إنه ببساطة: تبييض الابتزاز

نداء الوطن – د. جوسلين البستاني
إن الاجتماع الأخير بين السفير الأميركي ميشال عيسى ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، الذي أكد أن الشيعة مستعدون اليوم لمعالجة موضوع السلاح إذا توفرت لهم الضمانة والحماية، يثير مسألة تتجاوز بكثير قضية سلاح “حزب الله”. ففي جوهرها، يبرز سؤال لا يستطيع لبنان أن يسمح بإبقائه ملتبسًا: هل استعادة سيادة الدولة هي التزام دستوري، أم تنازل سياسي يجري التفاوض عليه مقابل ضمانات تقدم إلى طائفة بعينها؟
لقد استوعب النقاش اللبناني حول سلاح “حزب الله”، بهدوء، فرضية ما كان ينبغي قبولها أصلا: أن التخلي عن قوة مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة اللبنانية هو أمر قابل للتفاوض، وأن نزع سلاحها يمكن أن يكون مقابل ضمانات سياسية تمنح للطائفة التي تستمد منها هذه القوة جزءًا كبيرًا من دعمها. وبمجرد قبول هذه الفرضية، لم يعد النقاش يدور حول نزع السلاح بحد ذاته، بل أصبح يدور حول الابتزاز، ومن المهم تسميته بذلك بوضوح ومن دون مواربة.
لا شيء غير مشروع في مطالب المواطنين الشيعة اللبنانيين. فهم مواطنون لبنانيون، يستحقون، شأنهم شأن كل لبناني آخر، الأمن والتمثيل السياسي والمساواة أمام القانون، وحماية الدولة لهم. لكن هذه الحقوق لا يمكن منطقيًا تقديمها بوصفها تعويضًا عن التخلي عن أسلحة لم تكن أصلا مشروعة دستوريًا. وتأطير الأمر على هذا النحو يعني القبول بشروط المُبتز قبل أن تبدأ المفاوضات أصلا.
وإذا أزلنا المفردات الدبلوماسية، تصبح الآلية بسيطة: منظمة مسلحة تبني واقعًا قسريًا خارج النظام الدستوري، ثم تعرض التخلي عن هذا الواقع، ولكن فقط مقابل تنازلات سياسية لا علاقة لها بعدم شرعية السلاح نفسه: مزيد من الضمانات، ومزيد من المواقع، ومزيد من النفوذ المحمي داخل مؤسسات الدولة. وهكذا تصبح الدولة مطالبة بدفع فدية لاستعادة سيادتها هي.
هذا ابتزاز بالمعنى البنيوي الحرفي. فالتهديد ضمني وليس معلنا، لكنه يبقى الآلية التي تنجز العمل: “أعطونا المزيد، وإلا بقي السلاح”. وإذا كان سلاح “حزب الله” خارج سلطة الدولة، فإن إزالته ليست تنازلا يستحق مقابلا. إنها استعادة لمبدأ ينبغي أن يحكم الجمهورية أصلا: أن الدولة وحدها تملك السلطة القسرية المشروعة، لا من يستطيع توجيه فوهة بندقية إلى طاولة التفاوض.
وما يجعل هذا الابتزاز صعب القبول بحسن نية، بشكل خاص، هو الموقع الذي يمارس منه. فهذا ليس فصيلا مهمشًا يتوسل مقعدًا على الطاولة للمرة الأولى. فعلى مدى نحو ثلاثة عقود، لم يكن “حزب الله” وحلفاؤه مستبعدين من الدولة اللبنانية، بل احتلوا أهم روافعها: حقائب أمنية واستخباراتية، ووزارات تتحكم بالبنية التحتية والمالية، وحق نقض فعليًا في تشكيل الحكومات، ونفوذًا على الرئاسة والكتل النيابية، وسيطرة فعلية على أجهزة أمن الحدود والمطار لسنوات متتالية. إنها حركة شكلت الدولة وعرقلت عملها، بل وشلت أحيانًا آليات عملها من داخلها العميق.
فحين يكون المطلب المطروح الآن هو ضمانات “إضافية”، ومواقع “إضافية”، وترتيبات أمنية “إضافية” كثمن للتخلي عن سلاح لم يكن مشروعا أصلا، فإن السؤال يجيب عن نفسه: ضمانات ضد ماذا تحديدًا، بعد ثلاثة عقود من التغلغل في المؤسسات ذاتها التي يفترض أنها تهدد الطائفة؟
هنا تصبح مفردة “الضمانات” ليست فقط غير دقيقة، بل مضلِّلة فعليا. فإذا كانت الضمانات تعني أن على الدولة حماية جميع مواطنيها، واحترام التعددية، وضمان تمثيل عادل، فهذه ليست ثمنًا لنزع السلاح، بل التزامات قائمة أصلا، بمعزل عن سلاح أي طرف. أما إذا كانت الضمانات تعني امتيازات سياسية جديدة، أو توسيعًا للسيطرة على مؤسسات الدولة، أو استثناءات أمنية خاصة، أو حصة طائفية أكبر مما يتيحه النظام الدستوري، فإن النقاش يكون قد تحوّل بهدوء. لم يعد يدور حول نزع السلاح، بل أصبح إعادة تفاوض على النظام السياسي اللبناني تحت ضغط واقع عسكري غير دستوري، ومعزز بثلاثة عقود من التغلغل المؤسسي الذي يمنح هذا المطلب ثقله ونفوذه.
المواطن الشيعي اللبناني لا يستمد حقوقه الدستورية من سلاح “حزب الله”. فهذه الحقوق تنبع من المواطنة ومن النظام الدستوري نفسه. والخلط بين الأمرين، أي معاملة حقوق الطائفة المشروعة وكأنها لا تنفصل عن ترسانة المنظمة، هو بالتحديد الطريقة التي يُبيَّض بها الابتزاز ليبدو أمرًا معقولا. كما أن هذا المنطق يفرغ اتفاق الطائف من مضمونه، إذ لم يكن المقصود منه يومًا منح نفوذ دائم لأي طائفة تحسن تسليح نفسها أكثر من غيرها.
والتسلسل الصحيح للخطوات هو عكس ما يطرح. ترسخ الدولة أولا سلطتها الحصرية على السلاح وقراري الحرب والسلم. ثم تصان حقوق كل طائفة لبنانية وحمايتها ضمن هذا الإطار المستعاد، لا كشرط مسبق ينتزع قبل ذلك، ولا كفدية تدفع مقابل استرجاع ما لم ينتزع يوما بصورة مشروعة.
الاختبار الحقيقي سيأتي في اللحظة التي تطرح فيها المطالب السياسية رسميًا كثمن لنزع السلاح. عندها سيتعين على لبنان أن يقرر ما إذا كانت السيادة مبدأ دستوريًّا يجب استعادته، أم امتيازًا يباع لمن أمضى أطول وقت في موقع يتيح له تحديها. هذا التمييز ليس لفظيًا. إنه الفرق بين دولة يحكمها دستورها، ودولة يحكمها ميزان قوى بني خارجها وداخلها على مدى العقود الثلاثة الماضية.




