
مذكرات ميركل بعنوان (الحريّة) هي قراءة لازمة لكل معني بفهم المشهد السياسي الأوروبيّ والدّولي خلال القرن الحادي والعشرين، وطرائق عمل السلطة خلف الكواليس، ودور الشخصيات العالميّة – أمثال دونالد ترامب وفلاديمير بوتين – في تشكيل عصرنا.
طوال ستة عشر عاماً، كانت أنغيلا ميركل (سبعون عاماً)، مستشارة ألمانيا السابقة، كما ملكة متوجة على عرش أوروبا، فقادت بلادها نحو مرافىء آمنة خلال العديد من الأزمات، ومكنتها بفضل شبكة علاقات نسجتها حول العالم من أن تغدو قاطرة اقتصاديات الاتحاد الأوروبي، وتركت، قبل أن تتقاعد وتغادر مسرح الحياة العامّة في 2021، بصمات ظاهرة على السياسة الدّولية، كرقم صعب لا يمكن تجاهله عند إبرام القرارات الكبرى. ولذلك، فإن مذكراتها التي نشرتها للتو بعنوان (الحريّة*) هي قراءة لازمة لكل معني بفهم المشهد السياسي الأوروبيّ والدّولي خلال القرن الحادي والعشرين، وطرائق عمل السلطة خلف الكواليس، ودور الشخصيات العالميّة – أمثال دونالد ترامب وفلاديمير بوتين – في تشكيل عصرنا.
تغطي المذكرات، التي تعاونت ميركل في كتابتها مع مستشارها السياسي المقرّب طوال عقود بيت باومان، فترة تمتد لسبعين عاماً (من 1954 إلى 2021) مقسّمة بالتساوي بين مرحلة عيشها 35 عاماً في جمهوريّة ألمانيا الديموقراطيّة السابقة حيث كانت طفولتها وشبابها ودراستها، وبعدها 35 عاماً أخرى في جمهوريّة ألمانيا الموحدة، حيث أزهرت مهنتها السياسيّة المديدة، بداية من لحظة سقوط جدار برلين عام 1989، وتوليها منصب المستشاريّة (المعادل لرئاسة الوزراء) لأربع مرّات.
كان لافتاً لقراء النسخة الإنكليزية من الكتاب موقف ميركل مما صار يعرف بالبريكست – أو قرار بريطانيا ترك عضويتها في الاتحاد الأوروبيّ -، إذ اعتبرت أن نتيجة الاستفتاء الشعبي الذي نظمه حزب المحافظين عام 2016 تسببت لها بالألم، واعتبرتها وصمة عار للاتحاد الأوروبيّ أن يفقد دولة مهمة مثل المملكة المتحدة، تسببت في ضعف ملحوظ للفكرة الأوروبيّة رمزياً وفعلياً.
وتقول ميركل التي خصصت خمس صفحات من مذكراتها لتلك المرحلة إنها حاولت مساعدة رئيس الوزراء البريطاني (السير) ديفيد كاميرون حينها بوصفه كان من أنصار بقاء بلاده في عضوية النادي الأوروبيّ، ولامت نفسها على تقصير محتمل في دعمه، لكنّها خلصت في النهاية إلى أن الرّجل تسبب بالكارثة لنفسه، ولا ينبغي له أن يلوم أحداً آخر عندما انتهى البريطانيون – بعد حملة باهتة للبقاء – إلى التصويت بغالبية بسيطة لمصلحة الانسحاب من الاتحاد.
وتشير المستشارة السابقة إلى أنّها أدركت منذ عام 2005 أن فكرة خروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبيّ كانت تعتمل في ذهن النخبة البريطانية بعدما اقترح كاميرون – ذاته – أن يغادر أعضاء البرلمان الأوروبي من حزب المحافظين كتلة “تحالف الشعب الأوروبي”، وهو ما فعلوه لاحقاً بسبب تأييد التحالف معاهدة لشبونة عام 2009 – والتي أدخلت تغييرات بنيوية في نظام الاتحاد الأوروبي اعتبرها اليمينيون المناهضون غير ديموقراطيّة وتكرّس هيمنة بروكسيل (مقر المفوضية الأوروبيّة) على الدّول الأعضاء -. وكتبت: “لذلك، منذ البداية، وضع كاميرون نفسه مبكراً رهينة في أيدي أولئك الذين كانوا مشككين في قيمة الاتحاد الأوروبي، ولم يتمكن أبداً من الهروب من هذا الارتهان”.
وتتهم ميركل حكومة زعيم حزب العمّال توني بلير بمنح البريطانيين المناهضين لعضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي الأدوات لبناء مزاج معاد لبروكسيل، لا سيما في الأوساط المحافظة، وذلك عندما تجاهلت فرض قيود على انتقال العمّال من أوروبا الشرقيّة بمجرد انضمام عشر دول منها إلى الكتلة الأوروبيّة عام 2004، في وقت وضعت فيه ألمانيا وفرنسا قيوداً متدرجة ولم تفتح الأبواب أمامهم حريّة الوصول إلى سوق العمل بشكل كامل قبل 2011، الأمر الذي جعل بريطانيا هدفاً للكتلة الأكبر من أولئك العمّال، وهو ما تمّ تصويره من قبل الإعلام اليميني البريطاني سبباً في فقدان البريطانيين فرص العمل، واستنفاد إمكانات نظام التأمينات الاجتماعية وخدمات التعليم والصحة المجانية من دون فائدة منظورة بالنظر إلى أن غالبية العمال المهاجرين كانوا من ذوي المهارات البسيطة والدخول المتدنية.
وتصف المذكرات كذلك، المفاوضات على مدى سنوات بين الاتحاد والمملكة المتحدة للبحث في تفاصيل (الطلاق) بينهما، وتتذكر شعورها بالبرم والضيق من تلك المرحلة، وأنّها حاولت، رغم استياء بعض زعماء دول الاتحاد، مساعدة كاميرون على التوصل إلى ترتيبات لا تعزل بريطانيا كليّة، لا سيّما في ما يتعلّق بشؤون تنقل المواطنين والتجارة بين الجانبين، لتخلص إلى حقيقة مفادها “إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان تطبيقاً عملياً لعواقب التي يمكن أن تنشأ عندما يكون هناك خطأ في التقدير منذ البداية، ولا يتم تداركه سريعاً”، إذ تطورت الأمور – بعد دعوة كاميرون رفاقه النواب المحافظين إلى ترك “تحالف الشعب الأوروبي” – بحيث لم يعد ثمة من طريقة معقولة لمنع القدر المحتّم بخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد.
تعرضت ميركل لانتقادات كثيرة بعد خروجها من السلطة بعدما توافق كثيرون في المجال الغربيّ على تصعيد نبرة العداء لروسيا والصين، واتهموها بمحاباة البلدين العملاقين على حساب الأمن الأوروبيّ من أجل مصالح تجارية عابرة، وهي تدافع في المذكرات عن توجهاتها بهدوء وعقلانية، إلا أن توقيت صدور الكتاب كان وحده كافياً للرد على خصومها، إذ أن تورط ألمانيا، وإن كطرف غير مباشر في الصراع الأوكراني، انعكس بشكل أو بآخر على قدرة البلاد التنافسيّة بعدما خسرت إمدادات الطاقة الرخيصة من روسيا، وتقلصت فرص التصدير إلى سوق الصين، وفي وقت تتجه فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية إلى فرض تعرفات جمركيّة على الواردات إلى السوق الأميركي ما سيكون تأثيره مدمراً على الصناعات الألمانية، وهذا كله وضع فترتها في السلطة كماض ذهبي، وعهد ازدهار لم يعد ممكناً.
وعلى ذكر الرئيس ترامب، فإن ميركل تستعيد لقاءاتها مع الرئيس الأميركي الذي اعتبرت أنه “يحكم على كل شيء من منظور شخصية المطور العقاري الذي كانه قبل أن يقتحم معترك السياسة”، وتقول إنه لا يشاركها اقتناعها بأن التعاون يمكن أن يكون استراتيجية تفاوض تؤدي إلى تحقيق مصلحة الجميع، “إذ يعتقد أن جميع الدول كانت في منافسة حادة مع بعضها بعضاً، حيث كان نجاح أحدها هو بالضرورة فشل للأخرى”.
وتذكر أنها شعرت في لقاء لها مع ترامب (2017) بحرصه على أن يكون محبوباً، لكنّها اعترفت بأن الحوار معه كان يجري دائماً على موجتين مختلفتين: “ترامب على المستوى العاطفي، وأنا على المستوى الواقعي”.
اختارت ميركل عنوان “الحريّة” لهذه المذكرات، وهي صاغتها كإجابة شغلتها طوال حياتها على سؤال معنى الحريّة لسياسيّةٍ نشأت في ظل حكم شيوعي قبل أن تصبح قائدة للغرب الليبرالي في جهته الأوروبيّة، وكسيدة اقتحمت عالماً كان – على الأقل وقت توليها السلطة – أقرب إلى فضاء مغلق على الرّجال، وأيضاً كإنسانة عزمت مبكراً على أن تكسر حدود قدرتها الذاتية لتدير دولة كبرى معقدة مثل ألمانيا، ولتمثل مصالحها أمام أقوى الشخصيات في العالم. وهي تقول إن الحريّة، التي تبدأ عندها من عدم تقبل الحدود المفروضة علينا كأشخاص، تبدو أقرب إلى رحلة منها إلى حالة، “حيث التحسن المستمر وعدم التوقف أبدا عن التعلم، وألا نقف مكتوفي الأيدي أمام الصعوبات، والإصرار على الاستمرار في المضي قدماً في الحياة حتى بعد ترك خشبة مسرح السياسة”.
المصدر- “النهار”
