أخبار محلية

مليون لبناني من ساحات الحروب إلى ميادين المعرفة والعمل

نداء الوطن – طارق أبو زينب

بين لبنان والإمارات، لا تختصر العلاقة في التعاون، بل تمتد إلى رهان على الإنسان بوصفه أساس المستقبل. وفي لحظة يعيد فيها الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل والإنتاج والخدمات، تأتي مبادرة “مليون خبير لبناني في الذكاء الاصطناعي” لتفتح أمام لبنان فرصة تتجاوز التدريب إلى بناء القدرات وتوجيه الطاقات نحو العلم والمعرفة والإنتاج والابتكار، وترسيخ ثقافة التسامح والأخوّة الإنسانية بين أبناء الوطن. وتكتسب هذه الفرصة أهمية خاصة لدى شرائح من أبناء الجنوب اللبناني، كما لدى لبنانيين من مختلف البيئات، ممن عانوا آثار الحروب وتعقيدات قرار السلم والحرب، بما يجعل الاستثمار في التعليم والعمل والمهارات الحديثة طريقًا لبناء المستقبل بدلا من إعادة إنتاج مآسي الماضي.

وهنا تكمن القيمة الأعمق للمبادرة: تحويل المعرفة إلى قوة تبني ولا تهدم، وتحويل طاقة الشباب من ساحات الحروب إلى ميادين الإنتاج. فاستبدال ثقافة حمل السلاح بثقافة حمل المعرفة ليس مجرد تبديل في الوسائل، بل انتقال في مفهوم القوة نفسه، من قوة تستنزف المجتمع إلى قوة تستثمر في الإنسان، ومن ثقافة الحروب والتهجير إلى ثقافة المواطنة، ومن الانقسام إلى التسامح، ومن استهلاك المستقبل في النزاعات إلى صناعته بالعلم والعمل والابتكار.

ومن هذا المنطلق، لا تبدو المبادرة مجرد برنامج لتدريب مليون لبناني على أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يمكن أن تشكل مساحة وطنية مشتركة تجمع اللبنانيين حول هدف واحد: بناء القدرات وصناعة الفرص. فلبنان الذي أرهقته الحروب والانقسامات يحتاج إلى مسار يعيد تعريف العلاقة بين أبنائه على قاعدة المواطنة والتعاون وتكافؤ الفرص، ويمنح الشباب أدوات تمكّنهم من بناء حياتهم ومستقبلهم داخل مجتمع يحترم التنوّع ويحوّل الاختلاف إلى مصدر غنى لا سببًا للعداء.

وتكتسب المبادرة قوة إضافية من التجربة الإماراتية المتقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي. ووفق “مؤشر الجاهزية الحكومية للذكاء الاصطناعي لعام 2024″، تصدرت الإمارات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسجلة 75.66 نقطة، ودخلت قائمة أفضل 15 دولة عالميًا. ومن هذه التجربة يأتي نقل المعرفة إلى لبنان وتوسيع قاعدة المهارات الرقمية، بما يمكن أن ينعكس على الإنتاجية والشركات الناشئة والعمل الحر والتعليم والخدمات والإدارة العامة، شرط أن تتحول المهارات المكتسبة إلى استخدام فعلي وقيمة اقتصادية واجتماعية.

وأُطلقت المبادرة خلال لقاء الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في نيويورك، على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة. ووفق الإعلان الإماراتي الرسمي، تستهدف المبادرة تمكين مليون لبناني من المهارات الأساسية والعملية في الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الأوامر، وإتاحة هذه المهارات لمختلف فئات المجتمع. وهذا الاتساع يخرج الذكاء الاصطناعي من نطاق المتخصصين إلى الطالب والموظف والمهني وصاحب المشروع، ويجعل المعرفة الرقمية أداة متاحة لشريحة واسعة من اللبنانيين.

ولا تأتي المبادرة من فراغ، ففي أيار 2024 أطلقت دبي مبادرة “مليون خبير لأوامر الذكاء الاصطناعي” لتطوير مهارات مليون شخص في هندسة الأوامر خلال ثلاث سنوات، ضمن برامج تدريبية وشهادات معتمدة. وتوفر هذه التجربة أرضية يمكن للبنان الاستفادة منها وتكييفها مع احتياجات اقتصاده وسوق العمل، بحيث لا يبقى نقل المعرفة نشاطًا تدريبيًا محدودًا، بل يتحول إلى مسار لبناء رأس مال بشري قادر على المنافسة.

لكن قيمة “المليون” لن تقاس بالعدد وحده. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد التدريب: كم شابًا وشابة استطاعوا تحويل المهارة إلى وظيفة؟ وكم مشروعًا استفاد من الذكاء الاصطناعي؟ وكم مؤسسة حسّنت إنتاجيتها؟ هنا تتحول المبادرة من عنوان جذاب إلى مشروع تنموي قابل للقياس. ولذلك يحتاج لبنان إلى ربط التدريب بسوق العمل، وتوزيع الفرص على مختلف المناطق والفئات، ووضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج والاستمرارية، حتى لا تبقى المعرفة المكتسبة منفصلة عن الاقتصاد وفرص العمل ومتطلبات المستقبل.

في المحصلة، تفتح المبادرة اللبنانية- الإماراتية نافذة لإعادة تعريف الاستثمار في الشباب، وتضع أمام لبنان فرصة لتحويل الإنسان من ضحية لتداعيات الأزمات إلى شريك في صناعة الحلول. فبدل أن تكون الطاقات البشرية وقودًا للحروب، يمكن أن تصبح محركًا للاقتصاد والابتكار والتقارب بين اللبنانيين. وإذا تحوّل المليون من رقم تدريبي إلى قوة بشرية منتجة، فقد تصبح المبادرة أكثر من برنامج للذكاء الاصطناعي: خطوة من ثقافة الحروب إلى ثقافة الحياة، ومن الانقسام إلى التسامح، ومن حمل السلاح إلى حمل المعرفة، ومن الخوف من المستقبل إلى صناعة المستقبل بالعلم والعمل والابتكار. وعندها تصبح قوة لبنان الحقيقية في الإنسان الذي يعرف ويعمل وينتج ويبتكر، وفي وطن تكون فيه المعرفة أداة لبناء الدولة، لا مجرد وسيلة للنجاة من أزماتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |