دواء “نسخة” وقرار انتقامي!… ماذا في التفاصيل؟

أريج عمار – “نداء الوطن”
لم يكن السؤال الخطي الذي وجهه النائب الدكتور فادي كرم، مدعومًا بتكتل “الجمهورية القوية” ونوابه، مجرّد إجراء إداري روتيني، بل هو صكّ اتهام مباشر يضع الحكومة ووزارة الصحة أمام مسؤولياتهما الأساسية المتعلقة بصحة المواطنين. هذا الاستجواب، الذي استند إلى المواد الرقابية في النظام الداخلي لمجلس النواب، جاء منذ أشهر ليؤكد بالوثائق ان دواء “أداليريل” (Adalirel) هو الواجهة الجديدة لمقامرة رسمية بالأرواح.
اليوم نذهب أبعد من ذلك؛ فنحن لا نتحدث عن دواء “غير مطابق” فحسب، بل عن كارثة طبية حقيقية. فوفقًا للمعلومات الصادمة التي كشفها النائب كرم في حديث لجريدة “نداء للوطن”، تبين أن دواء “أداليريل” الهندي ليس حتى بديلاً حيويًا (Biosimilar) غير معترف به، بل هو مجرّد “نسخة” (Copy) تفتقر لأدنى معايير التكافؤ الحيوي والدراسات السريرية الموثقة التي تفرضها الهيئات الدولية.
هذا التمييز التقني ليس تفصيلاً بسيطًا، بل هو الفرق بين العلاج والموت؛ فبينما تفرض الوزارة استخدام هذه “النسخة” قسرًا تحت ستار “التوفير”، تضحي بسلامة المريض التي كان يوفرها دواء “هوميرا” (Humira) الأصلي بضماناته الصحية العالمية. والأنكى من ذلك، هو ما أشار إليه كرم بمرارة عن وجود شركات لبنانية وطنية تصنّع البدائل الدوائية بأسعار مدروسة وكفاءة ونوعية عالية جدًا، إلا أن الوزارة قررت القفز فوق الصناعة الوطنية الموثوقة لتختار هذا الدواء ذو الجودة السيئة والمصدر المشكوك به، مما يثبت ما ذكرناه سابقًا، أن المعيار لم يكن يومًا مصلحة المريض أو خزينة الدولة، بل المحسوبيات الضيقة.
والأخطر من ذلك كله، هو رد فعل وزارة الصحة على الاستجواب الذي قدمه تكتل الجمهورية القوية؛ فبدلاً من تصحيح المسار بعد هذه المساءلة، ذهب الوزير نحو إصدار القرار رقم (333)، الذي وصفه كرم بقرار “يهدف بوضوح إلى الالتفاف على الرقابة وتشريع الفوضى القائمة في تسجيل الأدوية”، بدلاً من وقف المقامرة بالأرواح. ففي ظل غياب المختبر المركزي، نصّب الوزير نفسه سلطة مطلقة تمنح صكوك عفو عن الأدوية مجهولة الجودة.
إضافة إلى كل ذلك، ومن خلال بحث معمق في السجلات الطبية العالمية حول هذه “النسخ” التي تفتقر للاعتراف الدولي، تتكشف حقائق مرعبة أخرى يجب أن يقرأها وزير الصحة جيداً:
أولاً، “الفيتو” العالمي (FDA & EMA): دواء “أداليريل” كونه “نسخة” (Copy) لا يحمل موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية ولا الوكالة الأوروبية للأدوية. إن استيراده واعتماده في لبنان يعني أن الوزارة تجاوزت أعلى المراجع الرقابية في العالم لتجعل من اللبنانيين حقل تجارب لأدوية لم تثبت جودتها مخبريًا. فهل هكذا يريد أصحاب القرار أن يكون لبنان؟ مختبرًا سريريًا والضحايا هم المرضى؟
ثانيًا، خطر “التبديل القسري” (Switching Risk): إن تبديل الأدوية البيولوجية الأصلية بـ”نسخ” أو حتى بدائل حيويّة غير مثبتة التكافؤ يحفز استجابة مناعية خطيرة؛ حيث ينتج الجسم أجسامًا مضادة تحارب الدواء نفسه. النتيجة؟ فقدان الفعالية العلاجية، وفشل العلاج تمامًا، وعودة المرض بشراسة أكبر.
ثالثًا، أعراض “الصندوق الأسود” (Black Box Warning): عالميًا، ترتبط هذه الفئة من الأدوية بمخاطر “العدوى الانتهازية القاتلة” (كالسل الفعال) ونشوء أورام ليمفاوية وفشل كبدي. استخدام “نسخة” غير مثبتة الكفاءة يعني رفع نسبة هذه المخاطر إلى مستويات كارثية.
رابعًا، يا معالي الوزير، إذا أردت تسهيل جني الأرباح لمحيطك وبيئتك، فأقلُّها دع هذا الربح يكون “حلالاً”، واستبدل “Humira” بدواء بديل (Biosimilar) حقيقي حاصل على موافقات عالمية – وهناك العديد منها – بدلاً من تدمير الصناعة الوطنية وقتل المرضى بـ”نسخ” هندية أو غير هندية رديئة. وإذا أردت، نحن مستعدون لتزويدك بالمعلومات إن كانت أبحاث فريقك غير دقيقة بالقدر الكافي لعدم تعريض صحة المواطنين للخطر!
وأيضًا، فإن الموافقة الطبية تجاه هكذا خطوات غير أنسانية وغير صحيّة، فإن خطورة الأدوية البيولوجية تكمن في تعقيد جزيئاتها؛ أي خلل بسيط في التصنيع أو التخزين يحول الدواء من علاج إلى مادة غير فعالة أو حتى سامة. فلا يمكننا طبيًا المساواة بين دواء أصلي أمضى سنوات في الأبحاث وبين بديل رخيص يفتقر لاعتمادات FDA بالحد الأدنى. نحن نرى مرضى يفقدون استقرارهم الصحي بسبب هذا التبديل، وهذا تراجع طبي في لبنان لا يمكن السكوت عنه بعد الآن!
إن السؤال الخطي المقدم من نواب “الجمهورية القوية” وضع الكرة في ملعب الحكومة. لم يعد بإمكان وزارة الصحة الاختباء خلف “ستارة التوفير المزعوم” بينما رائحة المحسوبيات الطائفية والسياسية تفوح من ملف وكيل دواء “أداليريل”، والأهم من ذلك هو الخطر القاتم الذي يحوم حول المرضى جراء هكذا تبديل مجحف ووضيع!
إننا أمام مواجهة صريحة: إما دولة تحمي مواطنها وتؤمن له الدواء ذا الجودة المضمونة، وإما وزارة “سموم” تفرض بدائل مشكوكًاً في أمرها إرضاءً لأحدهم. صرختنا اليوم مدعومة بالرقابة الدولية وبصوت المرضى الذين يصرخون بلا صدى لأصواتهم، ولن نتراجع حتى يعود دواء فعال وذو جودة عالية إلى متناول كل مريض، وحتى تسقط صفقات المقامرة بصحة البشر. كفانا أمراضًا وموتًا!




