عناصر:
• اضطهاد على أساس ديني؛
• تهجير قسري؛
• هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد مدنيين لاعتبارات دينية، سياسية أو عرقية؛
فقد يُثار توصيف الجريمة ضد الإنسانية.
وقد اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية Prosecutor v. Kordić and Čerkez أن التدمير أو الاستيلاء على الممتلكات الدينية ضمن هجوم منهجي قد يندرج ضمن الجرائم الدولية.
غير أن هذا التوصيف يتطلب معياراً إثباتياً عالياً جداً.
3ـ آليات الأمم المتحدة
يمكن اللجوء إلى:
• الدوليين المقررين الخاصين المعنيين بحرية الدين أو الأقليات أو السكن الملائم؛
• مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
ويستند ذلك إلى المادة 2 فقرة 3 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تلزم الدول بتوفير سبيل انتصاف فعال، مع شرط استنفاذ سبل الطعن الداخلية قبل التدويل.
ثالثاً: الإجراءات القانونية العملية الواجب اتخاذها
يجب أن تكون الاستراتيجية القضائية متدرجة، منسّقة، ومؤمّنة قانوناً، بحيث لا تُبنى على ردّات فعل ظرفية بل على منطق إثباتي تراكمي ينسجم مع متطلبات الأمن القانوني ومبدأ حسن سير العدالة.
وترتكز عملياً على ثلاث مراحل أساسية:
1. الإثبات
2. المباشرة بالدعاوى
3. الحماية العاجلة والتحفظية
وهو تسلسل ينسجم مع المبادئ العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني، ولا سيما القاعدة الجوهرية القائلة بأن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي، وهي قاعدة مستقرة فقهاً واجتهاداً، ومكرسة في قواعد الإثبات العامة وفي اجتهادات محكمة التمييز اللبنانية التي اعتبرت أن القاضي لا يبني حكمه إلا على أدلة قانونية منتجة ومناقَشة أصولاً.
ألف: المرحلة الأولى: جمع وتأمين الأدلة
1ـ عبء الإثبات والأساس القانوني
يُعدّ مبدأ “البينة على من ادعى” من المبادئ المستقرة في قانون الإثبات اللبناني، وهو تعبير عن قاعدة فقهية وقانونية عامة مفادها أن من يتمسك بحق عليه أن يثبته.
ويقع على عاتق المدعي إثبات:
• حقه في الملكية؛
• وقوع الاعتداء أو العيب؛
• العلاقة السببية بين الفعل والضرر؛
• مقدار الضرر عند المطالبة بالتعويض.
وهذا يتوافق مع المبادئ العامة في قانون الموجبات والعقود، حيث يشترط لقيام المسؤولية المدنية: الخطأ، الضرر، وعلاقة السببية.
بدون أدلة قانونية صلبة، لا يمكن لأي إجراء أن يثمر، سواء مدنياً أو جزائياً أو إدارياً، إذ إن القضاء اللبناني، أسوة بالقضاء المقارن، يرفض الدعاوى غير المؤيدة بأدلة جدية.
2ـ أنواع الأدلة الأساسية
تشمل الأدلة الجوهرية:
• سندات الملكية العقارية المسجلة؛
• عقود البيع؛
• مستخرجات حديثة من السجل العقاري؛
• الصكوك الموثّقة (Notarized Acts)؛
• أدلة على الاحتيال أو الإكراه؛
• مستندات مالية (تحويلات مصرفية، كشوف حسابات)؛
• قرائن تثبت وجود خطة عامة أو نمط منهجي محتمل.
ويجوز، وفق قانون أصول المحاكمات المدنية، الاستعانة بالخبرة الفنية، ولا سيما الخبرة العقارية والمحاسبية، لتبيان صحة القيود أو كشف أي تلاعب.
3ـ القيمة القانونية لسندات الملكية
يقوم النظام العقاري اللبناني على نظام السجل العيني (النظام المنشوري)، حيث:
• تتمتع القيود العقارية بقوة ثبوتية تجاه الغير؛
• تقوم قرينة قانونية على صحة القيد إلى أن يثبت تزويره أو إبطاله قضائياً؛
• لا تنتقل الملكية العقارية إلا بالتسجيل في السجل العقاري.
وقد استقر الاجتهاد اللبناني على أن القيد العقاري يشكل حجة على الكافة إلى أن يُشطب أو يُعدّل بحكم قضائي مبرم.
وعلى الصعيد المقارن، أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية
Sporrong and Lönnroth v. Sweden
مبدأ أن الأمن القانوني للحقوق العينية عنصر جوهري في حماية حق الملكية بموجب المادة 1 من البروتوكول الأول للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وهو مبدأ يُستأنس به لتأكيد استقرار القيود العقارية ومنع المساس التعسفي بها.
4ـ أدلة الاحتيال والإكراه
في القانون المدني:
الرضا المعيب (الغش، العنف، الإكراه) يؤدي إلى إبطال العقد وفق أحكام قانون الموجبات والعقود المتعلقة بعيوب الرضا، حيث يشترط:
• وجود وسائل احتيالية مؤثرة؛
• أو ضغط معنوي أو مادي غير مشروع؛
• وأن يكون العيب جوهرياً مؤثراً في الإرادة.
ويترتب على الإبطال إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد.
في القانون الجزائي:
تُجرّم أفعال:
• التزوير واستعمال المزور؛
• الاحتيال؛
• التهديد والعنف؛
• الرشوة والفساد؛
• اغتصاب العقار؛
• تأليف جمعية أشرار.
ويقتضي الإثبات الجزائي توافر:
• الركن المادي؛
• الركن المعنوي (القصد الجرمي)؛
• وعدم قيام سبب تبريري.
5ـ البعد المنهجي المحتمل
إذا أثبتت الأدلة وجود نمط واسع أو منهجي يهدف إلى تهجير سكان لأسباب دينية أو عرقية، فقد يُثار توصيف دولي مشدد.
تنص المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على تجريم:
• الاضطهاد؛
• الإبعاد أو النقل القسري للسكان؛
عندما ترتكب في سياق هجوم واسع أو منهجي ضد المدنيين.
وقد حدّدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية
Prosecutor v. Krstić
معايير توصيف “الهجوم الواسع أو المنهجي”، من حيث:
• الطابع المنظم؛
• التكرار؛
• وجود سياسة عامة أو خطة واعية.
غير أن هذا التوصيف يتطلب مستوى إثبات عالياً جداً، ويخضع لمعايير صارمة.
باء: المرحلة الثانية: اللجوء إلى المحاكم اللبنانية
يُكرّس القانون الدولي مبدأ استنفاذ سبل الطعن الداخلية قبل أي لجوء دولي، وهو مبدأ راسخ في فقه القانون الدولي العام وفي آليات حقوق الإنسان.
1ـ الدعوى المدنية لإلغاء البيع أو استرداد الملكية
أمام المحكمة الابتدائية المدنية المختصة، يمكن طلب:
• إبطال البيع؛
• استرداد العقار؛
• التعويض عن الضرر.
الأسس القانونية المحتملة:
• عيب الرضا (غش، عنف) ؛
• نقص الأهلية؛
• الاحتيال؛
• مخالفة النظام العام.
وقد يستغرق المسار المدني عدة سنوات نظراً لتعقيد الإثبات وتعدد الخصوم.
2ـ الدعوى الجزائية
يجوز للمالكين للمتضررين:
• تقديم إخبار أو شكوى أمام النيابة العامة؛
• الادعاء الشخصي أمام قاضي التحقيق المختص مكانياً؛
يمكن اتخاذ تدابير تحفظية، منها:
• تجميد المعاملات العقارية؛
• الحجز الاحتياطي؛
• منع التصرف؛
• وضع إشارة منع تصرف على الصحيفة العقارية.
3ـ الإجراءات الإدارية أمام مجلس شورى الدولة
يمكن تقديم مراجعة إبطال ضد:
• تعميم وزارة المالية؛
• قرار إداري ناقل للملكية العامة؛
• أي قرار مخالف للمادة 15 من الدستور.
وترتكز دعوى الإبطال على:
• تجاوز حد السلطة؛
• العيب الشكلي؛
• مخالفة القانون؛
• إساءة استعمال السلطة؛
• الانحراف بالسلطة.
ويخضع كل قرار إداري لمبدأ المشروعية، وهو مبدأ دستوري عام، وتراقبه جهة القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة).
جيم: المرحلة الثالثة: التدابير العاجلة
تُعد السرعة عنصراً حاسماً لمنع ترسيخ أوضاع غير قانونية، إذ إن مرور الزمن قد يؤدي إلى تعقيد الوضع القانوني أو انتقال الملكية بحسن النية.
1ـ القضاء المستعجل
يجوز اللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة عند توافر:
• حالة استعجال؛
• ضرر وشيك؛
• تعدٍ واضح أو نزاع لا يحتمل الانتظار.
ومن التدابير الممكنة:
• وقف تنفيذ معاملة عقارية؛
• منع مؤقت من التصرف؛
• تسجيل إشارة دعوى أو اعتراض في السجل العقاري؛
• الأمر باتخاذ تدبير تحفظي يمنع تفاقم الضرر.
هذه الوسائل تمنع استكمال التصرفات المشبوهة وتحافظ على مركز قانوني مؤقت إلى حين البت في الأساس.
2ـ الحماية الدولية المؤقتة
في حالات استثنائية، قد تُطلب تدابير تحفظية أمام جهات دولية.
تملك محكمة العدل الدولية صلاحية إصدار تدابير مؤقتة بين الدول في حال وجود نزاع دولي.
كما يتيح نظام المحكمة الجنائية الدولية اتخاذ تدابير تحفظية في سياق اختصاصها الجنائي.
غير أن هذه الآليات تبقى استثنائية ومشروطة باختصاص المحكمة وقبول الدولة المعنية.
ولكن، في ظل غياب كامل لسلطة الدولة وسيطرة المليشيات المسلحة على المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والسياسية، ومصادرة قراراتها، وفي ظل الخطر الذي يهدد وجود بعض الفئات اللبنانية، ولا سيما المسيحيين، يصبح من الضروري النظر في منح لبنان حماية دولية مؤقتة. ويُمكن تحقيق ذلك إما باستصدار قرار جديد من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، أو بإعادة تفعيل القرار رقم 1701 لمجلس الأمن وتنفيذ بنوده الملزمة بالقوة، لا سيما تلك المتعلقة بتجريد المليشيات من سلاحها، بالإضافة إلى تفعيل القرار رقم 1559 الصادر عن مجلس الأمن، الذي يفرض تجريد المليشيات من سلاحها بالكامل.
رابعاً: الإجراءات الدولية الممكنة
لا يُنظر في الإجراءات الدولية إلا عند:
• وجود عناصر أجنبية (أموال، شركات، جنسيات)؛
• تدفقات مالية عابرة للحدود؛
• إثبات نمط منهجي يرقى إلى توصيف دولي بجرائم ضد الانسانية وتهجيرية.
ويحكم ذلك مبدأ الفرعية (subsidiarité)، أي أولوية القضاء الوطني.
ألف: الإجراءات المدنية في الخارج
يجوز رفع دعاوى أمام محاكم أجنبية إذا توفرت صلة اختصاص، مثل:
• وجود أصول في الخارج؛
• جنسية المدعى عليهم؛
• غسل أموال عابر للحدود؛
• وجود شركة واجهة في دولة أجنبية.
ويُنظّم التعاون الدولي بموجب:
• اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية؛
• اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
ويمكن طلب تجميد أصول بشكل عاجل إذا توافرت شروط الاختصاص القضائي الدولي.
باء: الشكوى المتعلقة بغسل الأموال
يُعد غسل الأموال جريمة مستقلة في معظم النظم القانونية.
عند عبور الأموال عبر مصارف أجنبية، يمكن إخطار وحدات الاستخبارات المالية.
وتضع
Financial Action Task Force
معايير دولية تتعلق بـ:
• تتبع التدفقات المالية؛
• واجب العناية المصرفية؛
• تجميد الأصول المشبوهة؛
• التعاون بين السلطات.
جيم: آليات حقوق الإنسان الدولية
يمكن مخاطبة:
• المقررين الخاصين للأمم المتحدة؛
• مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة؛
• المحكمة الجنائية الدولية (إذا قبلت الدولة الاختصاص وفق المادة 12 §3 من نظام روما).
خامساً: الأدوات التنظيمية والاستراتيجية
ألف: إنشاء صندوق طوارئ
يمكن إنشاؤه عبر:
• جمعية مسجلة؛
• مؤسسة دولية.
الوظائف:
• تمويل الدعاوى؛
• أتعاب المحامين؛
• الخبرات الفنية؛
• التوثيق؛
• الدعم اللوجستي للضحايا.
الالتزامات:
• شفافية مالية؛
• حوكمة واضحة؛
• تفويض صريح من الضحايا أو المالكين المتضررين؛
• امتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال ومعايير
Financial Action Task Force.
وأي خلل في الحوكمة قد يعرّض الصندوق للمساءلة الجزائية أو المدنية.
باء: تشكيل فريق قانوني فعال
يتكوّن من:
• محامٍ عقاري لبناني؛
• محامٍ جزائي؛
• مكتب دولي عند الحاجة؛
• خبير عقاري؛
• خبير مالي.
الانسجام الاستراتيجي بين المسارات أساسي، لتفادي تناقض المواقف أو تضارب الدفوع.
جيم: الاستراتيجية الواقعية الموصى بها
1. تحديد الحالات بدقة؛
2. جمع الأدلة؛
3. تعيين محامٍ محلي؛
4. تسجيل اعتراض في السجل العقاري؛
5. طلب تدبير تحفظي؛
6. تحريك الدعاوى المدنية والجزائية؛
7. تدويل القضية في حال استمرار عجز وتلكؤ السلطات اللبنانية.
دال: نقطة حرجة
القانون العقاري وطني بطبيعته.
لذلك، لا يمكن لأي جهة دولية إلغاء قيد عقاري لبناني مباشرة.
اختصاص المحكمة الجنائية الدولية جنائي بحت، وليس مدنياً.
الآليات الدولية قد:
• تحدد المسؤولية؛
• تفرض عقوبات؛
• توصي بتعويضات؛
لكنها لا تحل محل القضاء العقاري الوطني، ولا تنشئ بحد ذاتها أثراً مباشراً على القيود العقارية.
سادساً: المسؤولية الدولية للدولة وأطر التدويل
اذا ثبتت انتهاكات جسيمة لحق الملكية أو لحرية الدين أو لمبدأ عدم التمييز أو وجود مخطط تهجيري لفئة من اللبنانيين، فقد تُثار مسؤولية الدولة بموجب قواعد القانون الدولي العام.
الإطار المرجعي الأساسي هنا هو مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً الذي اعتمدته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة سنة 2001، والذي أصبح مرجعاً تفسيرياً معترفاً به في الاجتهاد الدولي.
تقوم المسؤولية الدولية للدولة عند توافر ثلاثة عناصر:
1. فعل أو امتناع يشكل خرقاً لالتزام دولي؛
2. قابلية إسناد الفعل إلى الدولة؛
3. وقوع ضرر أو مساس بحق محمي دولياً.
• الإسناد إلى الدولة
يمكن أن يُنسب الفعل إلى الدولة إذا صدر عن:
• أحد أجهزتها الرسمية (إدارية، قضائية، أمنية)؛
• أو عن جهة تمارس صلاحيات حكومية بتفويض؛
• أو عن جهة خاصة إذا ثبت أنها كانت تحت توجيه أو سيطرة الدولة الفعلية.
وقد تناولت محكمة العدل الدولية معيار “السيطرة الفعلية” في قضية
Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua
حيث اشترطت درجة من السيطرة الفعلية لإسناد أفعال جهات غير حكومية إلى دولة.
الخلاصة
في ظل التراجع الحاد في قدرة الدولة اللبنانية على الاضطلاع بوظائفها الأساسية، وتنامي نفوذ الميليشيا الإيرانية المسلحة وتأثيرها الواسع على عدد من المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والسياسية، تشهد مناطق مختلفة من لبنان ظاهرة مقلقة تتمثل في تزايد الاعتداءات على ممتلكات المواطنين المسيحيين ومحاولات الاستيلاء على عقاراتهم. ويستفيد هذا الواقع من ضعف الدولة أو عجزها عن فرض سيادة القانون وتأمين الحماية الفعلية للمدنيين وممتلكاتهم.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على القرى الحدودية في جنوب لبنان، بل تمتد إلى مناطق أخرى حيث تتكرر حالات الضغط المباشر أو غير المباشر على المالكين، مستفيدة من الأوضاع الأمنية والسياسية الهشة. ويبدو في عدد من الحالات أن السيطرة على العقارات تشكل وسيلة لدفع السكان الأصليين إلى مغادرة مناطقهم، بما يؤدي تدريجياً إلى تغيير البنية الديموغرافية لبعض المناطق اللبنانية.
وفي القرى المسيحية الحدودية مع إسرائيل، يفاقم استخدام محيط هذه القرى لأغراض عسكرية وتعريضها المتكرر لخطر العمليات العسكرية من هذه الضغوط، ما يخلق بيئة أمنية تدفع السكان إلى النزوح. وإذا ما ترافق ذلك مع محاولات السيطرة على الممتلكات العقارية أو استغلال غياب أصحابها، فإن هذه الممارسات قد ترقى، وفق القانون الدولي، إلى أفعال تشكل جرائم ضد الإنسانية، ولا سيما التهجير القسري والاضطهاد على أساس ديني أو مذهبي، متى ارتكبت في إطار سياسة منهجية أو واسعة النطاق.
وأمام عجز الدولة أو غيابها، يبرز التدخل الدولي كضرورة قانونية لحماية المدنيين والفئات المهددة من التهجير والاستيلاء على ممتلكاتهم، وضمان احترام حقوقهم الأساسية. ويمكن أن يتم ذلك عبر استصدار قرار جديد من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، أو عبر تفعيل القرارات القائمة، ولا سيما القرارين 1701 و1559، بما يضمن حماية السكان المدنيين، حصر السلاح بيد الدولة، ومنع استمرار الممارسات التي تهدد السلم والأمن في لبنان والمنطقة.
