“إذا لم يعجبكم الأمر … فهاجروا”

نداء الوطن – د. جوسلين البستاني
إضافة إلى تفعيل “حزب الله” لمجموعات منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي، تهدف إلى شن حملات تخوين وتهديد وشتم ضد كل من يشكك بجدوى استمرار الحرب، تبرز حملة موازية يعمل من خلالها على إعادة كتابة التاريخ. ونظرا لكون هذه الحملة تتزامن مع فترات من النزوح الجماعي لبيئته، يمكن وصفها بأنها أداة سياسية استباقية تهدف إلى تطبيع التحولات المستقبلية في البنية الجغرافية والديموغرافية المستهدفة، بما يجعلها أمرا واقعا لا رجعة فيه.
بالفعل، تم توثيق نمط منهجي من التحريض الإلكتروني في الأسابيع التي أعقبت تهجير المجتمعات الشيعية، تجلى عبر مجموعات “فايسبوك”، ومنشورات “إكس”، وقنوات “تلغرام”، ومقاطع “تيك توك”، والنقاشات على “يوتيوب”. وقد استهدفت هذه المواد المناطق المضيفة، وهددت سكانها، واستحضرت مزاعم تاريخية لتبرير ما يرقى إلى الترهيب النفسي، من قبيل: “إذا لم يعجبكم الأمر، فهاجروا” أو “سنستعيد كسروان”.
فعندما يطالب ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مرتبطون بـ”حزب الله” وحركة “أمل” إحدى الطوائف بالهجرة، أو يهددون بـ”استعادة” مناطقها، فهم لا ينخرطون في مراجعة تاريخية أو في نقاش أكاديمي يتزامن مع الانتكاسات العسكرية التي مني بها “حزب الله”، بل يروجون لرواية تعويض جغرافي.
بالتأكيد، إن هذه المغالطة المنطقية القائمة على مرتكز خاطئ لا تحتاج إلى دحض. الواضح أن “التاريخ الزائف” يوفر المبرر الأيديولوجي، فيما توفر الأسلحة آلية التنفيذ، وتؤدي منشورات وسائل التواصل الاجتماعي دور وسيلة نقل هذه الرسائل وتعميمها.
هذا ليس سلوك الشركاء، بل سلوك المحتلين.
وحين يفقد “حزب الله” أراضيه وخطابه في آنٍ واحد، نراه يتجه نحو “مكانٍ آخر”. فيتبنى سردية تعويضية ذات بعد مناطقي، في محاولة لإعادة رسم الخريطة الرمزية للبنان، في اللحظة نفسها التي انقلبت فيها الخريطة الميدانية ضده. ووفقا لهذا المنطق: إذا لم نتمكن من الاحتفاظ بالجنوب، فلنطالب بمناطق الطوائف الأخرى. وإذا تحولت قرانا إلى أنقاض، فلنعلن أن قرى هذه الطوائف كانت ملكا لنا منذ البداية.
ويزداد هذا المسار خطورة حين يقترن بسرديات تقوم على المظلومية الجماعية والشعور بالاستهداف. فبعد الحرب الأخيرة، تبنت أجزاء من البيئة الشيعية خطاب “الطائفة المجروحة”، مع التركيز على الدمار والتضحيات والشعور بالتخلي. وهنا تكمن الخطورة في الانتقال من فكرة: “لقد عانينا”، إلى فكرة: “لذلك يجب أن يبقى وضعنا الاستثنائي خارج أي نقاش”. عند هذه النقطة، يتحول التاريخ من مجال للذاكرة إلى أداة لإعادة تشكيل النظام السياسي.
إنها حرب السرديات في أبسط صورها، وهي تخاض عبر منصات التواصل الاجتماعي وكتب التاريخ الزائفة التي تتوافق خلاصاتها مع الاحتياجات السياسية لـ”حزب الله”.
وحروب السرديات لا تعلن عن نفسها بوضوح، بل غالبا ما تأتي بصيغة مشفرة وغير مباشرة، مستخدمة مفردات مثل “الحقوق”، و”الواقع الديموغرافي”، و”التوازن التاريخي”، أو “التحولات الحتمية”. فتتشكل من خلال تكرار الحديث عن “وقائع جديدة”، إضافة إلى الإيحاء بأن التحولات الديموغرافية أصبحت أمرا لا رجعة فيه، وبالتالي، الاستخفاف بالمجتمعات التي تعبر عن قلقها من النزوح. وصولا إلى الادعاءات التاريخية التي تصور بعض المناطق وكأنها أراض تنتظر “إستعادتها”.
فالتأثير الاستراتيجي هنا لا يصنعه منشور واحد، بل التقاء مئات الشظايا الرقمية من صور ومقاطع تيك توك ورسائل تلغرام وتعليقات ومنشورات تحريضية، تعيد إنتاج الخيال السياسي نفسه باستمرار.
أما الصمت الذي قوبلت به معظم هذه التهديدات من الطبقة السياسية اللبنانية، فليس حيادا بقدر ما هو مؤشر على مدى نجاح هذا الترهيب. وللصمت ثمنه؛ فكلما مرت ادعاءات “تاريخية زائفة” من دون منازعة، ازدادت رسوخا واكتسبت قدرا أكبر من المصداقية.
إن تسمية هذه المراجعة التاريخية باسمها، وتحديدها بوصفها حرب سرديات، ورفض منح الدراسات الزائفة صفة المشاركة الجادة، ليس موقفا طائفيا، بقدر ما هو الحد الأدنى من متطلبات النزاهة الفكرية في بلد يضيق فيه الوقت أمام قدرته على الصدق مع نفسه.
لقد نجا لبنان من الغزوات الخارجية، والحروب الأهلية، والانهيار الاقتصادي، والاغتيالات السياسية. غير أن ما قد لا ينجو منه هو المحو الهادئ والمنهجي لشرعية مجتمعاته التاريخية، وهو محو لا يتم بالقنابل، بل عبر الكتب والخوارزميات.
أما التلميح المتكرر إلى أن المعترضين عليهم “أن يرحلوا” أو “يهاجروا”، فيحمل دلالة بالغة الخطورة، لأنه يحول الخلاف السياسي إلى إزاحة حضارية، ويفترض أن مقاومة الضغط الديموغرافي عبثية، لأن المستقبل قد حسم مسبقا.
وبذلك لا تعامل المجتمعات المستهدفة كأطراف سياسية متساوية تدافع عن خصوصيتها المحلية، بل كعوائق تعترض مسارا يقدم بوصفه “تصحيحا تاريخيا” حتميا لا يمكن وقفه.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بمجرد غضب طائفي عابر أو اختلاف في قراءة التاريخ، بل بصراع يعاد فيه إنتاج الماضي بوصفه أداة سيطرة رمزية على الحاضر. إنها حرب سرديات مفتوحة، لا تدور حول ما كان، بل حول من يملك حق تعريف ما كان، وبالتالي من يملك حق تحديد ما يجب أن يكون.
إن كسروان لم تؤخذ من أحد، ولن تعطى لأحد.




