أخبار محلية

العصر الشيعي

د. عبدالله ريشا – الجمهورية
يغرق اللبنانيّون بقراءة الأحداث ومحاولة إسقاطها على مستقبل الحياة السياسية في لبنان، يستندون إلى عواطف أو مشاعر داخلية أو يتأثرون بإعلام وتوجُّهات سياسية ينظّمها أصحاب القرار والنفوذ. نادراً ما يرتكزون على وقائع أو معلومات أو على دروس الماضي والتاريخ، وهم غالباً ما يختلفون على قراءته وتوصيفه. في معاينة سريعة لتحوُّلات التأثير والنفوذ الداخلي، لا يختلف اثنان على تحديد فترة العصر الماروني منذ الاستقلال حتى بداية الحرب اللبنانية، ومن بعدها سقوط الدستور الرئاسي لصالح دستور مجلس الوزراء مجتمعاً.

العربوشعوب الشرق الأوسط
تراجعت الامتيازات المارونية لصالح حقوق الطائفة السنّية الدستورية. لم يلتقط المسيحيّون الإشارات التحذيرية المتتالية، بدءاً من الورقة الدستورية عام 1976، مروراً بالاتفاق الثلاثي عام 1985. انتقلت الإصلاحات الدستورية نفسها، وبصيغ مختلفة، وسقطت بفعل ممانعة أصحاب الامتيازات. وكان آخرها اجتماع الهيئة التنفيذية لـ«القوات اللبنانية» عام 1985 للتصويت على قبول المناصفة عوضاً عن 6 والـ5 مكرّر.

تعادل الفريقان، ليُحسَم الأمر في انتفاضة عسكرية أطاحت بقيادة حبيقة، الذي أصاب بقراءة التحوُّلات وأخطأ بالتوقيت، لترحل الإصلاحات نفسها، بعد 4 سنوات، إلى اتفاق الطائف المغطى إقليمياً باتفاق سوري – أميركي – سعودي، معلنةً نهاية العصر الماروني، ويبدأ عصراً سنّياً، ناقلاً رباعي الحُكم إلى رفيق الحريري بمظلّة سورية مدعّمة بتوجُّه أميركي قائم على شعار سوريا أولاً، تثبّت فعلياً منذ تسلّم كلينتون مقاليد الحُكم عام 1993.

أربعة أعمدة نُعايِن من خلالها منسوب النفوذ الداخلي والخارجي في توازنات دقيقة: حاكم مصرف لبنان، قائد الجيش، الإعلام، ومدّعي عام التمييز. هي إدارة الحكم التي انتقلت من المارونية السياسية إلى الحريرية مع استثناءات سورية متكرّرة، متعلّقة بمقتضيات الأمن القومي ووحدة المسار والمصير. يختلف اللبنانيون في تقييم مرحلة 2006-2026. منهم مَن اعتبر أنّ العصر الشيعي بدأ منذ 7 أيار 2008. لكنّ منهجية المعاينة والتقييم تأخذنا إلى استنتاج آخر أكثر دقة وواقعية، يقول على أنّها مرحلة نزاع انتقالية شبيهة بالمرحلة التي توسطت ما بين سقوط الحكم الرئاسي ولحظة توقيع اتفاق الطائف. 15 سنة من الاهتزازات والحروب العسكرية، فرض المسلمون أنفسهم بفعل الممانعة والتحاقهم بمقتضيات القضية الفلسطينية، أمّا مرحلة ما بعد الـ2006، فتلخّص بـ20 سنة من الاهتزازات والحروب الاقتصادية، فرض الشيعة أنفسهم بفعل الممانعة والاعتراض من دون تمكّنهم من الاستيلاء على الرباعي الذهبي الذي بقي ذا غالبية أميركية غير خاضعة لإدارة النفوذ الشيعي.

هيئاتتنفيذية

إشارات ذات دلالات، أطلّت برأسها، شبيهة بإشارات الورقة الدستورية عام 1976، والاتفاق الثلاثي عام 1085. نذكر منها اتفاق الدوحة الذي هيّأ العدّة لنظريات الثلث الضامن أو المعطّل وحق الفيتو المشرّع. منذ العام 2006، لم يكن قائد الجيش والحاكم والإعلام والعدل شيعياً، بل على العكس كانوا وسائل ضغط لضبط فائض قوّة «حزب الله» غير المترجَم دستورياً. هو وجه من وجوه الصراع والتوازن بين السلاح وخصوم السلاح. تشبه كثيراً هذه المرحلة فترة الحرب الأهلية الانتقالية من حيث عدم الثبات وتقلّبات النفوذ الإقليمي، أكثر من تلك التي طبعت عصور الموارنة والسنّة بثباتها وتوجّهاتها.

هذا المسار التاريخي المتراكم، قد يستنتج مَن يقر بتقييماته، أنّ العصر الشيعي بات وشيكاً، فينتقل «حزب الله»، من نظرية السلاح لحماية السلاح التي أطلقها السيد حسن نصر الله عام 2008، إلى نظرية السلاح لانتزاع الصلاحيات. في مشهدية تتطابق مع استعمال المسلمين لسلاح منظمة التحرير، وبعده السلاح السوري، لتعديل الدستور وانتزاع الصلاحيات. قد يُعيد التاريخ نفسه ويكمل مساره المتقلّب ليطيح بالجمهورية الثانية بقوّة الممانعة المعطوفة على توازنات إقليمية بدأت تلوح بالأفق، ويُعيد نفسه أيضاً في مشهد ماروني مكرَّر عشية تسوية تدخلها قيادات مسيحية مؤتمنة على ما تبقّى من صلاحيات، متقاتلة لا متنافسة، ومخوِّنة لبعضها البعض، من دون استراتيجية مشتركة ومن دون ظهير إقليمي مكترث.

قد يعيد نفسه أيضاً برهانهم على الولايات المتحدة التي خذلتهم عام 1958 و1976 و1984 و1990 و2009. إنّ احتمال الصفقة على الملف اللبناني، بات الأقرب إلى الواقع، مدعّماً بالوقائع مع استمرار إيران بلعب أوراق إقليمية رابحة، واستمرار رغبة ومصلحة الولايات المتحدة في إيجاد ضمانة لأمن الشمال الإسرائيلي. لتبقى المقايضة الأكثر واقعية: أمن الشمال مقابل الحكم في بيروت، أو بعض من امتيازاته ومراكز قراره.

إنّها الوقائع، وعلى القيادات المسيحية ألّا تتمثل بالفيلسوف النمسوي فون ميز، الذي دأب ذات يوم على تدعيم كتابه بنظريات خيالية لا تمتّ إلى الواقع والوقائع بصلة، ليدخل عليه بعض الأصدقاء والحريصين وليقولوا له: ما بالك تكتب وتنظّر، فكتاباتك ونظرياتك لم تعُد تستند إلى الوقائع… ليجيبهم فون ميز قائلاً: مسكينة هي الوقائع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |