من التصعيد إلى التسوية… هل تملك إسرائيل خطة لإنهاء تهديد حزب الله؟

رغم الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله خلال الحرب، لا تزال الأوساط الإسرائيلية تبحث عن صيغة تضمن إنهاء تهديده على المدى الطويل، وسط اعترافات متزايدة بأن العمليات العسكرية الحالية، مهما اتسعت، قد لا تكون كافية لتحقيق هذا الهدف.
وبحسب مقال للكاتب رون بن يشاي نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن 44 عاماً من المواجهة مع لبنان أثبتت أن “المزيد من الشيء نفسه لن يحل المشكلة”. ويرى الكاتب أن قتل المزيد من عناصر حزب الله، وتدمير مزيد من المباني في الضاحية الجنوبية أو القرى الجنوبية، واستهداف منشآت إنتاج الصواريخ في البقاع، لن يؤدي وحده إلى إنهاء التهديد الذي يشكله الحزب.
ويقول إن حزب الله سيواصل دفع الإسرائيليين إلى الملاجئ واستهداف الجنود والمستوطنات الحدودية طالما بقي يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة ويتمتع بدعم إيراني. ويعتبر أن فهم قوة الحزب يتطلب الأخذ بعين الاعتبار مزيجاً من الدوافع العقائدية والدعم الإيراني والخبرة العسكرية التي راكمها خلال سنوات الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي.
ويشير الكاتب إلى أن البيئة الشيعية في لبنان تشكل أحد عناصر قوة الحزب الأساسية، معتبراً أن الطائفة الشيعية، التي أصبحت الأكبر في لبنان، تنظر إلى حزب الله بوصفه القوة المسلحة الأقوى في البلاد والحامية للبنان في مواجهة إسرائيل والجماعات الجهادية السنية في سوريا.
كما يتوقف عند البعد الاقتصادي، معتبراً أن التراجع الذي أصاب قطاعات الزراعة وتجارة المخدرات في البقاع خلال الحرب السورية أوجد فراغاً ملأته المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التابعة لحزب الله، بدعم مالي إيراني قُدّر بنحو مليار دولار سنوياً، ما وفر شبكة أمان لشرائح واسعة من أبناء الطائفة الشيعية خلال الانهيار الاقتصادي اللبناني.
ويقر الكاتب بأن الردع الذي حققه الجيش الإسرائيلي عام 2024 تعرض للتآكل، رغم ما يصفه بالضربة العسكرية والعملياتية والمعنوية القاسية التي تلقاها الحزب، بما فيها اغتيال الأمين العام السابق السيد حسن نصر الله خلال عملية “سهام الشمال”. ويضيف أن الحزب تمكن بحلول شتاء 2026 من استعادة جزء من قدراته، وتجنيد عناصر جدد، وتأمين رواتب لمقاتليه، وشراء مئات الطائرات المسيّرة الرخيصة الموجهة بالألياف البصرية.
ويرى أن تدمير القرى الجنوبية لم يؤد إلى الضغط على حزب الله كما كان متوقعاً، بل ساهم في زيادة غضب السكان المهجرين ومنح عناصر “قوة الرضوان” شرعية إضافية لمواصلة القتال، فيما سمحت الدوافع العقائدية والأمل باستمرار الدعم الإيراني للحزب بمواصلة المعركة رغم الخسائر.
وفي المقابل، يعتبر الكاتب أن حزب الله يمر حالياً بأزمة حقيقية، مع وجود مئات آلاف النازحين الشيعة الذين فقدوا منازلهم، واستمرار الضغوط السياسية عليه داخل لبنان، حيث تسعى الحكومة اللبنانية، بدعم من مختلف الطوائف بما فيها جزء من الشيعة، إلى نزع شرعية سلاحه. كما يرى أن الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم لم يتمكن من ملء الفراغ الذي تركه نصر الله، وأن رئيس مجلس النواب نبيه بري بات الشخصية الأبرز داخل البيئة الشيعية.
ويقول إن الحزب اعتمد بالتنسيق مع إيران استراتيجية “الصمود”، أي الاستمرار وعدم الانكسار إلى حين تبدل الظروف، على غرار ما فعلته حركات مسلحة أخرى نجحت في تحقيق أهدافها عبر “عدم الخسارة”.
وفي هذا الإطار، يطرح الكاتب مسارين استراتيجيين للتعامل مع حزب الله. الأول يتمثل في احتلال لبنان، بما في ذلك البقاع، وفرض حصار على بيروت على غرار ما جرى خلال حرب لبنان الأولى، معتبراً أن هذه الخطوة قد تسمح بتجريد الحزب من قدراته العسكرية الاستراتيجية وتمكين الدولة اللبنانية والجيش اللبناني من استكمال المهمة.
إلا أنه يقر بأن كلفة هذا الخيار مرتفعة جداً، في ظل الإرهاق الذي يعانيه الجيش الإسرائيلي بعد أكثر من عامين من القتال، والحاجة إلى البقاء في لبنان مدة لا تقل عن 6 أشهر، فضلاً عن مخاطر العزلة الدولية والضغوط الأميركية والأوروبية والعربية.
أما الخيار الذي يراه أكثر واقعية، فيقوم على العمل بالتوازي عبر عدة مسارات. الأول عسكري، عبر عمليات برية وجوية مفاجئة وسريعة ومحدودة زمنياً ومكانياً، بهدف إبعاد حزب الله عن الحدود وإجباره على الانتشار والتراجع.
ويضيف أن أي وقف لإطلاق النار قد لا يكون بالضرورة أمراً سلبياً لإسرائيل، خصوصاً إذا جاء ضمن اتفاق أميركي – إيراني وأُجبر حزب الله على الالتزام به، إذ يمنح المؤسسة الأمنية وقتاً إضافياً لتطوير وسائل مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة.
أما المسار الثاني فهو سياسي، من خلال مفاوضات مباشرة وفعالة مع الدولة اللبنانية برئاسة الرئيس جوزيف عون، بهدف التوصل إلى وضع لا يشكل فيه لبنان تهديداً لإسرائيل، مقابل إعادة الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حالياً وإجراء تعديلات حدودية محدودة.
ويتمثل المسار الثالث، وفق الكاتب، في إطلاق خطة دولية واسعة لإعادة إعمار لبنان، تمولها السعودية وقطر والولايات المتحدة، شرط تخلي حزب الله عن دوره كميليشيا مسلحة، إلى جانب تقديم دعم أميركي وفرنسي وإماراتي للجيش اللبناني عبر التدريب والتجهيز، والعمل على قطع خطوط التمويل والدعم العسكري الإيرانية للحزب بالتعاون مع السلطة الجديدة في سوريا.
ويخلص الكاتب إلى أن هذه المقاربة متعددة المسارات هي الأكثر قدرة على تحقيق نتائج طويلة الأمد، متسائلاً في الوقت نفسه عما إذا كانت حكومة بنيامين نتنياهو قادرة على إطلاق مشروع استراتيجي بهذا الحجم، وإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب به، والتوصل إلى تسوية فعلية مع الرئيس جوزيف عون تتضمن تنازلات عن مناطق لبنانية يعتبر أن جدواها الأمنية محدودة.
وفي خلاصة تعكس جوهر النقاش الإسرائيلي الدائر حالياً، يبدو أن السؤال لم يعد كيف يمكن ضرب حزب الله عسكرياً، بل كيف يمكن تحويل ضعفه الحالي إلى واقع سياسي وأمني دائم في لبنان والمنطقة.




