“كِلّن يعني كِلّن!” هكذا يُقرأ مفهوم العفو العام في لبنان

لا شيء خاصاً في لبنان، والمكتوب يُقرأ من العنوان ويلخّص المشهد. كلّن يعني كلّن. هذا هو مفهوم العفو العام في لبنان، أو بالأحرى هذا هو مفهوم «الدولة العميقة» للعفو العام. فيما تفيد المعلومات بأنّ أي محاولة لفرض عفو شامل بالقوّة السياسية قد تُواجَه بتحرُّك شعبي من مناصري الجيش وذوي الشهداء، بالإضافة إلى احتمال كبير لاعتراض رئيس الجمهورية جوزاف عون وردّه لقانون العفو، إذا استشعر أنّه لم يُنصِف دماء عناصر الجيش الذي يعتبره خطاً أحمر.
يتفرَّج اللبنانيّون على مسرحية لا نهاية لها، وهي مستمرة في لبنان منذ سنوات، تتمحور حول موضوعَين أساسيَّين لا ثالث لهما، ألا وهما الخاص والعام. فاللبنانيّون يتوجّسون من كل ما هو «خاص»، واثقين من أنّه سيتحوَّل حُكماً إلى مشروع عام على قاعدة «6 و6 مكرّر». فلا مشاريع خاصة ولا قوانين خاصة في لبنان بل مشاريع عامة وقانون عام يسري على الجميع.
وعليه، فإنّ قانون العفو العام المطروح على نار حامية لن يُبصِر النور إذا لم يَخلَص إلى تسوية ترضي السُنّة والشيعة والمسيحيِّين. والدليل ما شهدناه من سجالات في اللجان النيابية.
وفيما يعترض البعض على الاستثناءات التي تشمل الموقوفين الإسلاميِّين المتَهمين بقتل العسكريِّين، لاسيّما بعد الاتفاقية اللبنانية- السورية التي خلُصت إلى الإفراج عن الموقوفين السوريِّين، والتي شملت أيضاً المحكومين بقتل عسكريِّين لبنانيِّين! يتساءل هؤلاء، كيف يُفرَج عن الموقوفين السوريِّين فيما يبقى الموقوفون الإسلاميِّون اللبنانيِّون في السجون المكتظة؟! في وقت ترى أوساط حقوقية متابعة، أنّ غالبية الموقوفين الإسلاميِّين ليسوا حقيقة مجرمين ولا إرهابيِّين ولا يد لهم في قتل عناصر الجيش اللبناني، بل هم ضحايا مرحلة سياسية وأمنية خالفت نظام الأسد و«حزب الله»، كاشفةً أنّ من بين هؤلاء 83% فُنِيت أعمارهم في السجون، ولا يزالون موقوفين ولم يخضعوا لمحاكمات، بسبب قبضة «الدولة العميقة» على مفاصل الدولة والقضاء.
في الموازاة، يرجّح المتابعون أن يتحوَّل العفو إلى صفقة عامة جديدة، ترضي كافة القوّة النافذة، سُنّة شيعة ومسيحيّين، فيُفرَج عن تجار المخدِّرات والإرهابيين والعملاء «المفترضين» المبعَدين قسراً إلى إسرائيل، لإرضاء التوازنات السياسية والطائفية…
من جهة أخرى، تتخوَّف مصادر قضائية من أن يتحوَّل الملف إلى بازار بين الكتل، والمساواة بين العميل وتاجر المخدِّرات والإرهابي، لأنّ الجرم بين هؤلاء متفاوت إلى حدٍّ كبير… إذ بحسب تلك المصادر، لا يمكن وضع جرم الإرهابي الذي قتل أو ساعد على قتل عناصر من الجيش، في نفس خانة مَن اضطر إلى اللجوء إلى إسرائيل مبعداً قسراً، وهو عمليّاً لم يرتكب جرماً جزائياً!
قانون العفو يُفقد مصداقية لبنان دولياً ويخسّره مرتبته القضائية
مصدر وزاري معارض لقانون العفو بالمبدأ يقول لـ«الجمهورية»، إنّ لبنان ومن خلال إصدار قانون العفو، يخسر تدريجياً مصداقية دولية بسبب اعتماده دورياً، أي كل أربع أو خمس سنوات، قوانين عفو لأسباب سياسية! بالإضافة إلى خسارة لبنان مرتبته القضائية في العالم. كما لفت المصدر نفسه إلى خطورة اتكال المواطن اللبناني على قانون العفو لإرتكاب الجرم، مُقِرّاً أنّ المعنيِّين في إتمام هكذا قانون يمكنهم تسويته كما يناسبهم! إنّما هم يدركون بالمقابل، أنّه يمكنهم الإستناد إلى صيغة قضائية أخرى لإتمام الإفراج، من دون اللجوء إلى إصدار قانون عفو عام! موضّحاً أنّ القاضي يملك حقَّيْن وحدَّيْن من الأحكام، الحدّ المرتفع والحدّ المنخفض. مشيراً إلى أنّ أحكام القضاة في لبنان بأغلبيتها منخفضة، بالإضافة إلى إمكانية استفادة القضاة أيضاً من الأسباب التخفيفية وتقليص السنة السجنية واللجوء إلى «لجنة تخفيض العقوبات» التي تمكِّنهم من عدم التقيُّد بالمهل والإفراج عن الموقوف في أي وقت إذا كانت سلوكه حسنة… وتفادي إصدار قوانين عفو تخسّر لبنان مرتبته القضائية أكثر ممّا هي منخفضة!
أبرز الخلافات.. الاستثناءات
تجدر الإشارة إلى اتجاه لشطب المادة 316 إرضاء للفريق السنّي، إلّا أنّه بحسب مصادر قضائية مطلعة، إنّ الاستثناءات الوحيدة الممكنة هي الجرائم المحوَّلة على المجلس العدلي وجرائم القتل التي لم تستحصل على قرار إسقاط حق شخصي. إذاً لا يمكن لأي صيغة «قانون عفو» أن تمرّ من دون الإسقاط الشخصي من أهالي شهداء الجيش، وهي العقدة الأساسية، فإذا لم يحصل ذلك، فإنّ تمرير العفو سيصبح شديد الصعوبة، ما لم تُنتَج تسوية سياسية أو قانونية تُراعي دماء الشهداء.
مرلين وهبة – الجمهورية




