أخبار محلية

الرّياض تضبط فوضى ترامب في لبنان

جوزفين ديب – اساس ميديا
بين مفاوضات واشنطن والميدان في الجنوب فرق شاسع. يبدو وكأنّهما عنوانان مستقلّان تماماً، ويبدو أنّ ما في واشنطن سيبقى فيها، وما في الجنوب يرسمه الجانب الإسرائيليّ فقط. تأتي هذه الاندفاعة الأميركيّة في الوقت الضائع بين جولات المفاوضات في إسلام آباد. هناك الحديث الأهمّ. ومع استعجال واشنطن لاتّفاق بين لبنان وإسرائيل لا يُبنى على أساسات ثابتة، يأتي الحراك السعوديّ ليوقف هذا الاستعجال، ويقول إنّه لا اتّفاق سلام مع إسرائيل، وإنّه لا لقاء بين جوزف عون وبنيامين نتنياهو، والأهمّ أنّ الاستعجال في طبخة واشنطن لن يؤدّي إلّا إلى زعزعة الاستقرار الداخليّ اللبنانيّ، وهذا ما بدأ يتحصّن بفعل عمل سعوديّ كبير بالتنسيق مع طهران. وهنا لبّ القصيد.

كان صادماً مشهدُ المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة على طاولة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. تلقّى بعض الداخل الصدمة بإيجابيّة، والبعض الآخر تلقّاها بغضب. بغضّ النظر عن الموقف السياسيّ، يبقى فريق ثالث تلقّى الصورة بحذر وخوف وقلق، لأنّ الاستعجال في فرض مسار السلام في لبنان لن يؤدّي إلّا إلى حروب داخليّة كما أثبتت لنا تجارب التاريخ الحديث.

عبث في واشنطن وحذر في تل أبيب

في واشنطن هوّة كبيرة بين الرئيس الأميركيّ وإدارته وبين الإدارة الثابتة في كلّ العهود. على الرغم من حملة الطرد الجماعيّ التي قام بها ترامب في عهده، لا تزال الإدارة تتمتّع بالحدّ الأدنى من الواقعيّة، ولا ترسم خطواتها بناءً على ما يشبه العبث.

أمّا في تل أبيب فتبدو السلطة هناك أقرب إلى مسايرة ترامب في مغامرته المسلّية هذه في الوقت الضائع بانتظار إيران لأنّ تل أبيب نفسها لا ترى في مفاوضات واشنطن مقوّمات النجاح الكافية لبناء اتّفاق متين يحقّق السلام والاستقرار في عشرات السنين المقبلة.

وفق المصادر الدبلوماسيّة الأميركيّة، لا تعوِّل الإدارة نفسها على ما يقوم به ترامب في الملفّ اللبنانيّ، وذلك بناءً على قناعة بأنّ لبنان لا يزال أضعف من أن يتفاوض مع إسرائيل على شروطها، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه. تتحدّث المصادر عن أنّ السلطة اللبنانيّة التي فشلت في الأشهر الأولى من العهد في جنوب الليطاني وفي كلّ لبنان، لا يمكن أن تكون نفسها السلطة التي يمكنها الالتزام وتنفيذ أيّ اتّفاق أمنيّ مقبل مع إسرائيل. بالتالي يصبح ضعف الدولة وانقسامها على طاولة واشنطن أيَّ مفاوضات معها غير ذات جدوى.

تغيير في مقاربة واشنطن

في خطوة تعكس تبدّلاً في مقاربة واشنطن للملفّ اللبنانيّ، تتداول أوساط تشريعيّة أميركيّة مبادرةً قانونيّة تهدف إلى نقل دعم لبنان من إطار المساعدات الظرفيّة إلى صيغة أكثر استدامة وانتظاماً. تقوم الفكرة على رصد مخصّصات ماليّة سنويّة ثابتة لتعزيز قدرات مؤسّسات الدولة، لا سيما الأمنيّة منها.

يأتي هذا التوجّه في سياق حراك دبلوماسيّ نشط بين بيروت وعدد من أعضاء مجلس الشيوخ بعد تقدُّم طرح داخل الكونغرس يعتبر أنّ تثبيت سيادة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها يرتبط بشكل مباشر بتمكين مؤسّساتها الرسميّة وتحصينها. لا يزال هذا المشروع في مراحله الأوّليّة، وقد يستغرق مساره التشريعيّ أشهراً قبل أن يبصر النور. إلّا أنّ إقراره، في حال تمّ، من شأنه أن يشكّل نقلة نوعيّة في طبيعة الدعم الدوليّ للبنان عبر توفير تمويل مستقرّ وطويل الأمد للجيش والقوى الأمنيّة، بما يفوق من حيث الحجم والاستمراريّة ما اعتادته بيروت في السنوات السابقة، فيصبح لبنان مشابهاً للأردن ومصر في العلاقة الثنائيّة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة.

لكن إلى ذلك الحين يبقى دخول البيت الأبيض على الملفّ اللبنانيّ بهذا الشكل عاملاً ربما يفاقم الفوضى في الملفّ لا الاستقرار.

معالجة سعوديّة وتحصين السّاحة الداخليّة

ليس اتّصال وزير الخارجيّة السعوديّ فيصل بن فرحان بالرئيس نبيه برّي تفصيلاً في هذا التوقيت. بل أتت زيارة الأمير يزيد بن فرحان للبنان تزامناً مع هذه المفاوضات لفرملة الاندفاعة اللبنانيّة فيها ضمن ثوابت عربيّة واضحة. لبنان لا يمكنه التفرّد بمسار تفاوضيّ منفصل عن السياق العربيّ. التنسيق السعوديّ الإيرانيّ في الملفّ اللبنانيّ ثابت في عنوان العلاقة مع إسرائيل. سبق أن اجتمعت إيران مع الدول العربيّة والإسلاميّة وشاركت في إقرار بيان ترسيم العلاقة مع إسرائيل، ولو أنّها تحفّظت على حلّ الدولتين.

انطلاقاً من هنا، تتحدّث معلومات عن أثر سعوديّ جدّي في تهدئة الخطاب السياسيّ الداخليّ تُرجم في البيان الصادر عن اجتماع نوّاب بيروت، وتُرجم في وصول رسائل من “الحزب” وبرّي بعدم العبث في الأمن الداخليّ في البلاد، لا سيما أنّ الرياض تعتبر موقع رئاسة الحكومة خطّاً أحمر من غير المقبول التعدّي عليه.

بين العمل السعوديّ الدبلوماسيّ على تنسيق العلاقة بين الرئاسات الثلاث وتفعيلها، وبين الاتّكال على الرئيس برّي في المرحلة المقبلة، إلى حدّ مطالبة الطرف السعودي من طهران إعلان اعتماد برّي مفاوضاً وحيداً للثنائي الشيعي خاصة أنّ الأولويّة العربيّة هي للحوار الداخليّ والتفاهم قبل الدخول في أيّ مسار تفاوضيّ مع إسرائيل.

المقاربة اللبنانيّة بين واشنطن والرياض مستقلّة عن حساب إسرائيل و”الحزب”. سينعكس انتهاء التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ حكماً على “الحزب” ويعطيه الضوء الأخضر للبدء بالحوار الداخليّ في شأن السلاح وكيفيّة حصره بيد الدولة اللبنانيّة. بانتظار انتهاء مسار إسلام آباد واستعداد “الحزب” للتخلّي عن السلاح، ستبقى الأحداث فارغة من مضامينها المفترَضة، وستبقى الرعاية السعوديّة للاستقرار الداخليّ قائمة كي لا يدخل لبنان في متاهة العبث الكامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى