المستشفيات تتوقّع الأسوأ: إخلاء المرضى خارج بيروت الكبرى؟

خضر حسان – المدن
يرفع العدوّ الإسرائيلي مستوى اعتداءاته ضد لبنان، وتتخطّى ضرباته الأهداف العسكرية لحزب الله، لتطال أبنية يأمَن داخلها المدنيون الذين يسقطون بين شهداء وجرحى. الأمر الذي يضع فِرَق الإغاثة والمؤسسات الصحية والاستشفائية أمام ضغط هائل لتأمين الاستجابة الطارئة وتقديم الإسعافات والعلاجات المطلوبة. على أنّ التصعيد الذي يمارسه العدوّ، وارتفاع أعداد الضحايا، يهدّد المستشفيات بالوصول إلى مرحلة عدم القدرة على تقديم الخدمات بالصورة الصحيحة، خصوصاً إذا اقترن التصعيد بقطع طرق الإمدادات، وتعطيل وصول المعدّات والمستلزمات الطبية.
زيادة الضغط على المستشفيات
مع تصاعد حدّة الاعتداءات، زاد الضغط على المراكز الصحية والمستشفيات الموجودة في الضاحية الجنوبية لبيروت أو على أطرافها. وأدّى التدمير الواسع والتهديد المستمر إلى إخلاء مستشفى الساحل، بعد نحو 3 أيام من بدء الحرب في 2 آذار الماضي. وفي 9 آذار، كان موعد إخلاء مستشفى بهمن إثر تعرّضه لأضرار مباشرة بفعل القصف الإسرائيلي الذي طال المنطقة المحاذية. وبحلول 11 آذار، كانت المناطق الواقعة جنوب العاصمة تشهد “إغلاق 47 مركزاً للرعاية الصحية الأولية و5 مستشفيات. وأثّر ذلك على النظام الصحي الذي بات يواجه ضغطاً متزايداً مع ارتفاع أعداد الضحايا”، وفق ما نشره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA.
ومع دخول الحرب شهرها الثاني، يتفاقم الخطر على القطاع الصحي، بما في ذلك قدرة المسعفين والعاملين في القطاع على الاستجابة، خصوصاً أنّ الاعتداءات الإسرائيلية تطال المسعفين. وهذا الأمر دفع مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى التشديد في اليوم العالمي للصحة في 7 نيسان، على ضرورة حماية الرعاية الصحية والالتزام بالقانون الإنساني الدولي، والتأكيد أنّ الرعاية الصحية ليست هدفاً (عسكرياً). وحتى ذلك التاريخ، كانت المنظمة قد أحصت وقوع 92 هجوماً على مرافق صحية ومركبات طبية منذ بدء الحرب في 2 آذار 2026. وراهناً، تحذّر المنظمة من أنّ بعض مستشفيات لبنان قد تنفد منها مستلزمات منقذة للحياة خلال أيام مع اقتراب نفاد الإمدادات بسبب أعداد الضحايا الكبيرة.
نقص المعدّات والمستلزمات
التحديات ليست سهلة والمخاوف جدية، والتصعيد الإسرائيلي ينذر بالكارثة. لكن حتى اللحظة “الوضع مستقرّ”، بحسب ما أكّد نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة بيار يارد، الذي أشار في حديث لـِ “المدن” إلى أنّ المستشفيات “تمكّنت من استيعاب الحالات التي وصلت إليها نتيجة الغارات التي أصابت بيروت يوم الأربعاء.
المخاوف تتزايد، بحسب يارد، وهذا ما قد يستدعي “اللجوء إلى خط الدفاع الثاني، وهو الإخلاء نحو مستشفيات خارج بيروت الكبرى”. علماً أنّ تلك المستفيات شهدت “زيادة الضغط عليها بنحو 30 بالمئة مقارنة بعملها في الأيام الاعتيادية، وذلك بعد استقبالها مرضى وجرحى من المستشفيات التي جرى إخلاؤها”.
لا يتوقّف الأمر على قدرة استيعاب المرضى والجرحى، سواء في الوضع الراهن أو في حال تفاقم الخطر، وإنّما تتّجه الأنظار إلى ضمان وصول المعدّات والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات. ويتخوّف يارد من “النقص في المعدّات والمستلزمات في حال زادت حدّة القصف وارتفعت أعداد الإصابات أو في حال تعرّض لبنان إلى حصار”. فالحالات التي تتعامل معها المستشفيات ليست حالات مرض عادي، بل جرحى حرب “والجريح يحتاج بين 5 إلى 7 أيام في المستشفى، وهذا ما يزيد الضغط أكثر”.
التحديات التي تواجهها المستشفيات الخاصة تمثل ما يواجهه مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي في بيروت، والذي كان حاضراً في مختلف المحطّات التي مرّ بها القطاع الصحّي، من أزمة انتشار فيروس كورونا حتى الحرب الراهنة.
ورغم الصعوبات الإدارية والمالية، يقوم المستشفى بمهامه تجاه المرضى والجرحى “وفق خطّة وضعتها الإدارة الجديدة لتدعيم المستشفى قُبَيلَ وقوع الحرب”، على حدّ تعبير مصادر في المستشفى، والتي أكّدت لـ”المدن”، أنّ زيادة مستوى القصف الإسرائيلي “رفع معدّل استقبال المرضى والجرحى بـ3 أضعاف، ما زاد الضغط على المعدّات والمستلزمات الطبية”. ومع ذلك “لا نقص أو انقطاع في المعدّات والمستلزمات، وهناك خط تواصل مباشر مع وزير الصحة (ركان ناصر الدين) لتأمين الدعم الفوري للمستشفى”.
ولكن، لا تخفي المصادر حاجة المستشفى للمزيد من الدعم، خصوصاً في ظل “تأخّر الشركات في تسليم المواد والمستلزمات للمستشفى، والمطالبة بتأمين الأموال فوراً، بالرغم من أنّ المتأخّرات على المستشفى ليست كبيرة وتبقى ضمن المعدّل الطبيعي. كما أنّ الظروف الاستثنائية الحالية تتطلّب تعاملاً استثنائياً وإنسانياً، عوض التركيز فقط على الجانب المالي”. وناشدت المصادر وزير الصحة التدخّل للضغط على الشركات لتسليم المستشفى ما يحتاجه، من دون الوقوف عند الجانب المالي”.
أمام آلة القتل الإسرائيلية والحرب الذي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي تنعكس على خطوط الشحن، وتحديداً عبر مضيق هرمز، قد لا تصمد المستشفيات اللبنانية كثيراً، حتى في ظل الإجراءات الاحترازية التي تحضّرها منظمة الصحة العالمية مع وزارة الصحة، والتي تتمثّل بنقل الإمدادات بين المستشفيات لتجنب نفاد المخزونات بالكامل، لأنّ “المنظومة الصحية تعاني من ضغوط هائلة”، وفق ما قال ممثل منظمة الصحة العالمية، عبد الناصر أبو بكر، لوكالة رويترز، والذي حذّر من أنّ “الأدوية المستخدمة في علاج المرضى المصابين بأمراض مزمنة، مثل الأنسولين لمرضى السكري، قد تنفد في غضون أسابيع، بعد تعطل سلاسل الإمداد جراء الحرب في الخليج وإغلاق مضيق هرمز”. والمؤسف أنّ المنظّمة قد لا تستطيع التدخّل كما يجب، إذ “تواجه نقصاً في التمويل”. وأوضح أبو بكر أنّ “تكاليف شحن الإمدادات الطبية إلى لبنان ارتفعت ثلاثة أمثال”.




