
توضح الاخصائية النفسية والأستاذة الجامعية نشروان مراد، في حديث لموقع mtv، أنّ اقتراب بعض المدنيّين من مواقع الغارات لتوثيقها ليس بالضرورة سلوكاً متهوراً بقدر ما هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والسلوكية التي تظهر عادة في أوقات الحروب والأزمات.
وتشير مراد إلى أنه يمكن ملاحظة ثلاث فئات رئيسة في مثل هذه المواقف. فهناك أشخاص يجدون أنفسهم في المكان بالصدفة ويقومون بالتصوير من مسافة آمنة نسبياً بدافع التوثيق أو الفضول الطبيعي. وهناك فئة ثانية يدفعها الفضول الإنساني إلى الاقتراب أكثر لمحاولة فهم ما حدث ورؤية تفاصيله. أما الفئة الثالثة، وهي عادة الأصغر عدداً، فقد تقترب بشكل خطير من موقع الاستهداف رغم إدراكها لاحتمال وجود خطر.
وتلفت إلى أن أحد العوامل التي تفسّر هذا السلوك هو ما يعرف في علم النفس بـ “الانحياز التفاؤلي”، حيث يميل الإنسان بطبيعته إلى الاعتقاد بأن الخطر يصيب الآخرين أكثر مما قد يصيبه هو شخصياً، ما يؤدي إلى التقليل من تقدير مستوى الخطر الفعلي.
كما أن لحظات الانفجار أو القصف المفاجئ تفعّل في الجسم ما يعرف بمنظومة الاستجابة للضغط، حيث ترتفع هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول. هذه الحالة تضع الإنسان في وضعية استنفار تُعرف باستجابة القتال أو الهروب، وفي بعض الحالات قد تدفع هذه الحالة بعض الأشخاص ليس فقط إلى الابتعاد، بل أيضاً إلى الاقتراب بدافع الاندفاع أو الفضول أو محاولة فهم ما يجري.
وتضيف مراد أن عاملاً نفسياً مهماً يتمثل في ما يسميه علماء النفس الحاجة إلى الدور أو المعنى. فعندما يواجه الإنسان حدثاً مأساوياً كبيراً يشعر أمامه بالعجز، قد يحاول استعادة إحساسه بالقدرة عبر التوثيق أو نقل الصورة. بالنسبة الى بعض الناس يصبح التصوير نوعاً من المشاركة الرمزية في الحدث أو محاولة أن يكونوا شهوداً عليه أمام العالم.
كما يلعب تأثير الجماعة دوراً واضحاً في مثل هذه الحالات، إذ أنّ وجود عدد كبير من الناس في المكان نفسه قد يقلل من إدراك الفرد للخطر ويمنحه شعوراً نسبياً بالأمان، ما يزيد من الجرأة على الاقتراب.
ولا يمكن أيضاً تجاهل دور وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح توثيق الأحداث ونشرها بسرعة جزءاً من السلوك العام لدى كثير من الناس، سواء بدافع نقل الحقيقة أو الشعور بالمشاركة في حدث كبير.
وتشير مراد كذلك إلى عامل آخر هو ما يعرف بالاعتياد على الخطر، إذ أن المجتمعات التي تعيش فترات طويلة من التوتر أو الصراعات قد يصبح إدراك الخطر فيها مختلفاً، لأن التعرض المتكرر للأحداث الخطرة قد يجعل بعض الأفراد أقلّ حساسية للمخاطر المباشرة.
وفي المقابل، تؤكد مراد أنّ العامل الأكثر حماية يبقى تعزيز ثقافة الوعي بالمخاطر واحترام نطاقات الأمان في مثل هذه الظروف، لأن فهم الدوافع النفسية قد يساعد على تفسير السلوك، لكنه لا يبرر تعريض الحياة للخطر.
