
شهيد نكد – المدن
عرفت البيداغوجيا في العقود الأخيرة تحوّلاً عميقاً في فهم التربية. فهي لم تعد تُختزل في نقل المعرفة أو تلقين المعلومات، بل أصبحت مشروعاً لبناء شخصيّة الطفل، وعلاقته بالآخرين وبالطبيعة. من هنا دخلت إلى البرامج التعليميّة مبادئ جديدة: احترام البيئة، فرز النفايات، التعاون، اللاعنف، وتنمية حسّ المسؤولية تجاه الآخرين والطبيعة. لم يعد الهدف فقط هو التعليم، بل اعداد الانسان المتوازن والمسؤول والمزدهر.
مفارقة الحضارة الحديثة
إلّا أن هذا المشروع التربوي يصطدم بحقيقة قاسية: نحن لا نجرؤ حتّى على اطلاع أولادنا على الأخبار. لأن الحضارة التي نُعدّهم للعيش فيها ما زالت تجعل الحرب إحدى قواعدها الأساسية؛ وهو ما يتنافى مع كلّ المبادئ التي نعمل لزرعها فيهم.
والمشكلة لا تكمن في كون ما نحاول اخفاؤه عن أولادنا هو حادث طارئ أو انحراف مؤقّت. بل هو أن الحرب لا تزال تشكّل الجزء البنيوي للنظام الذي بنيناه، وللطريقة التي ننظّم علاقتنا بالعالم وببعضنا البعض. ففي حين نُعدّ أبناءنا ليكونوا أفراداً متوازنين، متعاونين، محترمين للحياة وللآخرين، فإن ما ينتظرهم هو حضارة تقوم على الهيمنة والقوّة والعنف. نعلّم الطفل أن لا يضرب، لكن الدول تقصف. ونعلّمه احترام الحياة، بينما الدول تقتل.
طبعاً، هذه المفارقة ليست جديدة، غير أن استمرارها لا يعني أنّها طبيعيّة. فأن تتكرّر الحروب عبر التاريخ واستمرارها ليومنا، ليس سوى دليل على أن حضارتنا، رغم كلّ تطوّرها العلمي والتقني، لم تتقدّم بالقدر نفسه على الصعيد الإنساني. وعدم التماثل هذا- بين العلمي والتقني من جهة والإنساني من جهة ثانية- يمثّل خطراً وجوديّاً على البشريّة برمّتها. عدم التماثل هذا سيؤدي إلى مزيد من تسخير التطوّر العلمي والتقني ضدّ الإنساني. وهذا ما تكلّم عنه أنطوان دو سانت إكزوبيري في خضّم الحرب العالمية الثانية، أن مشكلة العالم في جوهرها، ليست سياسية ولا اقتصاديّة، بل روحيّة قبل كلّ شيء. رأى أن الحضارة الحديثة، بالرّغم من كلّ التطوّر الذي حقّقته، لم تعد تعرف لأي غاية تستخدم هذا التطوّر. وعندما يفقد التطوّر معناه الإنساني، يتحوّل العلم إلى أداة تخدم العنف، بدل أن يكون وسيلة تحرّر الانسان.
غير أن البعد الروحي المطلوب والمعنى المفقود لا يمتّان بصلة إلى البعد الديني الذي تكتسبه الحرب الدائرة اليوم. فإيران الدينية التي تنتظر ظهور المهدي، وإسرائيل التوراتية والشعب المختار والأرض الموعودة، وترامب الولايات المتّحدة الذي يستحضر رؤيا يوحنا تمهيداً لعودة المسيح، كلّها سرديات دينية لا تمتّ إلى “الروحي” الذي كان يبحث عنه سانت إكزوبيري. فدين المتحاربين هو أداة تعبئة في صراع القوّة، وهو جزء من المشكلة لا من الحلّ. أمّا “الرّوحي” فهو شيء آخر تماماً، هو بعد أخلاقي يمنح الانسان معنى لوجوده، ويضع حدوداً للقوّة التي أصبحت اليوم بلا حدود.
عندما تفقد السياسة معناها
ومع غياب المعنى تصبح السياسة عرضة للانزلاق نحو العبث. وليس صدفة، أن يكون القرن الماضي والذي شهد أكبر الحروب دماراً في تاريخ البشريّة، قد أنتج الفلسفة العبثيّة. فأصبح العالم أصعب فهماً من الناحية الأخلاقية: فكيف يمكن لحضارة بلغت هذا المستوى من التطوّر أن تنتج آلة الدمار والقتل والابادة هذه؟ وهذه العبثيّة التي تحدّث عنها الفيلسوف ألبير كامو، هي اللحظة التي يتواجه فيها بحث الانسان عن المعنى بعالم يبدو خالياً منه.
وما كان مجرّد فكرة فلسفية في القرن الماضي، ينعكس بشكل واضح وجليّ اليوم في السياسة الدولية. فالحروب ما زالت هي الأداة لإدارة الصراعات، والقوّة هي اللغة المشتركة في العلاقات الدولية. وقد أدرك بعض منظّري العلاقات الدولية هذه المعضلة منذ زمن. وقد نبّه هانس مورغنثاو (Hans Morgenthau)، وهو أحد أبرز منظّري الواقعيّة السياسية، إلى خطورة اختزال الانسان في بعد واحد. فالإنسان ليس كائناً سياسياً فقط، بل هو مركّب من أبعاد متعدّدة: اقتصاديّة واخلاقيّة ودينيّة وسياسية. ويحذّر من أن الانسان الذي يصبح “سياسياً فقط” يفقد القيود الأخلاقية التي تمنعه من التحوّل إلى وحش. وهنا يكمن الاختلال الأكبر في عالمنا اليوم: حين تتصرّف السياسة الدولية وكأن الانسان كائن سياسي فقط، تحكمه القوّة والمصلحة، فيما تغيب الابعاد الأخرى التي تمنح السياسة معناها الإنساني.
وفي عصر الشاشات المحمولة، تتحوّل الناس إلى متفرّجين ومشجّعين. تتدفّق الصور والأخبار بلا توقّف، فلا مجال للتفكير والتأمّل. فما يحصل هو أشبه بمبارزة أو مباراة، يرتفع الأدرينالين مع كلّ صاروخ وغارة ومجزرة. هكذا، فإن الحرب التي تشكّل بنية النظام الدولي، تتحوّل إلى مشهد مألوف في حياتنا. وعندما تصبح الحرب مألوفة، يفقد الانسان حساسيّته تجاهها، فيخسر شيئاً من انسانيّته.
حين تُختزل المجتمعات بقواها
وفي لبنان، يظهر هذا الاعتياد على الحرب بشكل واضح وخطير. فمع كلّ مواجهة، ننزلق سريعاً إلى الاصطفاف الطائفي. كأن الحرب، بدلاً من أن تدفعنا إلى مساءلة أنفسنا، تجرّنا فوراً إلى الخنادق القديمة نفسها. فنسرع إلى أخذ موقعنا داخل الجماعة، لا إلى محاولة فهم المأساة التي يعيشها الجميع. وفي هكذا مناخ، يصبح من الصّعب الاعتراف بحقيقة بسيطة: أن الناس لا تختزلها دائماً خيارات القوى التي تتحدّث باسمها، أو حتى التي تحارب باسمها. وأن ألم الحروب يتخطّى الحدود الطائفية والمناطقيّة.
وربّما لهذا السبب نخبّئ الاخبار عن أطفالنا. لكن الطفل ليس غافلاً؛ فهو يرى، ويسمع، ويشعر. وصمتنا أمامه ليس حماية له بقدر ما هو درس آخر يتلقّاه عن عالم يقول شيئاً ويفعل نقيضه.
لم يكن كتاب “الأمير الصغير” لسانت إكزوبيري قصّة للأطفال بقدر ما كانت مرآة للكبار. عالم يرى فيه الطفل الجوهر، بينما يكتفي الكبار بالقشور. الكبار يرون القبّعة، والطفل يرى ثعباناً يبتلع فيلاً. وهكذا أيضاً في عالمنا اليوم: وربّما لهذا السبب يبدو سؤال الطفل أبسط وأصدق من كلّ خطابات السياسة: لماذا ما زال العالم الذي بناه الكبار يحتاج إلى الحرب؟
