أخبار محلية

من بشير الجميل إلى إيران… إسرائيل تكرر الوهم نفسه

أعادت خطة إسرائيلية مزعومة لإسقاط النظام الإيراني، عبر تحريك مقاتلين أكراد والدفع بالرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى الواجهة، فتح سجل طويل من التدخلات الإسرائيلية في المنطقة، انتهت معظمها بنتائج معاكسة لأهدافها. فمن لبنان عام 1982 إلى إيران اليوم، يتكرر الرهان على أقليات وشخصيات تفتقر إلى الشرعية الشعبية، في محاولة لإعادة رسم الشرق الأوسط من الخارج.

وفي مقال تحليلي نشرته القناة “N12” الإسرائيلية، رأى البروفيسور إيلي بوده أن المعلومات التي ظهرت أخيرًا بشأن خطة وضعها جهاز “الموساد”، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لإسقاط النظام الإيراني ضمن عملية منظّمة تشمل تشغيل قوات كردية و«تنصيب» أحمدي نجاد، تثير الاستغراب والدهشة.

وأوضح بوده أن الخطة قد تبدو، للوهلة الأولى، فكرة مبتكرة تشبه عمليات أخرى نفذها «الموساد» ووصفت داخل إسرائيل بالناجحة، مثل سرقة الأرشيف النووي الإيراني، وعملية تفجير أجهزة «البيجر» ضد مقاتلي حزب الله، واغتيال علماء وخبراء نوويين إيرانيين.

لكن النظرة الأعمق، وفق الكاتب، تثير تساؤلات جدية بشأن المنطق الذي يقف خلف الخطة، التي تبدو أقرب إلى الخيال منها إلى مشروع سياسي وعسكري ناضج.

وأشار إلى أن أول مكامن الخلل يتمثل في الاعتماد على بضعة آلاف من المقاتلين الأكراد لإشعال تمرد في كردستان الإيرانية، على أمل دفع أقليات أخرى وقوى معارضة إلى الانتفاض والمشاركة في القتال.

ورأى أن هذا الرهان مشكوك فيه في أفضل الأحوال، إذ يصعب الاعتقاد بأن أقلية غير فارسية، لا تتمتع بشرعية واسعة داخل إيران، يمكنها أن تحشد حولها دعمًا شعبيًا كبيرًا، حتى في حال حصولها على مساعدة عسكرية إسرائيلية.

ولفت إلى أن الاستناد إلى التجربة السورية لا يبدو دقيقًا، لأن أحمد الشرع، رغم خلفيته الجهادية، ينتمي إلى الأكثرية العربية والمسلمة والسنّية، ما منح مشروعه فرصًا أكبر منذ البداية، خصوصًا أنه جاء بعد الضربات الكثيرة التي تلقاها النظام السوري خلال 13 عامًا من الحرب الأهلية.

وأضاف أن تجربة إسرائيل السابقة مع الأكراد لم تكن ناجحة، فرغم مساعدتهم في تمردهم ضد النظام العراقي، لم يتمكنوا، خلافًا لما كانت تأمله تل أبيب، من إشغال الجيش العراقي وتقييد حركته خلال حربَي 1967 و1973.

أما الرهان على أحمدي نجاد بوصفه شخصية محورية في المشروع، فاعتبره بوده غير مفهوم، ليس فقط بسبب ماضيه المعادي لإسرائيل والمواقف التي وُصفت بأنها معادية للسامية، رغم الادعاء بأنه شهد تحولًا فكريًا، بل لأن قدرته على قيادة الجماهير وإطلاق حركة واسعة لا تزال غير واضحة.

وحذّر من أن الاعتماد على شخصية واحدة قد يتحول إلى نقطة ضعف قاتلة، مستعيدًا تجربة اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، الذي قال إنه انتُخب «على الحراب الإسرائيلية»، وما أدى إليه اغتياله من انهيار المحاولة الإسرائيلية لإقامة نظام صديق في لبنان.

ورأى الكاتب أن المشروع الإيراني يعيد إلى الذاكرة ما جرى في لبنان عام 1982، إذ قاد «الموساد» التحرك في الحالتين، رغم اعتراضات عدد كبير من مسؤولي الجيش والاستخبارات، وحتى في ظل وجود أصوات معارضة داخل الجهاز نفسه.

وكما يشكل الأكراد أقلية في إيران، كان الموارنة أقلية داخل لبنان، فضلًا عن الشكوك التي أحاطت بمدى قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم. وفي نهاية المطاف، لم يقدم الموارنة لإسرائيل المساعدة التي كانت تتوقعها منهم خلال الحرب.

وإذا كان وزير الدفاع أرييل شارون هو من قاد المشروع في لبنان، فإن نتنياهو يقود المشروع الحالي في إيران، بعدما اعتبره خطوة قد تساعده قبل الانتخابات في التعويض عن إخفاق 7 تشرين الأول.

وأشار بوده إلى أن شارون ونتنياهو راهنا على تنفيذ عملية عسكرية واحدة تحقق ما يُعرف في التعبير الشعبي بـ«خلط الأوراق بالكامل»، من خلال إسقاط أنظمة، وصناعة تحالفات جديدة، وتوقيع اتفاقيات سلام، وصولًا إلى إقامة ما سُمّي «شرق أوسط جديد».

لكن التدخل الإسرائيلي في إيران، بحسب الكاتب، ليس حالة استثنائية، إذ يُظهر تاريخ السياسة الإسرائيلية في المنطقة منذ قيام الدولة سلسلة طويلة من التدخلات التي اتخذت أشكالًا ودوافع مختلفة.

تمثّل النمط الأول في التدخل لإنقاذ أنظمة صديقة، وأبرز أمثلته مساعدة إسرائيل للملك الأردني الحسين في الحفاظ على عرشه أمام الخطر الذي شكله الفلسطينيون والسوريون خلال أحداث «أيلول الأسود» عام 1970.

ولفت إلى أن الملك الحسين نقل طلبه إلى إسرائيل سرًا عبر الأميركيين والبريطانيين، قبل أن يرد الجميل بعد 3 سنوات، عندما زار إسرائيل سرًا لتحذيرها من خطر حرب قادمة من مصر وسوريا.

أما النمط الثاني، فتمثّل في محاولات زعزعة أنظمة معادية، غالبًا من خلال دعم أقليات تخوض حروبًا أهلية ضد السلطات المركزية.

وفي هذا السياق، جاء الدعم الإسرائيلي للأقلية الكردية في العراق بين عامَي 1963 و1975، والدعم المقدم إلى المسيحيين في جنوب السودان خلال حربهم ضد النظام الإسلامي في الخرطوم بين عامَي 1969 و1982.

كما دعمت إسرائيل الملكيين الزيديين، وهم أحد فروع الشيعة، في اليمن خلال معركتهم ضد النظام الموالي لمصر الذي وصل إلى الحكم بانقلاب عام 1962، في محاولة غير مباشرة لإضعاف القاهرة التي كانت تدعم النظام بقوات وأسلحة.

أما النوع الثالث والأكثر شيوعًا، فهو إحباط تهديدات على أراضي دول أخرى، ومن أمثلته تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981، والمنشأة النووية السورية عام 2007، ومحاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن عام 1997، واغتيال محمود المبحوح في دبي عام 2010.

ويشمل ذلك أيضًا العمليات الإسرائيلية ضد منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن ولبنان، إضافة إلى محاولة اغتيال قادة في حركة حماس داخل قطر عام 2025.

أما النسخة الأكثر تطرفًا من هذا التدخل، فكانت تؤدي إلى وجود إسرائيلي داخل أراضٍ محتلة، كما حدث بعد عملية الليطاني في لبنان عام 1978، وكما ظهر مجددًا في عمليات الاحتلال الإسرائيلية في لبنان وسوريا بعد 7 تشرين الأول.

ويتمثل النمط الرابع في محاولات إسقاط أنظمة معادية. وخلال العقدين الأولين من قيام إسرائيل، أقامت تل أبيب علاقات مع ضباط عسكريين ومدنيين اعتقدت أنهم قادرون على قيادة انقلابات داخلية.

ومن أبرز الأمثلة التعاون مع الضابط السوري أديب الشيشكلي، الذي حكم سوريا بين عامَي 1951 و1954، وكان يفترض أن ينفذ انقلابًا عسكريًا بمساعدة إسرائيل، إلا أن قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس عام 1956 أدى إلى إحباط المبادرة.

كما تعاونت إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا في محاولة لإسقاط نظام عبد الناصر خلال حرب السويس، أو «العدوان الثلاثي»، في تشرين الأول 1956.

ولم تفشل العملية فقط في إسقاط النظام المصري، بل خرج عبد الناصر منتصرًا من الحرب على المستوى السياسي، وتعزز موقعه قائدًا للعالم العربي، فيما تحولت القومية العربية والسعي إلى الوحدة إلى أيديولوجيا رائدة في المنطقة.

أما النمط الخامس، فتمثّل في محاولات «تنصيب» أنظمة صديقة لإسرائيل، بهدف التعاون معها وربما توقيع اتفاقيات سلام.

وتبقى التجربة الأشهر هي محاولة إسرائيل التعاون مع المسيحيين الموارنة في لبنان، رغم كونهم جماعة أقلية، قبل أن تنتهي عملية «تنصيب» بشير الجميل باغتياله، ثم بانسحاب إسرائيلي مرتبك عام 2000، شكّل انتصارًا كبيرًا لحزب الله.

ومن زاوية القانون الدولي، أكد بوده أن تدخل دولة في الشؤون الداخلية لدولة أخرى لا يُعد عملًا مشروعًا، باستثناء الحالات التي تطلب فيها دولة تدخل دولة أخرى، كما حدث عندما طلب الأردن مساعدة إسرائيل عام 1970.

وفي حالات العداء الكامل أو وجود تهديد فوري، قد يُنظر إلى التدخل في الشؤون الداخلية على أنه مبرر، إلا أن تنفيذه داخل أراضٍ صديقة، كما حدث في الأردن أو دبي، يشكل خطأ.

وشدد على ضرورة فحص فرص نجاح أي تدخل استنادًا إلى الظروف القائمة، والأطراف الفاعلة، والدروس التاريخية، بدلًا من الاعتماد على خطط تبدو جذابة نظريًا لكنها تفتقر إلى الشرعية والقدرة على الاستمرار.

ورأى أن تاريخ المحاولات الإسرائيلية لإسقاط الأنظمة العربية أو زعزعتها كان يفترض أن يعلّم إسرائيل أن مصير هذه التدخلات، في معظم الحالات، هو الفشل.

وأشار إلى أن التجربة الأميركية في فيتنام وأفغانستان والعراق، وكذلك تدخل دول شرق أوسطية في شؤون دول أخرى داخل المنطقة، انتهت بدورها إلى إخفاقات.

وخلص بوده إلى أن محاولة إسقاط النظام الإيراني كانت خطوة خاطئة، ولم تؤدِ إلى صناعة «شرق أوسط جديد»، بل عززت صورة إسرائيل بوصفها «متنمّرًا إقليميًا» لا يتردد في استخدام مختلف الوسائل لإعادة تشكيل المنطقة وفق طموحاته، وبما يتعارض مع القانون الدولي.

وبذلك، لا تبدو إيران أمام مشروع إسرائيلي جديد بقدر ما تبدو أمام نسخة أخرى من أوهام عام 1982: أقليات تُستخدم، وشخصيات تُنصّب، وخرائط تُرسم من الخارج، قبل أن تنقلب النتائج على أصحابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |