بري بنى الجنوب.. وارقام الدمار والاضرار اليوم مخيفة!

جاء في المدن: لا يمكن فصل مشهد الجنوب عن الدور التاريخي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، ليس فقط بصفته أحد أبرز قادته السياسيين، بل من خلال دوره المباشر في إعمار الجنوب بعد إجتياح عام 1982، وبعد عدوان نيسان 1996، وصولًا إلى ما بعد حرب تموز 2006. ويُسجّل لبري أنّه كان وراء تفعيل دور مجلس الجنوب كأداة تنفيذية إنمائية، ومنصة لتثبيت الأهالي في أرضهم من خلال شبكات الطرق والمدارس والمستشفيات ومشاريع الكهرباء والمياه.
لطالما تباهى بري بأنه هو “من بنى الجنوب”. وقد ارتبط إسمه بمجلس الجنوب كمؤسسة تنفيذية إنمائية إستخدمها لتعويض المناطق الشيعية المحرومة، وتحويلها إلى نموذج في الخدمات والمشاريع، وإن كان ذلك قد أدى إلى أعباء إضافية على خزينة الدولة.
لكن الحرب الأخيرة وجهت ضربة قاسية لهذا الإرث، وبتداعياتها المستمرة إلى اليوم، فإنها تهدد بتقويض البنى التحتية التي لطالما إعتبرها بري من ثمار نضاله السياسي. ووفق مصادر متابعة، فإن بري فعّل المجلس مجددًا بتوجيه مباشر منه منذ اللحظة الأولى للعدوان، وجنّد كوادره ومهندسيه في تنفيذ عمليات المسح الإحصائي الشامل للأضرار، والإعداد للتقارير الرسمية التي تُرفع إلى الجهات المانحة والدولية.
وبحسب معنيين، فإنّ تأثير بري في هذا الملف لا يزال كبيرًا، سواء لجهة توجيه الأولويات أو ضبط إيقاع العمل التنفيذي للمجلس، علمًا أن ذلك يتم في ظل ظروف تمويلية قاسية ومناخ سياسي داخلي يزداد توترًا نتيجة الانقسام حول سلاح حزب الله وموقع الدولة في معادلة القرار السيادي.
هذا الإرث التاريخي لبري، الذي كان مصدر قوة سياسية وشعبية له لعقود، بات اليوم على محك الاستمرارية، أمام واقعٍ يفرض شروطًا جديدة للإعمار، ليس فقط من بوابة المال، بل من بوابة السيادة، والوضوح في الجهة التي تحكم وتفاوض وتتلقى الدعم وتنفذ. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تعريف لدور مجلس الجنوب، أو محاولة تجديد لصيغته بوصفه مؤسسة خدماتية تتخطى الاصطفافات، أو ما إذا كانت التجربة الحالية ستكون آخر ما يستطيع فعله ضمن التوازنات القائمة.
في الحصيلة الأولية التي أعدّها مجلس الجنوب في التقرير الذي رفعه إلى رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة، قدرت كلفة الأضرار بمئات ملايين الدولارات. لكن السؤال الذي يطرحه المراقبون اليوم: ما جدوى المسح إن لم يُصرف التعويض؟ وهل من قدرة فعلية للدولة على فرض شروطها على المجتمع الدولي ما دامت تتردّد في حسم مسألة حصرية السلاح وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة؟ يقف الجنوب اليوم على مفترق طرق: إما أن يكون بوابة لنهج جديد في الحكم والسيادة، وإما أن يبقى ساحةً معلّقة بين الإعمار والانتظار، وبين سلطة معلنة وأخرى مفروضة.
ما يُنفّذه مجلس الجنوب من أعمال إغاثية وإنشائية بعد حرب الاسناد في تشرين الاول 2023 هو بلا شك جهد حيوي وضروري لتثبيت الناس في أرضهم، والتخفيف من تداعيات الكارثة على المستويين الاجتماعي والخدماتي. غير أن هذا الجهد، وإن بدا فعّالًا في معالجته العاجلة للأضرار، يظل مرهونًا بسياق سياسي وأمني أشد تعقيدًا.
فأي إعادة إعمار لا تنطلق من قواعد الشفافية، ووضوح الصلاحيات بين الدولة والقوى التي تتجاوزها، تبقى عرضة للتعطيل والتسييس. تجربة ما بعد حرب تموز 2006 لا تزال ماثلة، حين استُثنيت الدولة من إدارة الإعمار لمصلحة منظومات حزبية، وتُرك الجنوب رهينة لمعادلات إقليمية لم تَصُن أمنه ولا إقتصاد أهله.
إن إستمرار إزدواجية القرار الأمني، والتباطؤ في تنفيذ القرار 1701، وغياب المساءلة في كيفية إدارة أموال الإعمار، كلّها عوامل تُفقد أي خطة ترميم من مضمونها السيادي والمؤسساتي، وتُهدد بتحويل الجنوب إلى ساحة دائمة لإعادة الكرّة، بدل أن يكون منطقة محمية بسيادة الدولة ومزدهرة بالتنمية المستدامة.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط تمويل الإعمار، بل إعادة بناء الثقة بالدولة، من خلال قرارات جريئة تُعيد الاعتبار لسلطتها الحصرية، وتضع حدًا لتكرار النكبات تحت شعار “المقاومة”، فيما المواطن يُترك وحيدًا في مواجهة الخراب.




