Featuredأخبار محلية

هل فشلت محاولات تحييد مسيحيي البلدات الجنوبيّة؟

ليس المسيحيون في وضع يُحسَدون عليه في حرب الإسناد الثانية التي بدأها “حزب الله” في 5 آذار الجاري، وهم عالقون في وضعية خطيرة بين مطرقة إسرائيل وسندان “الحزب”. وقد سقط لهم ضحايا عدة في الأيام الفائتة، أبرزهم سامي غفري من علما الشعب، وبيار الراعي كاهن رعية بلدة القليعة، وأخيراً ثلاثة شبان من عين إبل هم: جورج خريش، وإيلي عطالله دحروج، وشادي عمار.

لكن دائرة القرى المسيحية التي تتعرض للدمار وسقوط الضحايا فيها تتسع يوماً بعد يوم، وخصوصاً القوزح وعلما الشعب وغيرهما من بلدات قضائي مرجعيون وبنت جبيل. ويبدو أن الفاتيكان دقّ ناقوس الخطر، ما دفع السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا، بتكليف من البابا لاوون الرابع عشر، إلى القيام أمس بزيارة تضامنية إلى القرى المسيحية الحدودية مثل القليعة ودير ميماس ومرجعيون، هدفت إلى دعم صمود الأهالي في مواجهة التصعيد العسكري، والتشجيع على البقاء في أرضهم، ونقل رسالة دعم من الفاتيكان.

إذاً، المسيحيون في القرى الحدودية ليسوا متروكين. ويلفت الدكتور وسام العميل، من بلدة رميش، وهو ناشط في الشأن العام في الجنوب، إلى أن البابا يولي القرى الحدودية المسيحية أهمية كبيرة، وخصوصاً بعد الأحداث الدموية التي شهدتها، مشيراً إلى أن كل الأطراف السياسية، بالتعاون مع الكنيسة، تعمل على تحييد هذه البلدات والقرى عن الاستهدافات. ويؤكد أن وجود الكهنة فيها مهم جداً لامتصاص الحساسيات وتعزيز السلام، وتجنيبها إطلاق الصواريخ، ولا سيما من قلب القرى والبلدات المأهولة، وتجنب ردّات الفعل الحادة. ويعتبر أن بعض الأطراف تدفع باتجاه ردّات فعل حادة يكون ثمنها صعباً، فيما المطلوب أن تكون كل خطوة مدروسة وعقلانية، وألا نسمح بإعطاء أي ذريعة لاستهداف قرانا وبلداتنا، وليس سراً أنه عندما تسقط دماء تُصاب الناس بالخوف ويفضلون النزوح.

أما الموفد الخاص لرئيس “القوات اللبنانية” إلى بعض مناطق الجنوب جان علم، وهو من رميش أيضاً، فيعتبر أن ما يجري ببساطة لمسيحيي القرى الجنوبية أنهم يدفعون ثمن حرب لم يقرروها ولا يريدونها. فهذه القرى لم تكن يوماً جزءاً من قرار الحرب، لكنها أصبحت ضحية له. ويقول إن أهل هذه البلدات متمسكون بأرضهم منذ مئات السنين، لكن عندما يُختطف قرار الحرب والسلم من الدولة ويُفرض على اللبنانيين، يصبح المدنيون أول الضحايا. ومع ذلك، ما نراه اليوم هو إصرار كبير من الأهالي على البقاء، لأن هذه الأرض ليست مجرد مكان للسكن، بل جزء من هويتهم ووجودهم.

ولا يخفي علم أن الكنيسة تقوم بدورها الروحي والإنساني، وأن الفاتيكان لطالما دافع عن حضور المسيحيين في لبنان والشرق. لكن الحقيقة أن الحماية لا يمكن أن تكون دبلوماسية أو معنوية فقط، فالحماية الحقيقية تأتي من دولة قوية قادرة على فرض سيادتها وحماية جميع مواطنيها. وعندما تغيب الدولة، لا تستطيع أي جهة خارجية أن تؤمّن الحصانة المطلوبة.

قسم كبير من أبناء القرى الجنوبية المسيحيين يحمّلون “الحزب” مسؤولية ما يحصل نتيجة إطلاقه الصواريخ من البلدات والقرى المأهولة، لكن البعض يحافظ على علاقة معه لتجنيب هذه البلدات والقرى شرب الكأس المرّة. ويؤكد العميل:”إننا نبذل جهداً لكي لا تُطلق الصواريخ من هناك، وهذه البلدات لا تتضمن مخازن أسلحة. ربما في خراجها تدور بعض المعارك، أي خارج الأماكن السكنية، وأبناؤها يحاولون أن يتجنبوا، ويجنّبوا مناطقهم، أي خطأ يجرّهم إلى مكان آخر”.

ويرى أن إسرائيل ليست سعيدة بأن أهالي هذه القرى ما زالوا باقين فيها، لأنه من المفترض أن تُحيَّد، إلا أن هذا ليس ما يحصل، فالرسائل الدموية تتوالى. ويضيف:”لا نظن أن الاستهدافات الإسرائيلية كانت رداً على نشاط عسكري لـ”الحزب”، بدليل أن الشبان الثلاثة الذين استشهدوا في عين إبل تم استهدافهم من دون أي إطلاق صواريخ من المكان الذي كانوا فيه، بل كانوا يثبّتون كاميرات مراقبة للبلدة. وأظن أن إسرائيل تعتمد على الذكاء الاصطناعي الذي يعطي الجيش الإسرائيلي إشارة لوضعية معينة، فيتم إطلاق النار عليها من دون تدقيق. وللأسف، أراضي هذه البلدات واسعة، والناس تعمل في الزراعة، ما يعرّض حياتها للخطر. وعادة تلقي إسرائيل قنابل تحذيرية، أما هنا فنرى استهدافات مباشرة لا يمكن إلا أن نفهم أن الهدف منها تهجير المسيحيين”.

أما علم فيؤكد أن الدماء التي سقطت، من الكاهن بيار الراعي إلى الشباب الثلاثة من عين إبل، هي نتيجة انكشاف هذه البلدات والقرى الجنوبية، بل وكل لبنان، وربطها من قبل حزب أصبحت الدولة تعتبر نشاطه العسكري والأمني خارج عن القانون بمحاور إقليمية، وتحديداً بحرب إيران مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. فأضحت البلدات والقرى الحدودية خط تماس دائم، والمسيحيون فيها يدفعون ثمن تحويلها إلى ساحة حرب لخدمة أجندات لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين عموماً.

ويشدد علم على أن المسؤولية الأولى تقع على من صادر قرار الدولة واحتكر قرار الحرب والسلم، والمسؤولية الثانية تقع على الدولة اللبنانية لأنها لم تتصرف بجدية على أنها دولة. ويلفت إلى أنه لا يمكن لأي بلد أن يحمي شعبه إذا كان قرار الحرب خارج مؤسساته الشرعية.

ونسأل: هل تقوم إسرائيل بهذه الاستهدافات تمهيداً لاجتياح بري؟ يجيب العميل:”إن طبيعة هذه الاستهدافات المباشرة التي تحصل من دون إنذارات تصب في هذه الخانة، وحتماً لدينا هواجس كبيرة حول ما يمكن أن يحصل. فهي مثلاً طلبت من الجيش اللبناني في منطقة علما الشعب أن يبتعد لمسافة معينة، وقد تعامل معها بجدية، إلا أنها لم تتعاطَ مع المدنيين المسيحيين على هذا النحو، ما يطرح علامات استفهام عديدة”.

ويعتبر العميل أن المسيحيين في الجنوب يشكّلون جزءاً من محيطهم الكبير، ويضيف:”نحن نعيش المعاناة والإهمال منذ زمن طويل، ونعتمد على كنيستنا وأحزابنا، إلا أن بعض هذه الأحزاب تستغل الظروف لتشدّ عصب مناصريها، وهذا ما تكون له ارتدادات سلبية أحياناً”.

من جهته، لا يستبعد علم أي تصعيد عسكري إضافي أو عمليات برية لإسرائيل. فعندما يتحول الجنوب إلى منصة صراع مفتوح، يصبح خطر التصعيد العسكري أو الاجتياح قائماً دائماً. والمشكلة الأساسية أن اللبنانيين يدفعون ثمن معارك لا يملكون قرارها.

ولا يخفي علم مخاوفه من أن تدفع البلدات والقرى الجنوبية ثمن هذا الواقع، وخصوصاً القوزح وعلما الشعب وغيرهما من بلدات قضاءي مرجعيون وبنت جبيل، رغم أن لها تاريخاً طويلاً من الصمود، وفق تعبيره، ويضيف:”اليوم تواجه أخطاراً كبيرة نتيجة الحرب الدائرة حولها”.

ويكشف علم أن “الخطر الحقيقي هو في استمرار الحروب وغياب الدولة. فجبل عامل كان دائماً مساحة تنوع وتعايش. إن المسيحيين في الجنوب متمسكون بالأرض والصمود في وجه الأزمات. لقد اعتادوا مواجهة الظروف الصعبة، لكنهم في كل مرة يثبتون أن ارتباطهم بأرضهم أقوى من الخوف. كما أن إيمانهم بالدولة اللبنانية وبالجيش اللبناني وبحقهم الطبيعي في العيش بكرامة في قراهم يمنحهم القوة للبقاء وعدم النزوح”.

وهذا ما يؤكده العميل أيضاً، مطمئناً:”مهما كانت الرسائل قاسية ودموية، فلن تكون كافية لإحباط عزيمة أهلنا الموجودين في الجنوب. عزيمتهم قوية وهم متمسكون بأراضيهم”.

المصدر: جورج حايك- المدن

زر الذهاب إلى الأعلى