شهران من التّصعيد… والمراوغة الديبلوماسيّة

صلاح سلام – اللواء
لم تحمل الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة في السفارة الأميركية في روما أي مفاجأة. فالنتيجة السلبية كانت متوقعة منذ البداية، لأن الحكومة الإسرائيلية لم تُظهر، في أي مرحلة، استعداداً حقيقياً لتنفيذ التزاماتها الواردة في اتفاق الإطار، بل تعاملت مع المفاوضات كوسيلة لكسب الوقت وفرض شروط جديدة لا تمتُّ بصلة إلى الاتفاق، بعدما ربطت الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة بنزع سلاح حزب الله.
هذا السلوك لا يعكس خلافاً تقنياً حول آليات التنفيذ، بل يكشف قراراً سياسياً بالمماطلة والتنصل من التعهدات. رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الذي يضع حساباته الانتخابية فوق أي اعتبار آخر، يخشى أن أي انسحاب من جنوب لبنان قد يُستغل داخل إسرائيل ضده على أنه تراجع أمام الضغوط، لذلك يناور لإبقاء الجبهة اللبنانية رهينة التجاذبات الداخلية.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن الإدارة الأميركية، بصفتها الراعي والضامن الأساسي للمفاوضات، لم تمارس حتى الآن الضغط الكفيل بإلزام إسرائيل باحترام تعهداتها. فاستمرار عمليات التدمير والتجريف والاغتيال، خلال انعقاد جولات التفاوض، لم يكن مجرد خرق ميداني، بل رسالة سياسية تؤكد أن تل أبيب تتصرف وكأنها فوق أي مساءلة، فيما يكتفي الضامنون الدوليون الآخرون بتسجيل الاعتراضات من دون إجراءات عملية تفرض احترام الاتفاق.
لكن أخطر ما في هذه المرحلة هو احتمال تمديد حالة التصعيد في الجنوب، والتجميد في المفاوضات، لشهرين إضافيين، ريثما تنقضي الاستحقاقات السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل. وإذا صح هذا التقدير، فإن لبنان لا يستطيع أن يكتفي بدور المتفرِّج، أو أن يراهن على تبدُّل المزاج السياسي في واشنطن أو تل أبيب، بعد الإنتخابات في البلدين.
المطلوب أولاً رفع مستوى التحرك الدبلوماسي، لتثبيت وقف إطلاق النار، وتوفير الدعم للجيش اللبناني، وتحويل الخروقات الإسرائيلية اليومية إلى ملف دائم أمام مجلس الأمن والدول الراعية، مع المطالبة الصريحة بمساءلة إسرائيل عن إخلالها بالتزاماتها. كما أن على الدولة اللبنانية أن تتمسك برفض أي محاولة لتعديل اتفاق الإطار، أو فرض شروط جديدة عليه، لأن القبول بهذا المنطق يعني مكافأة المماطلة وتشجيع سياسة فرض الوقائع بالقوة..
لقد أثبتت جولات روما أن المشكلة ليست في غياب التفاوض، بل في غياب الإرادة الإسرائيلية لتنفيذ ما التزمت به. ولذلك، فإن حماية الحقوق اللبنانية في المرحلة المقبلة لن تتحقق بالانتظار، بل بممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والدبلوماسي والقانوني على إسرائيل، وعلى كل من تعهد بضمان تنفيذ الاتفاق ثم اكتفى بمراقبة انتهاكه.



