منوعات

كيف تساعد الخطة المناخيّة الشاملة 2035 في الحدّ من الأزمات؟

شانتال عاصي – “الديار”

يشهد لبنان اليوم تحديات بيئية غير مسبوقة تهدد استدامة الحياة والاقتصاد، من تلوث الهواء والمياه وتدهور الأراضي الزراعية، إلى انخفاض الموارد المائية وتكرار الكوارث الطبيعية.

وفي خطوة رائدة لمواجهة هذه الأزمات، أطلقت وزارة البيئة اللبنانية بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خطة مناخية شاملة للبنان حتى عام 2035 في أيلول الماضي، لتصبح خارطة طريق تهدف إلى حماية البيئة، تعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتقديم حلول مستدامة للأزمات الحالية والمستقبلية.

التهديدات البيئية وأسبابها

تعود أسباب التدهور البيئي في لبنان إلى مجموعة عوامل مترابطة ومعقدة، تتراوح بين النشاط البشري المباشر والتحديات المناخية العالمية. من جهة، يسهم الاستهلاك المفرط للطاقة التقليدية واستخدام الوقود الأحفوري، في زيادة الانبعاثات الكربونية وتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الطقس على المدى الطويل. كما يفاقم اعتماد وسائل النقل القديمة والصناعات الثقيلة من حدة تلوث الهواء، ما يشكل تهديدا مباشرا لصحة السكان ويزيد من معدلات الأمراض التنفسية.

من جهة أخرى، يؤدي سوء إدارة النفايات الصلبة والسائلة وتلوث الأنهار والبحار ، إلى أزمات بيئية وصحية متكررة، حيث تتراكم المخلفات في المدن والطرق والأنهار، وتصل أحيانا إلى السواحل، ما يضر بالتنوع البيولوجي ويهدد الثروة السمكية والمصايد المحلية. كذلك يسهم القطع العشوائي للأشجار والتوسع العمراني غير المخطط له في فقدان الغطاء النباتي، ما يزيد من معدلات تآكل التربة ويجعل بعض المناطق أكثر عرضة للانزلاقات الأرضية والفيضانات الموسمية.

إضافة إلى ذلك، يعمل تغير المناخ العالمي كمضاعف لهذه الأزمات، إذ تتسبب موجات الجفاف المتكررة وارتفاع درجات الحرارة في تراجع الإنتاج الزراعي وفقدان المحاصيل الأساسية، ما ينعكس سلبًا على الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي. وفي المقابل، تؤدي الأمطار الغزيرة والعواصف المفاجئة إلى فيضانات شديدة وأضرار بالبنية التحتية، بما في ذلك الطرق والجسور والمباني، ما يزيد من كلفة التعافي ويضغط على الموارد العامة. كما أن هذه الظواهر المناخية المتطرفة تؤثر على القطاع الصحي والسكني، وتجعل بعض المناطق الريفية أكثر هشاشة أمام الكوارث الطبيعية.

تداعيات التدهور البيئي

يمتد أثر التدهور البيئي في لبنان ليشمل جوانب متعددة تتراوح بين الطبيعة والصحة العامة والاقتصاد والمجتمع. على الصعيد الصحي، تؤدي الأزمات المرتبطة بنقص المياه النظيفة وتدهور شبكات الصرف الصحي إلى انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الإسهالات والتهابات الجهاز الهضمي، فيما يفاقم تلوث الهواء من حدة الأمراض التنفسية والحساسية ويزيد من معدلات الربو بين الأطفال وكبار السن. كما يؤثر تلوث البيئة على الصحة النفسية، إذ يُسجل ارتفاع في معدلات القلق والتوتر لدى السكان نتيجة الكوارث الطبيعية المتكررة وارتفاع معدلات الملوثات في الهواء والماء.

أما على الصعيد الاقتصادي، فتتضرر القطاعات الحيوية بشكل مباشر، حيث يؤدي تراجع الإنتاج الزراعي بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى خسائر كبيرة في المحاصيل، ما يؤثر على الأمن الغذائي ويزيد من أسعار الغذاء. كذلك تتأثر السياحة البيئية والطبيعية، إذ يُقلّل تلوث الشواطئ وتدهور الغابات من جاذبية المناطق السياحية، ما يؤدي إلى انخفاض الإيرادات وتراجع فرص العمل في هذا القطاع. كما تتحمل قطاعات الطاقة والبنية التحتية تكاليف إضافية لإصلاح الأضرار الناتجة عن الفيضانات والانهيارات الأرضية، وهو ما يزيد الضغط المالي على الدولة والمجتمع المحلي.

وتتعمق التداعيات البيئية مع فقدان التنوع البيولوجي، إذ يضعف هذا الفقد قدرة النظام البيئي على أداء وظائفه الحيوية مثل تنقية المياه، الحفاظ على التربة، ودعم الحياة البرية، ما ينعكس على الموارد الطبيعية الأساسية التي يعتمد عليها الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الكوارث البيئية المتكررة إلى تفاقم الهجرة الداخلية والخارجية، حيث يضطر السكان في بعض المناطق الأكثر تضررًا إلى الانتقال إلى المدن الكبرى أو مغادرة البلاد بحثًا عن بيئة أكثر استقرارًا.

أهمية الخطة المناخية الشاملة 2035

تُعد الخطة المناخية الشاملة للبنان 2035 خارطة طريق استراتيجية للتعامل مع هذه التحديات البيئية. تهدف الخطة إلى تقليل الانبعاثات الكربونية، توسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، تحسين إدارة الموارد المائية، وإعادة تأهيل الغابات والمناطق الزراعية المتضررة. كما تشمل الخطة تعزيز البنية التحتية الخضراء، وتطوير النقل المستدام، وتحسين إدارة النفايات والتلوث الصناعي.

تركز الخطة أيضا على بناء قدرة لبنان على التكيف مع الكوارث المناخية، من خلال برامج للوقاية من الفيضانات والجفاف، وتحسين التخطيط العمراني لحماية المجتمعات المحلية، إضافة إلى إدماج التوعية البيئية والتعليم المستدام لتعزيز مشاركة المجتمع في حماية البيئة.

وفي ضوء التحديات البيئية الحادة التي يواجهها لبنان اليوم، تتجلى أهمية الخطة المناخية الشاملة 2035 كأداة استراتيجية لمواجهة التدهور البيئي وتعزيز استدامة الموارد الطبيعية. فهي لا تقتصر على معالجة آثار التغير المناخي، بل تسعى إلى تقوية البنية التحتية، حماية الصحة العامة، ودعم الاقتصاد الوطني من خلال سياسات مستدامة وابتكارات بيئية.

إن تبني هذه الخطة يعكس إدراكا حقيقيا بأن حماية البيئة ليست خيارا، بل ضرورة حيوية لضمان جودة الحياة للأجيال الحالية والمقبلة. ومع التنفيذ الفعّال لهذه الاستراتيجية، يمكن للبنان أن يتحول من دولة تواجه المخاطر البيئية، إلى نموذج يحتذى به في التكيف مع التغيرات المناخية، وتحقيق تنمية مستدامة وشاملة لكافة القطاعات والمجتمعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى