أخبار محلية

اغتيال نصرالله كان إهانة لبايدن… تقرير أميركي: نتنياهو استخدم الغطاء الأميركي

كشفت شهادات غير مسبوقة لمسؤولين سابقين في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن حجم التوتر والانقسام داخل البيت الأبيض خلال حرب غزة، وسط شعور متزايد بأن واشنطن لم تمارس ضغطًا كافيًا على حكومة بنيامين نتنياهو، رغم التحذيرات المتكررة من حجم القصف، وتعطيل المساعدات الإنسانية، وخطر اتساع المواجهة إلى إيران ولبنان.

وبحسب تقرير نشرته القناة “N12” الإسرائيلية، استنادًا إلى تحقيق موسع في مجلة «نيويوركر» قائم على مقابلات مع عشرات المسؤولين السابقين، وجّه عدد من كبار مسؤولي إدارة بايدن انتقادات حادة إلى طريقة إدارة إسرائيل للحرب في غزة، وإلى سياسة البيت الأبيض نفسه في التعامل معها.

ورأى كثير من هؤلاء أن الولايات المتحدة لم تستخدم ما يكفي من أدوات الضغط على حكومة إسرائيل ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رغم أن الغرف المغلقة شهدت مرارًا تحذيرات من مسار الحرب وتداعياتها.

ومنذ الأسابيع الأولى للقتال، خشي مسؤولون في البيت الأبيض من أن تؤدي كثافة الضربات الإسرائيلية، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ليس فقط إلى اتهامات بارتكاب جرائم حرب، بل أيضًا إلى الإضرار بالمصالح الأميركية في المنطقة، وتعريض مفاوضات إطلاق الأسرى للخطر، وزيادة احتمال اندلاع مواجهة إقليمية أوسع.

وكشف مستشار الأمن القومي السابق جيك سوليفان أن بايدن وفريقه ناقشوا مرارًا إمكان تأخير شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، إلا أن الرئيس امتنع عن اتخاذ هذه الخطوة، انطلاقًا من اعتقاده بأن التوصل إلى صفقة أسرى ووقف لإطلاق النار لا يزال في متناول اليد.

وقال سوليفان: «عندما ننظر إلى الأمر اليوم ببرودة وبعد مرور الوقت، يصبح من السهل أكثر رؤية الفخ الذي وقعنا فيه بسبب طريقة التفكير هذه».

وأضاف: «أقولها بوضوح، كان علينا أن نمارس ضغطًا أكبر على إسرائيل كي تتبنى نهجًا مختلفًا».

وأفاد مسؤولون آخرون بأن الدعم الأميركي العلني وغير المشروط لإسرائيل اعتُبر داخل الإدارة نوعًا من «المخاطرة الأخلاقية»، إذ منح نتنياهو مساحة أوسع لتوسيع المواجهة، بما في ذلك ضد إيران.

وقال فيليب غوردون، مستشار الأمن القومي السابق لنائبة الرئيس كامالا هاريس، إن واشنطن حذرت نتنياهو مرارًا من التصعيد مع إيران.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن ننصحهم بقوة، وهذا ما فعله بايدن مرارًا مع بيبي: بحق الجحيم، خذوا النصر ولا تجرّونا إلى حرب أخرى. لكن الإسرائيليين كانوا يعلمون أننا سندافع عنهم».

ووفق التقرير، شبّه وزير الدفاع الأميركي السابق لويد أوستن نتنياهو بمقامر «يلعب بأموال المنزل»، في إشارة إلى اعتماده على الغطاء الأميركي الذي يتيح له خوض مخاطر أكبر.

وقال مسؤولون أميركيون إن إسرائيل نفذت مرارًا عمليات كبيرة ضد إيران وحزب الله من دون تقديم إنذارات كافية للبيت الأبيض مسبقًا.

ووصف أحد كبار مسؤولي البيت الأبيض السابقين اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، الذي نُفذ بعد وقت قصير من دعوة أميركية إلى وقف إطلاق النار، بأنه شكّل «إهانة» لبايدن.

وفي الوقت نفسه، تصاعد القلق داخل الإدارة منذ المراحل الأولى للحرب بسبب حجم القصف على قطاع غزة.

وقال مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية إن أعضاء الإدارة كانوا «مصدومين» من شدة الضربات.

وأضاف: «كنا جميعًا في حالة صدمة من مدى العدوانية والفتك، وكنا نسأل: ما الذي يفعلونه بحق الجحيم؟».

وبحسب التقرير، تساءل وزير الخارجية السابق أنتوني بلينكن أمام فريقه عن كيفية تبرير إسرائيل حجم الدمار، فيما رأى مسؤولون أميركيون أنه من غير الممكن أن تكون كل هذه الأهداف العسكرية المشروعة قد حُددت واختيرت بصورة فردية خلال مدة قصيرة بهذا الحجم.

وكشف التحقيق أيضًا عن خلافات داخلية حادة بشأن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة.

وقال بلينكن لنتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت إن إدخال الغذاء إلى القطاع «ليس مجرد مسؤولية أخلاقية، بل ضرورة استراتيجية وضرورة قانونية أيضًا».

ووفق المصادر، لم يوافق نتنياهو على إدخال كمية محدودة من المساعدات إلا بعدما هدده بلينكن بإلغاء زيارة كانت مقررة لبايدن إلى إسرائيل.

وعاد ملف شحنات السلاح الأميركية إلى الواجهة مرارًا خلال اجتماعات البيت الأبيض.

وقال سوليفان إن إمكان تعليق هذه الشحنات طُرح مرات عديدة، إلا أن بايدن لم يوافق، باستثناء تأخير شحنة واحدة من القنابل، على خطوات أكثر أهمية.

وكشف التقرير أن الإدارة أعدّت خلال الحرب مشروع خطاب شديد اللهجة كان من المفترض أن يوجهه بايدن مباشرة إلى الإسرائيليين، متجاوزًا نتنياهو، لإقناعهم بأن الحرب الشاملة لا تخدم مصلحة إسرائيل.

وكانت الفكرة تقوم على استثمار الشعبية المرتفعة التي حظي بها بايدن داخل إسرائيل بعد هجوم 7 تشرين الأول، من أجل عرض مسار مختلف يركز على تحرير الأسرى، وتجنب إلحاق أذى غير ضروري بالمدنيين، والتقدم نحو التطبيع مع السعودية وحل الدولتين.

لكن نتنياهو والوزير السابق رون درمر نقلا إلى البيت الأبيض رسائل تفيد بأن إسرائيل تدرس بجدية صفقة لتبادل الأسرى، ما دفع بايدن إلى التراجع عن الخطاب التصعيدي واستبداله بخطاب دعا إسرائيل إلى تبني المقترح المطروح للصفقة.

وقال عدد من المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا إلى معدّ التحقيق إن نتنياهو لم يكن جادًا فعليًا في دفع الاتفاق قدمًا.

وقال مسؤول سابق كبير في البيت الأبيض: «بيبي كان يلعب ألعابًا».

بدوره، أبدى بلينكن ندمه على نتائج الحرب، وقال: «كيف يمكن ألّا نشعر بالندم أمام الثمن الذي دفعه رجال ونساء وأطفال أبرياء؟».

لكنه أضاف مستشهدًا بكلام بايدن: «شككوا في حكمي، لكن لا تشككوا في دوافعِي».

وكشف سوليفان أنه عانى ليالي طويلة من الأرق وهو يفكر في الخطوات التي كان يمكن للولايات المتحدة أن تقوم بها بصورة مختلفة.

وقال عن إدخال المساعدات الإنسانية: «تقدمنا ثم تراجعنا، تقدمنا ثم تراجعنا. كان علينا أن نجد طريقة للخروج من دائرة الشد والجذب المستمرة هذه».

وأوضح في المقابل أن الإدارة كانت تخشى من أن تؤدي أي خطوة دراماتيكية ضد إسرائيل إلى نتيجة مزدوجة: ألّا تغير السياسة الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه تدفع حماس إلى التشدد في المفاوضات وإطالة أمد الحرب.

كما وجّه جون فاينر، نائب مستشار الأمن القومي السابق، انتقادات قاسية إلى طريقة إدارة العمليات العسكرية.

وقال: «السمة التي طبعت حرب غزة كانت أن إلحاق الضرر بالمدنيين، بالنسبة إلى حماس وكذلك إلى إسرائيل، لم يكن أثرًا جانبيًا، بل جزءًا من الاستراتيجية».

وأضاف أن الولايات المتحدة «لا ينبغي أن تقبل بحروب يكون فيها استهداف المدنيين هدفًا، ولا ينبغي أن تسمح باستخدام أسلحتها لتحقيق هذا الهدف».

وبين تردد بايدن في استخدام ورقة السلاح، وخشية فريقه من تعطيل مفاوضات الأسرى، بقيت الإدارة عالقة بين رغبتها في ضبط نتنياهو ورفضها كسر الغطاء الأميركي عنه، فيما تكشف الشهادات اليوم أن الثمن لم يكن سياسيًا فقط، بل إنسانيًا وإقليميًا أيضًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |