الحمرا: خيمة النازحين الدائمة

قبل أيَّام سَارَ المئات في شارع الحمرا الرئيسي حاملين شموعاً «رفضاً للعدوان على لبنان ودعماُ للمقاومة الوطنية» بدعوة من «الجبهة القومية». ونظّمت «بيروت خيمتنا»، وهي مبادرة أهليّة مشتركة، لقاء تضامنياً مع شهداء وجرحى مؤسَّسات الإسعاف المدني المستهدَفَة من العدوان الإسرائيلي في «دار الندوة»، في الحمرا أيضاً. سبقت ذلك وقفة تضامنية رمزية رفضاً للإعتداءات على الصحافيين والمسعفين في لبنان، أمام مسرح سينما «كوليزيه» الذي فتح أبوابه مجدّداً لاستقبال عدد من النازحين إلى المنطقة التي شَهدَت في محطات عديدة موجات من النزوح القسري نتيجة حروب إسرائيل على لبنان، أو بفعل الاقتتال الداخلي. بين عامَيْ 2024 و2026 تكرَّر مشهد النزوح في شوارع «رأس بيروت»، أسوة بمناطق وأحياء أخرى من العاصمة، لكن مع تسجيل انخفاض نسبي في عدد «نازحي الحمرا» الذين توزّعت إقامتهم إما في مراكز إيواء أو في شقق مفروشة وفنادق إضافة إلى غرف مستقلة وأماكن غير ملحوظة. ومنذ اليوم الأوّل للحرب انطلقت في منطقة الحمرا حملات ومبادرات إغاثية وإنسانية أهلية لدعم النازحين. المبادرات التي تكشف حجم القصور في أداء الجهات الرسمية وغير الحكومية المعنية في مواجهة أعباء النزوح، تدل في المقابل على «حيوية» هذه المنطقة التي احتضنت، في فترات زمنية مختلفة، حراكات ومبادرات وأفكاراً من خارج الأطر الطائفية التقليدية
كانت زينب ابنةُ الـ6 أعوام قد ابتعدتْ خطواتٍ قليلة خارج مركز الإيواء في كنيسة الكبُّوشيَّة عندما خَرَقتْ طائرة حربيّة معادية جدار الصوت وَرَمَت منشوراتٍ تحريضيّة فوق سماء العاصمة. لم تَعرِف الفتاة مضمون المنشور الإسرائيلي، لكنها قالت لصديقتها: «إنَّ إسرائيل تقتل الأطفال، ولذلك أكرهها». على الجهة الأخرى، كان بضعة شُبّان يُوصِلون موادَّ لتحضير وجبات يوميّة ساخنة في مكتبة ومقهى «برزَخ»، فيما كان محمد الريّس، الوجه البارز في جمعية تجار شارع الحمرا، يُرحِّب بزبائن جُدُد من النازحين في محلِّه الصغير.
وفي مشهد اعتيادي على رصيف الحمرا هذه الأيام، تحمل امرأة ورجل فرشاً وأغطية، فيما «يحتلّ» الـ«إلدورادو» مساحة كبيرة من الرصيف لعرض بضاعته. في «نقطة» أخرى تبيع نازحة ألبسة قطنية، بينما عَرَضَ نازح من برج البراجنة «بسطة» لوازم منزليّة صغيرة. وعلى جانِبَي الشارع الرئيسي، عاد مشهد اصطفاف السيارات وإن بدرجة أقلَّ من حرب 2024، ورُكنت سيارة لـ«بلدية عربصاليم» قبالة مبنى «الستراند» في ما بدا كأنّه إعادة تشكيل مؤقّت للمكان والرصيف والمدينة على إيقاع النزوح.
مبادرات محلّية
رغم مظاهر النزوح الواضحة في الشارع وأمام الفنادق ومراكز الإيواء المختلفة، إلا أنَّ المطّلعين يؤكّدون أن عدد النازحين في منطقة الحمرا لم يبلغ بعد المستوى الذي وصل إليه في حرب 2024. يُرجِع هؤلاء السبب الأساسي إلى أنّ عدداً من مراكز الإيواء أبقى أبوابه مقفلة، إضافة إلى الارتفاع «الفاحش» والمتفلّت لأسعار إيجارات الشقق المفروشة. ويؤكّدون أن كل مراكز الإيواء – من خارج المراكز الرسمية المعتمدة – والتي فُتِحَت لاستقبال النازحين تمَّ أخذ الإذن من أصحابها، فيما يجري التفاوض مع أصحاب فنادق أخرى مهجورة. وفي مقابل ضعف أداء الجهات الرسمية وغياب المنظمات غير الحكومية في الاستجابة السريعة للنزوح، كان لافتاً حَراك المجتمع المدني المَحلّي منذ اللحظات الأولى لبدء العدوان الواسع، إضافة إلى المبادرات الفردية لناشطين ومتطوّعين.
داخل مقهى «BOBO» في شارع الحمرا، تتابع حوراء بدر الدين برفقة ناشطِين آخرين من حملة «بيتي بيتك» آليّة تقديم المساعدات لأكبر قدر ممكن من النازحين، معتمدين بشكل أساسي على تبرّعات الأفراد. تقول بدر الدين، القادمة من النبطية، إنّ «بيتي بيتك» هي «إطار للتحرُّك والاستجابة والرَّبط بين المناطق اللبنانية» كان قد انطلق في الحرب الماضية، ما سَهَّل من عملية التواصل هذه المرّة. وبما أنَّ معظم الاهتمام يذهب إلى مراكز الإيواء، «نحاول أن نلتفت أكثر إلى الناس خارج هذه المراكز، أي الناس الذين سكنوا في غرف صغيرة مُلحقة بمكان عملهم أو في أماكن مهجورة، كما أننا لا نزال نحاول إقناع الناس الموجودين في الشارع بالتوجّه إلى مراكز إيواء في المناطق».
وفي «ECOHUB» في الحمرا، يقدّم عدد من متطوِّعات ومتطوّعي جمعية «أحلى فوضى» المساعدات المختلفة، فـ«من الطبيعي أن تتركّز جهودنا على الجانب الإغاثي مع حجم الاحتياجات لعدد كبير من العائلات»، تقول رئيسة الجمعية إيمان نصر الدين عسّاف. وفي المساحة التي تشهد فعّاليات للأطفال، تتطوّع سميرة صبّاح النازحة من النبطية في مطبخ «أحلى فوضى» إلى جانب متخصّصين في الطهو «يحرصون على الجودة والنظافة». بالنسبة إلى صبَّاح، فإنّ «التشارك بين النازحين والمتطوّعين من شأنه أن يعزّز التفاعل بين الناس». و«لا يجب أن نكون مُحبطين مهما اشتدَّت الحرب، فمقابل كل جُرح هناك قوّة تُولَد».
في السياق ذاته، تُواصِل حملة «يلا عالجنوب» جهودها لتقديم الدعم الإغاثي للنازحين، وهي أنشَأَت مطبخَيْن لتأمين الوجبات السَّاخنة، إضافة إلى تلبية ما أمكن من الاحتياجات الأخرى. قبل أشهر قليلة، انطلقت «يلّا عالجنوب» من الحمرا بعنوان وطني واضح مناهض للعدوان، وبهدف إلى «إعادة الوَصْل بين الجنوب والمناطق اللبنانية الأخرى، وكي لا يشعر الجنوبيون أنهم متروكون لمصيرهم». والحملة التي سبق أن نظّمت عدداً من الفعّاليات الداعمة للاقتصاد الجنوبي المحلّي، «باتت الآن أكثر إلحاحاً، رغم أن أهل الجنوب صاروا هنا»، يقول منسّق الحملة خليل حرب، مشيراً إلى التعاون مع مقهى «تحت الشجرة» الداعم والحاضن للحملة التي تعتمد على تبرّعات الأصدقاء و«فاعلي الخير».
نازحون إلى أمكنتهم!
في الحرب تستعيد الحمرا «بريقاً» لا يُشبه الصورة النمطيَّة المعروفة عنها ولا يكسِرها بالكامل أيضاً. «تختلف الصورة عندما يحضُرُ النازحون لا للأسوأ ولا للأفضل بالضرورة، إنّما نحو شكل آخر»، يقول مُقيم هناك. ورغم كونها حالة مؤقّتة مرتبطة بفترة النزوح والحرب، إلا أنّ صورة الحمرا الآن، والتي تبدو امتداداً للحظة النزوح الكبير في أيلول 2024، لا تبدو منفصلة عن سياق التحوّلات التي أصابت هذه المنطقة على المستوى الاجتماعي في العقدَيْن الماضيَيْن. والحمرا، إذ «تتكيَّف» مع حالة النزوح، فإنّها تترك بَصمَتها الخاصة باعتبارها «وجهة نزوح ولقاء أيضاً».
لذا ليس غريباً أن يعود عامر فياض النازح من بلدة أنصار الجنوبية ليلتقي صدفة بأصدقاء لم يرَهم منذ زمن طويل، أو أن تجلس مجموعة من روّاد الحمرا في مكانها المعتاد وقد بات بعضهم نازحاً هناك. علي، الذي يعمل مساعداً لنعيم صالح في كيوسك الصحف بات نازحاً من حي السلم إلى أحد المباني قرب مخفر حبيش. «أبو عماد»، بائع القهوة المعروف، نزح من الشياح إلى الشوارع التي يحفظها عن ظهر قلب. أحمد، ابن بلدة الخيام الجنوبية، نزح وعائلته إلى الحمرا، حيث يعمل في مكتبة «الرافدين».
وعَلْوَان، ابن برج البراجنة، نازح إلى مبنى صحيفة «السفير» الذي عمل فيه لسنوات طويلة. عبد الحليم حمود الذي قال مرَّة: «إن شارع الحمرا هو عقيدة تعتنقها بمجرّد المرور على أرصفته»، يعيش الآن تجربة النزوح إلى المنطقة ذاتها للمرَّة الرابعة في حياته، إذ نزح إلى المكان الذي تربطه به «علاقة عضوية» وعائلية، وهو مبنى تمتلكه إحدى قريباته في شارع بعلبك. يقول حمود: «هو المبنى الذي سكن فيه ذات يوم زياد الرحباني، وفيه أجرى بعض البروفات للمسرحيات الأولى. في المبنى ذاته سَكَن جوزيف حرب أيضاً لفترة، وكانت فيروز تزور المكان من حين إلى آخر. في ذلك الوقت، في منتصف الثمانينيات، كان جوزيف حرب يكتب لها أغنية إسوارة العروس وقصائد أخرى».
لذا، يقول حمود إنه يشعر من خلال إقامته في هذا البيت أنه «جارٌ لذاكرة لها علاقة بالبلد والمكان وليس مجرَّد حجارة في مبنى». لا يحاول تجميل صورة النزوح «الثقيلة على الناس»، فهو يرى أنّ «التاريخ يعيد نفسه بطريقة مخجلة ومملّة». ويقول: «الأحاديث ذاتها التي كنّا نحكيها صغاراً عن الحرب والنزوح، رجعنا إليها لكن بنسخة مُحدَّثة وقد أصبحنا آباء وبعضنا صار جدّاً». لكن «النزوح رغم كل سلبياته، يفرض جدول أعماله الخاص داخل البيت المؤقّت سواء لناحية التشارك بتحمُّل الأعباء الماديّة واللوجستية أو لناحية إعادة اكتشاف أبناء العائلة الواحدة لبعضهم بعد انقطاع».
التعليم «مُمكِن»؟
لا تُضيِّع غادة فغالي وقتاً دون أن تستثمره في جهود الدعم التربوي والتعليمي. هذا دأبُها منذ قرابة أربعة عقود على الأقل. بالنسبة إليها، «الحرمان من التعليم أقسى من الجوع». لذا ليس غريباً أن تكون جمعية «مُمكِن» التي ترأسها فغالي حاضرة في عدد من مراكز الإيواء في منطقة رأس بيروت، الناشطة فيها أساساً، بالتوازي مع الجهود التي تقوم بها في «التعليم عن بُعد» لطلاب في مناطق مختلفة، وبينهم تلامذة من قرى جنوبية تحت النار.
في مركَزَي «الثانوية الإنجيلية» و«ثانوية رأس بيروت الرسمية»، تقدّم متطوّعات الجمعية حِصَصاً ودروساً تعليمية إضافة إلى أنشطة ترفيهية ذات طابع تربوي للأطفال النازحين. في مركز «رأس بيروت» تُفاجِئ ماريا، وهي معلّمة مادة الكيمياء، تلامذة الصف الثامن بسؤالهم عن عناصر الـATOM، بينما تقول سنيَّة ياسين، وهي نازحة من الشياح، إنها تطوّعت لمساعدة ناشطات «ممكن» كي «تكسر حالة الملل والضجيج التي أعيشها». هناك أيضاً، اشتاق الطفل عباس قديح النازح مع عائلته من حاروف الجنوبية إلى ضيعته التي «تقصفها إسرائيل كثيراً»، فيما يقول الطفل علي ضاهر إنه يستفيد من الصفوف التعليمية، لكنه يريد العودة إلى مدرسته في كفررمان.
«أُلفَة» الحمرا في أزمنة الحرب
يُراقب سليمان بختي مشهديّة النزوح في الحمرا بعَيْن ابن المكان وأحد حُرّاس ذاكرته. يرفض «خطاب الفرز» السائد اليوم في البلد، ويرى أن ما يحصل في الضاحية وبيروت والجنوب والبقاع ومناطق لبنانية أخرى هو استهداف لكلّ لبنان والجميع معنيٌّ به. «حصصُنا كلّنا في هذا البلد متساوية لناحية الكرامة الوطنية والإنسانية». وفي الحديث عن «خصوصية الحمرا»، يلفت بختي إلى أنّ هذه المنطقة كانت دائماً منطقة أمان نسبي، ولا سيما في الحرب الأهلية، كونها بعيدة عن خطوط التماس التقليدية وتتميّز بطابعها العلماني والمتنوّع طائفياً ومذهبياً وحضورها الثقافي. يقول الرجل: «منطقة رأس بيروت فيها جوّ من الألفة… الألفة بوصفها خياراً لسكان هذه المنطقة».
يسترجع بختي، الباحث والكاتب، سريعاً أبرز محطات النزوح المرتبطة بحروب إسرائيل على لبنان، بدءاً من الاجتياح الأول عام 1978، مروراً بغزو بيروت عام 1982.
«في تلك المرحلة كانت الحمرا تعجُّ بالناس الذين نزحوا من أطراف العاصمة وانتقلوا إلى هذه المنطقة. كانت حينها خلطة من النازحين والسكان والمقاتلين والأسواق… وكان في حصار وصمود»، يقول بختي. وفي أيلول 1982 وعَقِب مجزرة صبرا وشاتيلا، يستذكر «موجة نزوح جزئية وقصيرة، لكنها كانت ملحوظة». ويستحضر مشهد آلاف المواطنين الذين مشوا لساعات في شوارع رأس بيروت، حينها، بعد سَرَيان إشاعة عن دخول إسرائيل إلى صبرا وشاتيلا بعد أيام قليلة من المجزرة الرهيبة. تكرّرت موجات النزوح إلى هذه المنطقة ،بنِسَب متفاوتة، في أعوام 93 و96 و2006 وصُولاً إلى عام 2024 الذي شهد الموجة الأكبر من النازحين.
وفي هذه الحرب يعود مشهد النزوح في الحمرا، لكن بحجم أقلّ عدداً وأكثر تنظيماً. برأي بختي، يشكّل النزوح عبئاً كبيراً على الناس، إلا أنّ «وجهه الإيجابي يبقى في تعزيز مساحة التفاعل بين الناس، كما في حالة الحمرا».
فراس خليفة -الاخبار




