حصريّة السّلاح ليست ترفًا سياسيًّا!

نداء الوطن – ريتا بولس
إنّ أخطر ما في المقال الذي كتبه أحد قادة “حزب الله” في جريدة الأخبار، والمعنون “الدولة واحتكار الدفاع: نقد مفهوم حصرية السلاح” ليس أنه يناقش مفهوم الدولة، فهذا حقّ مشروع في أي نقاش فكري، بل أنه يحاول، تحت غطاء الفلسفة السياسية، إعادة تعريف الدولة بما يسمح بتبرير قيام سلطة مسلّحة موازية لها، ثم تصوير هذا الخلل البنيوي وكأنه حالة دفاعية مشروعة.
فالمقال ينطلق من مسلّمة ظاهرها فلسفي، مفادها أنّ احتكار الدولة للعنف ليس “حقيقة طبيعية” ولا “حكماً أخلاقياً مطلقاً”، بل نتاج تاريخي مرتبط بنشوء الدولة الحديثة، غير أنّ هذه المقدّمة تُستخدم للوصول إلى نتيجة سياسية خطيرة: وهي أنّ حصرية السلاح بيد الدولة ليست شرطاً لقيام الدولة، بل نتيجة لاكتمالها، وهنا يكمن جوهر التشويه.
ذلك أنّ الدولة، في معناها القانوني والدستوري، لا تقوم أولاً على الكمال، بل على وحدة السيادة. والسيادة لا تتجزأ، لا توجد دولة نصفها يحتكر القرار العام، ونصفها الآخر يحتكر قرار الحرب والسلم. ولا توجد دولة حقيقية إذا كان فيها جيش رسمي يخضع لمجلس الوزراء، وقوة مسلّحة أخرى تقرر منفردة متى تحارب، ومتى تفاوض، ومتى تجرّ البلاد إلى المواجهة، ثم تطلب من الدولة أن تتحمل النتائج.
الدستور اللبناني واضح في هذا المجال…
فلبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة، ورئيس الجمهورية هو رمز وحدة الوطن، والساهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، وهو يرأس المجلس الأعلى للدفاع، والقوات المسلحة تخضع لسلطة مجلس الوزراء، وهذه القاعدة ليست تفصيلاً إدارياً، بل هي جوهر العقد الدستوري اللبناني: قرار القوة، والدفاع، والحرب، والسلم، لا يكون خارج المؤسسات الشرعية.
أما القول إن الدولة العاجزة لا يحق لها أن تطلب حصرية السلاح، فهو قلب كامل لمنطق بناء الدولة. لأن علاج ضعف الدولة لا يكون بإدامة السلاح الموازي، بل بتقوية الدولة ومؤسساتها.
فإذا كانت الدولة ضعيفة، فإن وجود قوة مسلّحة مستقلة عنها لا يعالج ضعفها، بل يكرّسه، وإذا كانت الدولة عاجزة عن فرض سيادتها، فإن تكريس سلاح خارج سلطتها لا ينتج سيادة، بل ينتج وصاية داخلية على القرار الوطني.
الأخطر في المقال أنه يخلط عمداً بين حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وبين حق فئة حزبية منظّمة في احتكار قرار المقاومة والسلم والحرب.
فالمقاومة، عندما تكون وطنية فعلاً، لا تكون ملكاً لحزب، ولا لطائفة، ولا لمحور خارجي، بل يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية تقرّرها الدولة، وتخضع للمساءلة، وتلتزم بالمصلحة اللبنانية العليا، أما حين تصبح المقاومة مؤسسة حزبية مستقلة عن الدولة، لها قيادتها وتمويلها وسلاحها وتحالفاتها الإقليمية وقرارها العسكري الخاص، فهي لا تعود تعبيراً عن حق المجتمع في الدفاع، بل تتحول إلى سلطة أمر واقع فوق المجتمع والدولة معاً.
وما يغفله المقال أيضاً أن اتفاق الطائف، الذي أعاد تأسيس الشرعية اللبنانية بعد الحرب، لم يتعامل مع السلاح المتعدد بوصفه تنوعاً دفاعياً مشروعاً، بل نصّ على حلّ الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية ، كما أن القرار 1559 دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، وإلى بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وبالتالي فإن حصرية السلاح ليست شعاراً مستورداً ولا ترفاً غربياً، بل هي جزء من مسار إنهاء الحرب الأهلية واستعادة الدولة اللبنانية.
إنّ المقال يستحضر “هوبز وفيبر ولوك وروسو وماركس وفانون وفوكو”، لكنه يتجنب السؤال اللبناني البسيط: من يملك حق إلزام اللبنانيين بنتائج قرار عسكري لم يشاركوا في اتخاذه؟ من يملك حق تعريض الجنوب والبقاع والضاحية وكل لبنان للدمار، ثم الإدعاء أن ذلك دفاع عن المجتمع؟ ومن يقرر باسم اللبنانيين جميعاً، إذا كانت المؤسسات الدستورية مغيّبة أو ملحقة أو موضوعة أمام الأمر الواقع؟
الدولة لا تصبح صنماً عندما تطالب بحصرية السلاح. الدولة تصبح دولة عندما لا يكون فوقها سلاح، ولا إلى جانبها جيش، ولا خارجها قرار حرب. أما اعتبار حصرية السلاح ” نتيجة لا مقدّمة” فهو عملياً وصفة لإبقاء الدولة معلّقة إلى ما لا نهاية: لا تسلّموا السلاح لأن الدولة ضعيفة، وستبقى الدولة ضعيفة لأن السلاح لا يُسلَّم. إنها دائرة مغلقة هدفها إبقاء الاستثناء دائماً، وتحويل الموقت إلى نظام، وتحويل السلاح الخارج عن الدولة إلى قاعدة دستورية غير مكتوبة.
إنّ السيادة لا تُبنى بالتذرّع بعجز الدولة، بل بإنهاء أسباب عجزها.
والسيادة لا تُستعاد بتعدد الجيوش، بل بوحدة القرار.
والكرامة الوطنية لا تُحمى عندما تصبح الدولة شاهدة على قرار عسكري لا تملكه، بل عندما يعود كل قرار دفاعي إلى المؤسسات الدستورية الشرعية.
نعم، نريد دولة قادرة. ونعم، نريد جيشاً قوياً. ونعم، نريد استراتيجية دفاعية تحمي لبنان من أي عدوان. لكن كل ذلك لا يمكن أن يقوم على معادلة يكون فيها السلاح خارج الدولة، والقرار خارج مجلس الوزراء، والحرب خارج الإجماع الوطني، والكلفة على الشعب اللبناني كله.
فالمعادلة الصحيحة ليست: إما الدولة العاجزة وإما السلاح الموازي.
المعادلة الصحيحة هي: دولة واحدة، جيش واحد، قرار واحد، وسيادة واحدة.
وكل تنظير آخر، مهما تزيّن بالفلسفة، لا يغيّر الحقيقة الأساسية: لا دولة فعلية حيث يوجد سلاح يعلو على قرارها، ولا سيادة حقيقية حيث يملك حزب حق الحرب باسم وطن كامل.




