أخبار محلية

الضابط “الوهمي”: هل من علاقة ودور للسفارة العراقية؟

في الشكل، ثمة “أبو عمر” جديد في قبضة الأجهزة الأمنية اللبنانية: شيعي عراقي الجنسية يُدعى طارق علي محمد النصراوي يختلف عن السني مصطفى الحسيان، الموقوف، الذي زعم أنه ضابط أمني في الديوان الملكي السعودي. أما في المضمون، فثمة خصائص مختلفة. فالتحقيقات الجارية لم تثبت حتى اللحظة أن “العقيد” طارق النصراوي كان يقود مشروع “نصبة” بالمعنى الحرفي أو التقليدي كما جرى في النسخة الأولى، لكن معظم المؤشرات والشكوك تتقاطع عند احتمال أننا أمام نسخة مكررة من مشروع اختراق أمني ذي توظيف استخباراتي وربما سياسي.

نزاع عراقي- عراقي

نسخة “أبو عمر” الأولى؛ أي الضابط الأمني السعودي المزعوم الذي جسده اللبناني مصطفى الحسيان، كانت عبارة عن لعبة أمنية – استخباراتية جرى تشكيلها وتوظيفها وتنشيطها وإيقاع مسؤولين لبنانيين بها، تحت مساعدة ورعاية أمنية وسياسية عربية خارجية وفي توقيت حساس. كذلك تبدو حالة طارق النصراوي “العقيد العراقي الوهمي”، التي كُشفت أيضاً في لحظة انتقال سياسي وفي لحظة سياسية أمنية تطبع العراق والمنطقة، وتأتي ضمن سياق إنتقالي عراقي داخلي، وفي لحظة تقاطع أمني لبناني – عراقي، بطابع يحمل كل عناصر النزاع الأمني – الأمني. والمعهود، أن الانتقالات السياسية في العراق تترافق دائما مع خضات أمنية وسياسية، ومؤخراً بات لبنان يتأثر فيها نوعا ما.

دور السفارة العراقية

المعطيات المسرّبة تفيد بأن السفارة العراقية في بيروت هي التي اكتشفت هذه الحالة، وقدمت ملفها إلى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، واضعةً بين يديها مؤشرات عميقة حول وجود علاقة تربط بين “منتحل صفة ضابط أمني عراقي” وعدد من ضباط المؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية، من بينهم من سهّل له عمله وتحركاته وربما “مهمته”. لكنها، في المقابل، لم تجب عن أسئلة مركزية: من هو طارق النصراوي فعلاً؟ كم مضى على وجوده في لبنان؟ والأهم، كيف تعرّف إلى هؤلاء الضباط، وما هي “كلمة السر” التي فتحت له الأبواب؟

بعيداً من التحقيقات الجارية لدى مديرية المخابرات مع الموقوف والضباط المتهمين بتسهيل مهمته، وبعيداً أيضاً عن السؤال المتعلق بسبب تولي مديرية المخابرات هذا التحقيق تحديداً، ثمة خيط رفيع لكنه أساسي، قد يوضح جانباً من شخصية النصراوي، وربما يجيب عن كثير من الأسئلة المطروحة.

الضابط طارق النصراوي

بحسب بعض من التقوا النصراوي أو عرفوه، فإنهم لمسوا فيه صفات الضابط المحترف عن قرب، سواء في شخصيته أو تصرفاته أو أدائه أو قدراته التقنية والكلامية. وفي لباسه أيضاً. لذلك، يصعب، برأيهم، على شخص لا يمتلك خلفية أمنية حقيقية أن ينتحل شخصية ضابط ويمارسها بهذا المستوى من الإتقان. ما يعني أننا قد نكون أمام ضابط فعلي لا وهمي، وهو ما تشير إليه أيضاً معلومات وصلت إلى “المدن”، تؤكد أن طارق علي النصراوي ضابط عراقي برتبة نقيب سابق خدم في السلك الأمني، قبل أن يتقدم باستقالته، ثم ينتقل إلى لبنان ويعمل في أكثر من مجال، آخرها وظيفة عامل توصيل “ديليفيري”.

يكاد يصعب الفصل بين الدور الذي أداه النصراوي، بوصفه “عقيداً في الجيش العراقي” و”ملحقاً أمنياً” في السفارة العراقية في بيروت، وبين تأكيد السفارة عدم معرفتها به أو بأي ضابط عراقي مستقيل موجود في لبنان دخل بصورة شرعية. وهي النقطة التي تحاول السفارة الاستناد إليها للفصل بين شخصية النصراوي والدولة العراقية الرسمية. إلا أن طبيعة القضية نفسها، وما رافقها من نشاط وتحركات، توحي بوجود “قطبة مخفية”، خصوصاً مع تداول معلومات في الأوساط السياسية والأمنية عن وجود ضابط عراقي حقيقي يشغل منصباً أمنياً في السفارة، يُدعى “ح.ر”، كان يتولى التواصل مع شخصيات سياسية وأمنية لتزكية طارق النصراوي بوصفه عقيداً عراقياً وملحقاً أمنياً في بيروت.

وهنا تبرز أسئلة إضافية: ما طبيعة العلاقة بين “ح.ر” والنصراوي؟ وهل أدى الأخير أدواراً لمصلحة هذا الضابط؟ وما طبيعة تلك الأدوار؟ والأهم، هل نحن أمام انعكاس لنزاع أمني عراقي- عراقي انفجر داخل السفارة في بيروت أو في بغداد، وكان من آثاره وانعكاساته أن بدأ فتح ملفات وأوراق، من بينها ورقة النصراوي؟

حقاً ضابط!

الضباط اللبنانيون الذين تعاملوا مع النصراوي أو سوّقوا له بوصفه ضابطاً عراقياً، بدوا مقتنعين سريعاً بأنه بالفعل مسؤول أمني عراقي. وهذا الاقتناع يصعب أن يترسخ من دون وجود شخصية عراقية رسمية وموثوقة قامت بتزكيته، ما سمح لضباط لبنانيين بالتعاون معه أو تقديم تسهيلات له. علماً أن التحقيقات الأولية، حتى الآن، لم تثبت تلقي هؤلاء أي مكاسب أو مساعدات مالية منه، أياً يكن شكلها، كما لم تثبت وجود عملية احتيال أو “نصبة” تقليدية خلف نشاطه، بل تكاد تصل إلى تقدير مفاده إن الملف “فارغ” ومختلف كثيراً من ملف الحسيان، ويغلب عليها الكثير من الخفة والرغبة في الظهور والتقاط الصور!

ما تؤكده التحقيقات، حتى اللحظة، أن النصراوي كان يكثر من تقديم وعود بخدمات يمكنه تأمينها من العراق، سواء لضباط أو مسؤولين أمنيين، وهو السبب الرئيسي لما قال إنه الهدف من طلب الزيارات والسبب في الموافقة عليها، وهو ما يعزز فرضية التوظيف الأمني المستتر خلف هذه الشخصية، وربما السياسي، للقضية، طالما يغيب عنها البعد المالي أو الاحتيالي المباشر.

الصدمة!

تنقل إحدى الشخصيات السياسية التي تعرّفت إلى النصراوي، أنه سهّل لها عام 2024 زيارة إلى بغداد، ونسّق لقاءات مع شخصيات أمنية وسياسية رفيعة، من بينها مدير المخابرات العامة العراقية ورئيس الوزراء العراقي. وتروي الشخصية تفاصيل كثيرة عن الزيارة، من المواكبة والاستقبال الأمني إلى الحفاوة السياسية التي أحاطت بها. بل تؤكد أن النصراوي كان له دور ما في تأمين ظروف الزيارة، بعد اتصال تلقته من الشخصية المدعوة من داخل السفارة العراقية، أعقبه لقاء مباشر مع النصراوي.

لذلك، تقول هذه الشخصية إنها أُصيبت بصدمة عندما انتشر خبر توقيف “ضابط عراقي وهمي” ينتحل صفة ملحق أمني في بيروت على شاكلة “أبو عمر”. فكيف لشخص “وهمي” أن ينجح في تنظيم زيارة بهذا المستوى لشخصية سياسية لبنانية، وأن يؤمن لها لقاءات مع هذا الحجم من المسؤولين العراقيين، إذا لم يكن يمتلك بالفعل شبكة علاقات نافذة، أو إذا لم يكن “مربوطاً” بجهات رسمية وأمنية حقيقية؟

عبد الله قمح – المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى