Featuredأخبار محلية

شيعة يبحثون عن مظلّة فاتيكانيّة…

نداء الوطن – طوني عطية

لم يعرف الجنوب عمومًا، والبيئة الشيعية خصوصًا، نكبةً بهذا الحجم. قرى وبلدات سُوّيت بالأرض، ولم تُدمَّر حجارتها وحدها، بل سُحقت معها ذاكرة الناس، وأحلامهم، ورائحة الأجداد العالقة في الحقول والبيادر. كهول وشيوخ اقتُلعوا من أرضهم، فيما كان أقصى أحلامهم أن يكملوا ما تبقّى من العمر في منازلهم، بين شتول التبغ وتحت ظلال الزيتون والسنديان والبلّوط التي شهدت أعمارهم. لكنهم وجدوا أنفسهم في مهبّ حرب لا يملكون القدرة على وقفها.

هي مغامرات فتحها “محور الممانعة” من دون شبكة حماية حقيقية للناس الذين يُقذف بهم من مواجهة إلى أخرى، ومن نزوح إلى آخر، فيما تبدو الحلول عبر “الثنائي” غائبة أو مقفلة. لم يعد “الحزب” قادرًا على استعادة زمام المبادرة، أو إعادة إنتاج معادلة ردع جديدة، إذ نجحت إسرائيل في تجريده من أوراق قوّته، وجعلت حتى ردوده العسكرية دون مستوى التأثير المطلوب. كما فرضت معادلاتها جنوب الليطاني وعلى جزء من شماله، عبر استراتيجية تقوم على التدمير الواسع للقرى وإفراغها من سكانها، من دون العودة إلى نموذج الاحتلال التقليدي، أو إقامة تمركزات ثابتة وحزام أمني واضح المعالم، كما كان الحال قبل عام 2000.

وفي ظلّ هذا السيناريو، فَقَدَ سلاحه الإستراتيجي القادر على قلب الموازين أو إعادة التوازن إلى الميدان. المسيّرات المفخخة التي يعتمدها اليوم قد تُحدث إرباكًا محدودًا، لكنها لا تكفي لتغيير المعادلة العسكرية أو وقف المسار التصعيدي الذي تفرضه إسرائيل على الأرض.

أمام هذا الواقع، بدأت تبرز في الآونة الأخيرة مؤشرات لافتة إلى تحرّك بعض الشخصيات الشيعية، المدنية والأهلية، في اتجاه البحث عن خيارات بديلة من الاتكال الحصري على “حزب الله” أو على بندقيته. فاللافت، وفق ما تكشفه مصادر أهلية وكنسية، أن شخصيات ومرجعيات شيعية محلية بدأت تسعى، عبر قنوات بلدية واجتماعية، وبوساطة فاعليات مسيحية جنوبية، إلى فتح أبواب تواصل غير مباشر مع السفارة البابوية، على أمل أن تشكّل الدبلوماسية الفاتيكانية مظلّة ضغط معنوية وسياسية على تل أبيب، بما يسهم في تحييد بعض المناطق، ولاسيما شمال الليطاني، عن دائرة التهجير والتدمير، في حال مضت إسرائيل في استراتيجيتها الحالية.

وتشير المصادر إلى أنّ هذه التحركات لا تزال في مستوياتها الأولى، أي إنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى المرجعيات الدينية أو السياسية العليا. غير أنها، بحسب المعطيات نفسها، تجري بعلم “الثنائي”، أو على الأقل تحت نظره، من دون منحها غطاءً علنيًا أو مباركة مباشرة. فإشهار هذا المسار قد يُقرأ بوصفه اعترافًا ضمنيًا بحجم المأزق الذي تعيشه “الممانعة”، وبأن جزءًا من بيئتها لم يعد يرى في سلاحها ونهجها ضمانة للحماية، أو طريقًا آمنًا للعودة إلى الجنوب.

وتكتسب هذه المحاولات دلالتها من قناعة بدأت تتكوّن لدى أوساط شيعية بأن الدبلوماسية البابوية خلال الحرب، بالتنسيق مع بكركي والشرعية اللبنانية، أسهمت في توفير حد أدنى من الحماية لعدد من القرى المسيحية والسنّية والدرزية، أو على الأقل، في تجنيبها سيناريوهات التهجير الواسع والتدمير المنهجي. صحيح أن العامل الأساسي في حماية تلك البلدات، يعود إلى أنها لم تشكّل حاضنة عسكرية أو أمنية أو سياسية لـ”حزب الله”، إلا أن دور السفير البابوي باولو بورجيا والمرجعيات الكنسية لم يكن تفصيليًا، بل شكّل عنصر ضغط ومتابعة وحضورًا دوليًا حال دون ترك هذه المناطق مكشوفة بالكامل أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الدولة اللبنانية حاولت، بالتنسيق مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، تحييد منطقة جزين عن دائرة الاستهداف، عبر تمكين الجيش من فرض سيطرته الفعلية هناك، تفاديًا للإنذارات الإسرائيلية. غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل، بسبب عدم تعاون “الحزب”، ما أدى إلى إخلاء قرى جرجوع وسجد ودير الزهراني وغيرها.

بهذا المعنى، ترى المصادر أن الدور الفاتيكاني يمكن أن يكتسب فاعلية أكبر إذا بادر “حزب الله” إلى تسهيل مهمة الدولة اللبنانية في بسط سلطتها، أقله في بعض المناطق الواقعة شمال الليطاني، منعًا لإنتقال نموذج القرى المدمّرة والمهجّرة من جنوب النهر إلى شماله.

في الخلاصة، لا تكمن أهمية هذه المساعي الشيعية في حجمها الحالي، أو وزنها التأثيري، بل في رمزيتها السياسية والأهلية، إذ تعكس تصدّع الثقة بين البيئة الشيعية و”الحزب”، بعدما تبيّن أن “فائض القوة” لم يجلب سوى الكارثة، وأن السلاح الذي قيل إنه يحمي ويبني ويحرّر، لم يعد قادرًا على حماية قرية أو حتى وقف جرافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى