Featuredأخبار محلية

الدولة تجبي ضريبة البنزين ولا تنفذ قرار الـ 6 رواتب للقطاع العام

رماح هاشم – “نداء الوطن”

في ظلّ مشهد داخلي مضطرب، يقف الموظف عند تقاطع أزمتين لا ترحمان: تصعيد أمني يهدد الاستقرار، وانهيار اقتصادي ينهش قدرته على الصمود. بين مطرقة الحرب وسندان الغلاء، لم يعد العمل وحده كافيًا لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم، فيما تتآكل الرواتب بوتيرة أسرع من أي محاولات للترميم.

مع الارتفاع المستمر في الأسعار، خصوصًا في المحروقات والسلع الأساسية، تتراجع القدرة الشرائية بشكل حاد، لتتحول الأجور إلى أرقام بلا قيمة فعلية. وفي غياب إجراءات فعالة تضبط السوق أو تحمي الدخل، يجد الموظف نفسه أمام معادلة قاسية: دخل ثابت يقابله إنفاق متصاعد بلا سقف.

ولا تقف التحديات عند حدود الغلاء، بل تتجاوزها إلى تهديد مباشر لمصدر الرزق نفسه، في ظل إقفال مؤسسات، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع احتمالات الصرف من العمل. وهكذا، يصبح الموظف عالقًا بين الخوف من فقدان وظيفته، والعجز عن تأمين متطلبات حياته اليومية.

أمام هذا الواقع المعقد، تتداخل العوامل الأمنية بالاقتصادية لتُنتج أزمة معيشية خانقة، تجعل أي معالجة جدية رهينة بالاستقرار أولًا. وبانتظار الحلول الكبرى، يبقى الموظف الحلقة الأضعف، يواجه يوميًا تحديات تتجاوز قدرته الفردية، وتستدعي تدخلًا عاجلًا يعيد بعض التوازن إلى حياته المهنية والمعيشية.

“ورشة عمل واسعة”

يوضح رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر لـ “نداء الوطن”، أن “مرحلة وقف إطلاق النار، في حال تثبيتها، يُفترض أن تُحدث تحولًا ملموسًا في المشهدين الاقتصادي والاجتماعي”، مشيرًا إلى أن “تثبيت هذا الوقف سيفتح الباب أمام إطلاق ورشة عمل واسعة لإعادة تأهيل المؤسسات المتضررة في الجنوب والبقاع والضاحية، سواء تلك التي تعرضت لدمار كلي أو جزئي، مع التركيز على معالجة أوضاع العاملين فيها”.

أولوية حماية العمال

يشدد الأسمر على أن “الأولوية في هذه المرحلة تكمن في ضمان استمرارية دفع الرواتب، ولو بشكل جزئي، تفاديًا لدفع العمال نحو البطالة والتشرد”، كما يؤكد “أهمية تمديد المهل المرتبطة بالرسوم والاشتراكات والغرامات، سواء للأفراد أو المؤسسات، لما لذلك من دور غير مباشر في التخفيف من الأعباء الاقتصادية”.

ويلفت إلى “وجود ملفات ملحّة في القطاعين العام والخاص، أبرزها عدم تنفيذ قرار “الرواتب الستة” في القطاع العام حتى الآن، رغم استيفاء الضريبة المفروضة على صفيحة البنزين”، مؤكدًا أن هذه المسألة ستُطرح مجددًا مع الجهات المعنية، إلى جانب ضرورة إعادة النظر بالحد الأدنى للأجور، وبدل النقل، والتعويضات العائلية، والمنح المدرسية”.

وفي سياق متصل، يحذر الأسمر من “تفلت الأسعار وارتفاعها المستمر، خصوصًا في ظل غياب الرقابة الفعالة، إضافة إلى تأثير الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، ما يزيد من حجم الضغوط المعيشية على المواطنين”.

الاستقرار الأمني: شرط إنقاذ الاقتصاد

يرى رئيس الاتحاد العمالي العام أن “تعقيد الأوضاع الحالية يرتبط بشكل مباشر بالتطورات العسكرية”، معتبرًا أن “أي حل سياسي أو أمني من شأنه أن يساهم في مقاربة الأزمات الاقتصادية بطريقة أكثر واقعية وإنتاجية”. ويؤكد أن “لا مفر من معالجة شاملة للوضع الاقتصادي، تتضمّن زيادات مدروسة للأجور في القطاعين العام والخاص”.

كما يتطرق الأسمر إلى المؤسسات التي لم تتعرض للقصف المباشر لكنها تضررت اقتصاديًا، مشيرًا إلى “تراجع نشاطها بنسبة تصل إلى 60 %، ما دفع الاتحاد إلى المطالبة بحلول تضمن استمرارية الدفع الجزئي للرواتب، وقد لاقت هذه المبادرة تجاوبًا من عدد من المؤسسات. إلا أن المشكلة الأكبر تبقى في إقفال العديد من الفروع في مناطق مختلفة”.

يختم الأسمر بالتأكيد أن “كل الحلول تبقى رهينة الاستقرار الأمني”، معربًا عن “أمله في أن يتحول وقف إطلاق النار الموقت إلى دائم، بما يسمح بإعادة تفعيل الحوار مع الدولة وأصحاب العمل”. ويشدد على أن “غياب الاستقرار يعطل الدورة الاقتصادية بالكامل، بما في ذلك تحصيل الضرائب والرسوم، ما يستدعي إطلاق حوار وطني اقتصادي شامل فور استتباب الوضع الأمني”.

أما في حال استمرار الحرب، فيرى أن “المعالجات ستبقى محدودة وموضعية، عبر اللجوء إلى حلول مرحلية كالدفع الجزئي للرواتب بدل توقفها كليًا، بهدف تجنيب الموظفين تداعيات كارثية”، مؤكدًا أن أي “معالجة جدية تبقى مرهونة أولًا وأخيرًا بتحقيق الاستقرار الأمني”.

في المحصلة، لا يمكن فصل الأزمة المعيشية عن واقعها الأمني، ولا معالجة تداعياتها بمنطق المسكنات أو الحلول الموقتة. فاستمرار تآكل الأجور وغياب الضوابط الفعلية للأسعار، بالتوازي مع خطر فقدان الوظائف، يضعان شريحة واسعة من العاملين أمام واقع غير قابل للاستدامة. من هنا، تصبح المعالجة الشاملة ضرورة ملحّة، تبدأ بتثبيت الاستقرار، وتستكمل بخطوات إصلاحية جدية تعيد التوازن بين الدخل وكلفة المعيشة، وتضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.

أما المراوحة أو تأجيل القرارات، فلن يؤديا إلا إلى تعميق الفجوة وتسريع الانهيار على حساب الفئات الأكثر هشاشة. المطلوب اليوم ليس فقط احتواء الأزمة، بل وضع مسار واضح للخروج منها، قائم على شراكة حقيقية بين الدولة وأصحاب العمل، وإرادة سياسية تترجم بإجراءات ملموسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى