أخبار محلية

الإسلاميون السجناء والعدالة: من وصمة “الإرهاب” إلى العفو؟

فرح منصور- “المدن”

لم يكن قلب النزيل الموقوف في سجن رومية حسين الرمال (37 عامًا) مجرد عضلةٍ توقفت عن النبض فجأة يوم الأربعاء، داخل زنزانته، بل كان خزان “قهر” انفجر بعد 22 شهرًا من التوقيف في قضية “شيك بلا رصيد”.

رحل الأب لأربعة أطفال قبل أن تصله سيارة الإسعاف، تاركًا خلفه وصية شفهية مأساوية ينقلها عنه أحد المُحامين لـ”المدن”: “أنا إذا ما مشي العفو العام رح موت من القهر”.

بموته، لم يعد العفو العام مجرد مطلب حقوقي لتخفيف الاكتظاظ في السجون، بل تحول بالنسبة إلى كثيرين إلى ضرورة أخلاقية وقنبلة موقوتة تهدد بانفجار السجون التي باتت “مقابر للأحياء” بكل ما للكلمة من معنى.

لكن مأساة الرمال ليست إلا وجهًا واحدًا لقضية مثقلة بالقهر والسياسة، فخلف قضبان “رومية” وحدود الغربة، يبرزُ ملف الموقوفين والمحكومين الإسلاميين كعقدة لا تكتمل خريطة العفو من دونها. هؤلاء الذين يقولون إنهم دفعوا ثمن خياراتهم السياسية، يجدون أنفسهم اليوم في مفارقة تاريخية، فبينما يقبع جزء منهم موقوفًا أو محكومًا في السجون اللبنانية، يتواجد آخرون في الداخل السوري وتركيا بعد أن انخرطوا في نصرة الثورة السورية.

اليوم، وبعد أكثر من عامٍ ونصف على التحولات الكبرى، وانتصار الثورة على نظام بشار الأسد، يطرح السؤال نفسه بحدة: هل يجرؤ لبنان على طي صفحة “الأحكام السياسية” لمرحلة ولّت، أم سيبقى العفو العام رهينة التوازنات الطائفية بانتظار “حسين رمال” آخر؟

تنكب اللجان المعنية في مجلس النواب اللبناني، من “إدارة وعدل، ودفاع، ومالٍ موازنة” على دراسة مشروع قانون العفو العام الذي قدمه نائب رئيس مجلس النواب إلياس أبو صعب، قبل أن يُحال إلى الهيئة العامة لإقراره في حال ذُللت القضايا العالقة، وأبرزها: ملف اللبنانيين الفارين إلى إسرائيل بعد التحرير عام 2000، وتجار المُخدرات ومروجيها، وبالطبع ملف الإسلاميين، والذي يُعد الأكثر حساسية بسبب ربطه بقضايا “الإرهاب” و”قتال الجيش”.

الملف عينه، تحول إلى ما يشبه “القنبلة الموقوتة” في جلسة اللجان الأخيرة قبل يومين، وتحول إلى ما يصح وصفه بـ”النزاع” بين بعض النواب ووزير الدفاع. وأدى -حسب مصادر “المدن”- إلى تأجيل عقد جلسة اللجان التي كان من المزمع عقدها أمس الأربعاء، في محاولة لتذليل العقبات ومنع تجدد “الاشتباك الكلامي” تحت قبة البرلمان. وفي الإطار نفسه، تقول المصادر النيابية إن لجنة مصغرة من النواب شُكلت من أجل التباحث في نقاط الخلاف قبل انعقاد اجتماع اللجان الاثنين المقبل.

عراقيل سياسية

في تصريحٍ لـ”المدن” يقول المحامي محمد صبلوح، وهو وكيل الشيخ أحمد الأسير وعدد من الموقوفين الإسلاميين، إنّ هناك عراقيل سياسية من بعض الكتل النيابية، تهدف إلى منع العفو عن الإسلاميين. لكنه يؤكد في الوقت عينه أن العديد من الكتل النيابية تبدي تعاونًا في هذه القضية.

يكشف صبلوح أن الخلاف داخل اللجان يتركز على ملفات المحكومين بالإعدام أو السجن المؤبد. ما يطرح في هذا الإطار هو ما يُعرف قانونًا بالـ”الإدغام بالأشد”، أي جمع الملفات والأحكام بحكم واحد للموقوفين والمحكومين بأكثر من ملف أو قضية. كما هناك مطالبات بإخلاء سبيل الموقوفين الذي مضى على وجودهم في السجن 12 عامًا، على أن يتابعوا المحاكمات خارج السجن.

كذلك تنحصر المسائل الخلافية في تحديد السنة السجنية، بإبقائها 9 أشهر، أو تخفيضها 6 أشهر لمرة واحدةٍ. وكذلك تعريف الإرهاب والمحكومين بهذه القضايا، من مُنطلق احتمال أن يكون كثير من المحكومين في لبنان وخارجه، أو الموقوفين، قد خضعوا لاتهامات سياسية.

حسب مصادر “المدن”، فإن عدد المحكومين والموقوفين الإسلاميين في السجون اللبنانية يبلغ 146 شخصًا منهم 92 لبنانيًا، و53 محكومًا بالسجن المؤبد، و19 بالإعدام، بينما عدد الموقوفين والمحكومين في قضايا ترويج المخدرات أكثر من 2200 شخص.

صفحة جديدة؟

يقول إمام مسجد التقوى في طرابلس، الشيخ سالم الرافعي، لـ”المدن”، إن اللقاء الذي عُقد في دارته يوم الأحد الماضي جمع نوابًا من مختلف الانتماءات السياسية والطائفية، والهدف منه كان رفع الصوت وإنصاف المظلومين. كما أن ظروف السجون التي تفتقر إلى أدنى معايير الرعاية الصحية والتغذية، ناهيك عن الاكتظاظ غير المسبوق وغياب الاستقرار السياسي في البلاد في ظل الحرب، ينبغي أن تدفع المعنيين إلى تقدير الظروف وإقرار العفو العام من دون تجزئة وتمييز.

كما يعتبر أن العفو ينبغي أن يشمل الموقوفين والمحكومين الإسلاميين في لبنان أو خارجه، وتحديدًا الذين ناصروا الثورة السورية وما زالوا ضمن الأراضي السورية، خصوصًا أن اللبنانيين الذين دخلوا إلى إسرائيل يواجهون من الناحية القانونية اتهامات أصعب من الإسلاميين في لبنان وخارجه. لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن العفو ينبغي ان يكون صفحة جديدة يستفيد منها الجميع.

مرحلة جديدة للقضاء

يتابع صبلوح في حديثه مع “المدن”، إن معظم الإسلاميين الموقوفين في السجون اللبنانية أو المحكومين الموجودين في سوريا أو تركيا، كانوا عرضة لمحاكمات وتوقيفات سياسية في المحكمة العسكرية. وقد تعرض الموقوفون، بحسب قوله، للضرب والتعذيب والمحاكمات بغياب الأدلة، وخضعوا لمحاكمات غير عادلة بسبب نفوذ النظام السوري السابق وحلفائه في القضاء والأجهزة الأمنية.

يقرأ صبلوح في قرار محكمة جنايات بيروت في تبرئة موكله الأسير والفنان فضل شاكر إشارةً إيجابية إلى أن القضاء تحرر، ويدعو إلى إعادة محاكمة الإسلاميين المقيمين في لبنان وخارجه، خصوصًا في مرحلة ما بين 2013 و2017 وهي مرحلة الذروة في الثورة السورية ضد بشار الأسد.

يتطرق صبلوح في حديثه إلى اللبنانيين المحكومين الموجودين في سوريا وتركيا. وهؤلاء هم الذين قاتلوا إلى جانب فصائل المعارضة السورية، وأعدادهم ليست كبيرة. يقول لـ”المدن” إن هؤلاء لم يثبت على أي أحد منهم القتال ضد الجيش اللبناني، فهؤلاء أساسًا قاتلوا في سوريا، وهم يطالبون اليوم بالعدالة بملفاتهم، ويُمكن إيجاد المخارج القانونية لهم تحت عنوان “مرور الزمن”. خصوصًا أن السجون اليوم تضم أكثر من 8900 سجينٍ، وتعاني من اكتظاظ، فكيف يُمكن أن يُسلم هؤلاء أنفسهم في ظل محاكماتٍ سياسية وسجون مكتظة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى