Featuredأخبار محلية

الساعات القاتلة: لبنان الكبير في خطر

على رغم من أنّ الضاحية الجنوبية باتت خالية تماماً من أهلها، فإنّ إسرائيل لم تبدأ بعد عمليات التدمير الممنهجة التي توعّدت بها، باعتماد أسلوب «القصف السجادي»، لتحويلها خان يونس ثانية. وهذا لا يعني أنّ إسرائيل تراجعت عن الهدف، لكنّها على الأرجح تنتظر إنضاج معطيات سياسية وميدانية، داخلية وإقليمية ودولية، لتبدأ بعد ذلك عملياتها الجهنّمية.

تنتظر إسرائيل نتائج مفاوضات خلف الكواليس، يشارك فيها الأميركيّون والفرنسيّون والمصريّون، ومن الداخل رؤساء الجمهورية والحكومة والمجلس، وتشمل «حزب الله». والهدف هو الحصول منه على اعتراف تام بحَلّ قواه العسكرية والتحوُّل إلى العمل السياسي المحض، وفكّ ارتباطه التام بإيران وتسليم كل قواه إلى الدولة اللبنانية. ويتردّد أنّ المهلة لن تتجاوز مطلع الأسبوع المقبل. وبعد ذلك، ستبدأ إسرائيل تنفيذ تهديداتها، بعدما حصلت رسمياً على ضوء أخضر أميركي بتوسيع دائرة الحرب في لبنان.

لكن، في انتظار التطوُّرات السياسية والعسكرية، ما حصل فعلاً حتى الآن على أرض الواقع هو أنّ الضاحية خسرت أهلها. وإلى أن يُصدِر أفيخاي أدرعي أوامر جديدة لأهلها، فإنّهم لن يجرؤوا أبداً على العودة، ولو أُحيل هو إلى التقاعد وأُحيلت بعده خليفته وخليفتها. فما من أحد يجرؤ على المخاطرة بحياته والعودة.

قد يخاف البعض من قول الحقيقة أو حتى التفكير فيها، وهي الآتية: إنّ «الحاكم بأمره» الحقيقي للبنان اليوم ليس السلطة التنفيذية، ولا السلطة التشريعية – التي لا تتجاوز «مراجلها» التمديد لنفسها سنتَين – ولا الأجهزة العسكرية والأمنية المغلوبة على أمرها والعاجزة عن تنفيذ تعليمات صادرة عن مجلس الوزراء تُثير الإرباك. الحاكم الفعلي والفاعل والفعّال هو السيد أدرعي، ولو كان في وضعية التقاعد.

وتماماً كما في الضاحية، كذلك في جنوب الليطاني. انتقل الأهالي من وضعية الاستقرار والازدهار وأحلام مشاريع السلام، إلى الغرق في «طوفان الأقصى» في العام 2023، إلى نصف انتحار وتهجير في حرب 2024، إلى انتحار وتهجير كاملَين في حرب 2026.

وهنا تكمن عبقرية الذين اتخذوا قرارات الانخراط في الحرب، تحت عناوين المساندة لغزة وإيران. لقد استطاعوا إنهاء الوجود الديموغرافي، للشيعة تحديداً، في جزء من الجنوب وفي جبل لبنان والعاصمة. والعبقرية أيضاً أنّهم فعلوا ذلك واستطاعوا أن يفلسفوه، بإضفاء أبعاد عقائدية على الواقع المرير، وأن يُدخِلوا في عقول الكثيرين من الضحايا، أنّ ما جرى هو انتصار فعلاً وأنّهم منتصرون.

لم يتعلّم هؤلاء من درس غزة. هناك أيضاً قيل للأهالي إنّهم منتصرون وسينتصرون. لكنّ الأيام أثبتت وستُثبِت أنّهم دخلوا مرحلة التهجير والتذويب الممنهج والدائم للهوية الوطنية الفلسطينية. ومَن لا يُصدِّق، فليسأل «فتح» وفلسطينيّي السلطة الفلسطينية قراءتهم لما يجري. فهؤلاء اختبروا كل التجارب طويلاً منذ منتصف القرن الماضي، وصاروا يعرفون كل شيء.

الضاحية اليوم من دون شيعة، أي بيروت من دون شيعة. فهل يدرك هواة الحروب المريرة معنى ذلك؟ وهل يُفكّرون في السيناريوهات التي سيقود إليها؟

وكذلك، جنوب الليطاني، حيث جزء وازنٌ من الثقل الديموغرافي الشيعي، بات فارغاً تقريباً، فهل يُفكّر هؤلاء بما يعنيه ذلك؟ وهل يُفكّرون في ما تريده إسرائيل بهذا الإخلاء المدروس؟

إذا دمَّرت إسرائيل الضاحية، كما هي خان يونس، فمتى يمكن أن تسمح بإعادة بنائها؟ ومَن سيَبنيها، وبأي أموال، إذا سمحت بإعادة البناء؟ هل سينتظرون رفيق الحريري جديداً يُنشئ لها «سوليدير» تجرفها وتبنيها مجدّداً؟ وماذا لو طال انتظار البناء 10 سنوات أو 20؟ هل سيعود إليها أهلها الذين ترسّخت أقدامهم وأنجبوا عائلات جديدة في مناطق النزوح أو بلدانه؟ اسألوا الذين مرّوا بهذه التجارب، في لبنان كلّه!

وأمّا الأهم والأخطر، فهو جنوب الليطاني الذي سينسلخ عملياً عن لبنان الكبير. وهذا الأمر لم يَعُد تحليلاً سياسياً، بل بات «تعهُّداً» واضحاً وصريحاً إسرائيلياً، وأميركياً إلى حدٍّ بعيد. فالعديد من أركان الإدارة الحالية في واشنطن يؤمنون، مثل دونالد ترامب، بأنّ إسرائيل «صغيرة» ويجب «تكبيرها»، وقبل أيام أكّد ذلك صراحة سفيرهم في إسرائيل.

في أي حال، ترامب نفسه وَعَدَ بتحويل جنوب الليطاني وغزة إلى منطقتَين اقتصاديّتَين رهن التحكُّم الأميركي والإسرائيلي: سياحة وسباحة وتجارة وصناعة وبحبوحة… للشركات الكبرى. وأمّا مصير البحر، فسيكون كارثياً. هل يُفكِّر أحد في البلوكات النفطية التي ستُعيد تقسيمها إسرائيل، بذريعة تفاهم لبنان مع قبرص، عندما تمسك تماماً بالحياة حتى مصب نهر الليطاني؟ هل ستكتفي بانطلاق الترسيم من «صخرة» الناقورة الشهيرة؟

أكثر من ذلك، مَن قال إنّ شمال الليطاني لن يلحق بجنوبه بعد حين، بعد شهر أو سنة أو أكثر؟ وما المرسوم للبقاع أيضاً، وقد بدأ التلويح بافتعال مشكلة على الحدود مع سوريا الجديدة؟ وتالياً ما المرسوم للبنان الكبير كلّه؟

قد يظنّ البعض أنّ في هذا السؤال مبالغة، وأنّ سيناريوهات الخوف هي من نسج الخيال. ربما. ولكن المؤكّد هو أنّ المشروع الإسرائيلي مستمر لسنوات وعقود مقبلة، وخلالها يمكن إنضاج الظروف وإحداث التحوُّلات التي تبدو اليوم مستبعَدة أو مستحيلة. هذا ما سيجري في الشرق الأوسط كلّه، من فلسطين إلى لبنان وسوريا والعراق والأردن ومصر… وإيران ربما، ودول أخرى في الإقليم. ولا يبدو العقل الإسرائيلي التوسعي مستعجلاً لتنفيذ كل شيء من سنة أو اثنتَين أو ثلاث، لكنّه يستفيد من وجود ترامب لتحقيق إنجازات وتحضير الأرضية لأخرى.

حتى الآن، جرى إحباط كل الفرص التي سنحت لإخراج لبنان الكبير من الجحيم الذي يُدفع إليه. واليوم، يجري دفعه بعنف إلى المجهول، بشعارات تبدو برّاقة وساذجة، لكنّها في الواقع قاتلة. وأصحاب هذه الشعارات سيبكون دماً على أنفسهم وبيئتهم وأهلهم ومصيرهم، وسيندمون على لحظة جنونهم ورفضهم كل محاولات الاحتضان الوطني التي قُدِّمت إليهم بلا مقابل، لكن لن ينفع الندم لأنّ ما تمّ سيكون قد تمّ، ولا عودة إلى الوراء.

طوني عيسى – الجمهورية

زر الذهاب إلى الأعلى