أخبار محلية

7 آب: يوم ردّت الوصاية على المصالحة بالاعتقالات

نداء الوطن – نبيل يوسف

أتى شهر آب 2001 ليختم جرحًا نازفًا في الجبل منذ عام 1983، فعصر الجمعة 3 آب توجه البطريرك نصرالله صفير إلى الجبل في زيارة تاريخية رافقتها استقبالات شعبية كبيرة في جميع محطاتها خاصة في: خلدة، الناعمة، الدامور، كفرحيم ودير القمر معلنة ختم الجرح النازف، وبات البطريرك صفير ليلته في مقر المطرانية المارونية في بيت الدين.

صباح اليوم التالي زار الرئيس إميل لحود في مقره الصيفي في بيت الدين، واستقبل رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، وكانت ذروة الاستقبالات ما شهده ظهرًا قصر المختارة، الذي جمع في استقبال البطريرك الماروني جميع القيادات المعارضة.

من المختارة، غادر البطريرك صفير إلى جزين، حيث أُقيم له استقبال حاشد، واحتفل بالذبيحة الإلهية. وفي عظته، كان له موقف مميّز أشار فيه إلى أنه كان يتمنّى زيارة بقية أقضية الجنوب، لولا أن بعض أهله اضطروا إلى اتخاذ طريق المنفى الطوعي، ومن بينهم من زُجّ في السجن، ولم يبقَ في البيوت سوى الأمهات والأطفال الذين يعانون ما يعانون من خوف وحرمان وامتهان. وهم من كل الطوائف والمذاهب، ويستحقون نظرة عطف وتفهّم لأوضاعهم المأساوية من جميع المسؤولين.

ومن جزين، عاد إلى بيت الدين ليحتفل، صباح اليوم التالي، بعيد سيدة التلة في دير القمر، بمشاركة الرئيس إميل لحود، والرئيس أمين الجميّل، ورئيس “اللقاء الديمقراطي” وليد جنبلاط، ورئيس “حزب الوطنيين الأحرار” دوري شمعون، ووزراء ونواب وقيادات “لقاء قرنة شهوان”.

وفي طريق عودته إلى المقر الصيفي في الديمان، عرّج على بلدات: الباروك، والفريديس، وعين زحلتا، ونبع الصفا، وكفرنيس، ومجدل المعوش، ورشميا، وشرتون، وكفرعميه، وعاليه، والكحالة. وخرج أهالي تلك البلدات لملاقاته على الطرقات مرحّبين.

خلال جميع محطاته في أيامه الثلاثة، راح البطريرك صفير يؤكد طي صفحة الماضي إلى غير رجعة. وسجّلت هذه الزيارة مشاركة الآلاف من مؤيدي الأحزاب المسيحية المقموعة يومها: “القوات اللبنانية”، و”التيار الوطني الحرّ”، و”الوطنيين الأحرار”، و”الحركة الإصلاحية الكتائبية”، رافعين أعلام أحزابهم وصور قادتهم.

في الكحالة، أطلق بعض أنصار الأحزاب المسيحية هتافات نالت من رئيس الجمهورية شخصيًا، على مسمع من البطريرك صفير الذي قطع خطابه واستنكرها بشدة.

لم تمضِ ساعات على عرس الجبل حتى بدأت السلطة ردّها بتوقيفات انطلقت ظهر الاثنين 6 آب، لناشطين في “القوات اللبنانية” في الجبل.

قبل ظهر الثلثاء 7 آب، توجّه وفد من “القوات اللبنانية” إلى الديمان لإطلاع البطريرك صفير على ما يجري، وعادوا وأرسلوا خبرًا عن التوقيفات إلى إذاعة “لبنان الحرّ”، أذاعته في نشرة الثانية إلا ربعًا، وكان أول خبر عن توقيفات تحصل.

مساء ذلك الثلثاء، وقف اللبنانيون مذهولين أمام أوسع وأشنع حملة اعتقالات وتوقيفات أجرتها السلطات الأمنية لمسؤولين وناشطين في “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحرّ”، شملت الدكتور توفيق الهندي، المستشار السياسي للدكتور سمير جعجع وعضو “لقاء قرنة شهوان”، ورئيس الهيئة العامة في “التيار الوطني الحرّ” اللواء نديم لطيف، وأكثر من مئتي قيادي وناشط، إضافة إلى توقيف مراسل محطة “إم بي سي” أنطوان باسيل، وسكرتير تحرير صحيفة “الحياة” حبيب يونس.

في تلك الليلة، داهمت القوى الأمنية مكتب مصلحة طلاب “القوات اللبنانية” في أنطلياس، حيث كان يُعقد اجتماع، وأوقفت الجميع. وفي الوقت نفسه، كانت تداهم مكتب “التيار الوطني الحرّ” في البوشرية، لتوقف كل من وُجد داخله. وتوزّعت عشرات الدوريات على منازل المسؤولين في “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحرّ” لتوقيفهم. وقد تكون أصعب عملية توقيف ما جرى مع المحامي، النائب لاحقًا، إيلي كيروز، إذ أُنزل من سيارته أمام أولاده وأُصعد إلى الشاحنة موقوفًا.

كانت تهمة الدكتور توفيق الهندي والصحافيين حبيب يونس وأنطوان باسيل الاتصال بالعدو الإسرائيلي. وجاء في حيثيات ادعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أن أنطوان باسيل جنّد حبيب يونس للتوجّه إلى قبرص والاجتماع بمنسّق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان، عوذي زاراي. كما أحال غيابيًا إلى المحكمة، بالتهمة نفسها، رئيس حزب “حراس الأرز” إتيان صقر، “أبو أرز”، وعددًا من قياديي الحزب الموجودين خارج البلاد. ولاحقًا، حكمت المحكمة العسكرية على أنطوان باسيل بالسجن ثلاث سنوات، وعلى حبيب يونس والدكتور توفيق الهندي بالسجن سنة ونصف السنة.

أجمعت القيادات اللبنانية على رفض هذه التوقيفات، وإنْ بنسب مختلفة، فالبعض لزم الصمت أو اعترض بطريقة خجولة، فيما شكّلت مواقف الرئيس أمين الجميّل، ورئيس “اللقاء الديمقراطي” وليد جنبلاط، ووزراء “اللقاء الديمقراطي” ونوابه، وحزبي “الوطنيين الأحرار” و”الكتلة الوطنية”، وأعضاء “لقاء قرنة شهوان” و”المنبر الديمقراطي”، وبعض النواب، وأبرزهم الدكتور ألبير مخيبر ومصباح الأحدب، السقف الاعتراضي الأعلى على ما حصل.

وكان موقف وليد جنبلاط الأقسى والأعنف، فقد اتهم الأجهزة الأمنية بمحاولة تخريب المصالحة الوطنية، وطالب بمحاسبتها وإقالتها، وسأل: هل تحكم الأجهزة فوق إرادة الرئيس لحود ورئيس الوزراء رفيق الحريري؟

أما “لقاء قرنة شهوان”، فعقد اجتماعًا طارئًا خلص إلى استنتاجات واتخذ قرارات، معتبرًا أن ما حصل هو ردّ على زيارة البطريرك صفير التاريخية، وتعدٍّ فاضح على الدستور والحريات العامة، في محاولة لتحويل النظام اللبناني إلى نظام بوليسي. وقرّر أن يقدّم نواب اللقاء استجوابًا للحكومة، إضافة إلى الاستجواب الذي قدّمه النائب بطرس حرب حول تحديد مسؤولية استباحة الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان.

في مقابل مواقف المعارضة اللبنانية، صدرت عدّة مواقف خجولة أو موافقة على تصرّفات السلطة. فقد اعتبرت “ندوة العمل الوطني”، التي يرأسها الرئيس سليم الحص، أن الطريقة التي نُفّذت بها التوقيفات الأخيرة لا تتفق مع القوانين والروح الديمقراطية، من دون التوسّع أكثر في التجاوزات التي حصلت.

أما “حزب الله”، فحدّد موقفه من الأحداث، معتبرًا أنها اتخذت أبعادًا مقلقة مع المعلومات المتداولة عن عودة اليد الصهيونية إلى التحرّك، وتوقّف عند خطاب بعض المسؤولين والقيادات اللبنانية منذ التحرير، الذين راحوا يدافعون عن العملاء ويطالبون بذهاب الجيش اللبناني إلى الجنوب خدمة للعدو الصهيوني.

وأصدرت أحزاب “السوري القومي الاجتماعي” و”البعث السوري” و”حركة أمل” بيانًا مشتركًا اعتبر أن المشكلة الأساسية هي تشكيك البعض المستمر في مؤسسات الدولة. وقال البيان إن المطلوب اليوم عدم فتح أي ثغرة ينفذ منها أعداء لبنان وبعض المتعاملين مع العدو لإضعاف لبنان، وتوظيف ما يحصل ضد عملية الصمود العربي التي تمثّلها سوريا الأسد في وجه الاندفاع العسكري الشاروني.

عالميًا، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية دعمها حرية الرأي في لبنان، فيما طالب عدد من أعضاء الكونغرس الإدارة الأميركية بإدانة تصرّفات السلطات اللبنانية تجاه المعارضة، والمساعدة على تطبيق القرار 520 الداعي إلى احترام سيادة لبنان. ودعا البابا يوحنا بولس الثاني إلى عدم التضحية بقيم الديمقراطية والسيادة الوطنية في لبنان مقابل مصالح سياسية زائلة، وكان للخارجية الفرنسية موقف مماثل.

وصدرت عدّة تعليقات وبيانات عن منظمات حقوقية وإنسانية عالمية استنكرت ما جرى، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عن تجاوز القانون. ولعب الدكتور وائل خير، رئيس منظمة حقوق الإنسان والحق الإنساني في لبنان، وأعضاء المنظمة، دورًا محوريًا في إيصال أخبار ما يحصل في لبنان إلى المنتديات الحقوقية العالمية، ما ولّد غضب السلطة عليهم.

من أبرز المواقف الحقوقية العالمية الرافضة لما حصل ما أوردته منظمة العفو الدولية في بياناتها المتتالية التي تحدثت عن خرق الأجهزة الأمنية اللبنانية لكل القواعد القانونية خلال عمليات الاعتقال التي جرت، وفي تقريرها السنوي أوردت المنظمة أنه تم في شهر آب احتجاز ما يربو على مئتي ناشط من “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحرّ” وحزب “الوطنيين الأحرار” وأنصار الرئيس أمين الجميل في حزب “الكتائب اللبنانية” في عمليات نفذتها المخابرات العسكرية اللبنانية في مواقع مختلفة، وذكر التقرير أنه تم القبض على هؤلاء الأشخاص من دون إذن رسمي.

كما أصدرت اللجنة العربية لحقوق الإنسان عدّة بيانات شجبت فيها التوقيفات التي حصلت: “لقد كان واضحًا للجميع أن التوقيفات جاءت ردًّا على مصالحة الجبل التاريخية”.

حاولت السلطة تبرير ما جرى فأدلى مدعي عام التمييز القاضي عدنان عضوم بعدة تصاريح صحافية برر فيها التوقيفات بالإهانات والشتائم التي تعرض لها رئيس الجمهورية، وصدر عن قيادة الجيش بيان تحدث عن تحركات مشبوهة وقيام بعض المشاركين فيها بالتبشير بمناخات تقسيمية لاحقة مراهنين على متغيرات إقليمية مرتقبة، وغطّى وزير الداخلية وزير الدفاع بالوكالة الياس المرّ حملة التوقيفات بقوله إن الجيش أطلعه على معلومات بأن هناك مناخًا من أن البعض ينتظر ضربة إسرائيلية ويراهن عليها، وأنه طلب من الجيش القيام بواجبه تحت سقف القانون، وأن التوقيفات تمت بقرار من النيابة العامة التمييزية، ونتيجة للتحقيقات بدأ يتبين أن هناك معلومات حول مشروع تقسيمي ووجود رهان فعلي على ضربة اسرائيلية ومناخ تقسيمي وفدرالي مقبل والتحضير لذلك بشتى الوسائل.

وبعد جلسة صاخبة عقدها مجلس الوزراء في 9 آب، أصدر بيانًا أشاد فيه بالدور الذي قام به الجيش اللبناني ويقوم به. وتَحفّظ على القرار وزراء “اللقاء الديمقراطي” الثلاثة: مروان حماده، وفؤاد السعد، وغازي العريضي، والوزير بيار حلو. وشهدت الجلسة خلافًا حادًا حول التعاطي مع وسائل الإعلام، إذ طالب وزيرا الداخلية الياس المرّ والاتصالات جان لوي قرداحي، القريبان من رئيس الجمهورية، باتخاذ تدابير ضد محطة “أم تي في”، التي غطّت ما حصل أمام قصر العدل وبثّت برامج ضد التوقيفات. لكن، بعد نقاشات صاخبة، رفض وزير الإعلام غازي العريضي توجيه أي لوم إلى المحطة.

Toyota

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |