الصحف تصارع للبقاء… والدولة مُطالبة بحمايتها

ربى أبو فاضل – الديار
منذ القرن التاسع عشر، شكلت الصحافة الورقية جزءا أساسيا من الحياة اليومية في لبنان، إذ لعبت دورا في تشكيل الرأي العام ، ومواكبة التحولات السياسية والثقافية، ما رسخ مكانة بيروت كـ”عاصمة الصحافة العربية”.
أما اليوم وفي ظل هيمنة الإعلام الرقمي والهواتف الذكية، وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي، تواجه الصحافة الورقية تراجعا، نقلها من موقع التأثير وصناعة الرأي، إلى موقع الدفاع ومحاولة البقاء في سوق إعلامي سريع ومتغير.
خلال العقود الماضية، كانت بيروت في ذروتها تضم أكثر من 15 إلى 16 صحيفة يومية، مع تقديرات لتوزيع إجمالي تجاوز 100 ألف نسخة يوميا في فترات الازدهار، وفق شهادات صحافيين ومراقبين للمشهد الإعلامي. وقد شكلت الصحف اللبنانية آنذاك مرجعا أساسيا للقراء في لبنان والعالم العربي، ومصدرا رئيسيا للأخبار والتحليل والنقاش العام، قبل أن يبدأ هذا المشهد بالتراجع تدريجيا مع مطلع الألفية، ويتسارع بعد عام 2011، وصولا إلى الأزمة الاقتصادية عام 2019 ، التي شكلت نقطة تحول في بنية القطاع الإعلامي.
خلال العقد الأخير أقفلت صحف تاريخية بارزة، فيما تقلص عدد الصحف اليومية الفاعلة بشكل كبير. وتشير تقديرات إعلامية إلى أن إجمالي التوزيع الورقي اليوم، تراجع إلى ما بين 10 و20 ألف نسخة يوميا في بعض الحالات للصحف الكبرى، سواء بشكل منفرد أو مجتمعة بحسب حجم المؤسسة. ورغم استمرار بعض الصحف في الصدور، إلا أن معظمها يواجه ضغوطا مالية وتشغيلية كبيرة، مع اعتماد متزايد على المنصات الرقمية، كوسيلة للبقاء في ظل تراجع الإيرادات.
رمزيّة الجريدة الورقيّة
في هذا السياق أكد صحفي لـ”الديار” فضل عدم الكشف عن اسمه، أن “بيروت كانت مركزا إعلاميا عربيا حقيقيا، حيث كانت الصحف تطبع بأعداد كبيرة، وتنافس على التأثير السياسي والثقافي”، ويشير إلى أن “التراجع الحالي لا يرتبط بالقارئ وحده ، بل أيضا بتأخر المؤسسات الإعلامية في مواكبة التحول الرقمي، إضافة إلى غياب سياسات دعم رسمية للقطاع، ما يضع مسؤولية على الدولة لحماية ما يعرف بالسلطة الرابعة ، بدل الاكتفاء بالتغني بدورها”.
ويضيف “عدد من الصحافيين انتقلوا من العمل الورقي إلى الإعلام الإلكتروني، نتيجة تغير سوق العمل، رغم استمرار تفضيل بعضهم للصحافة الورقية، لما توفره من عمق مهني ومصداقية أعلى”، معتبرا أن “الجريدة الورقية ما زالت تحمل رمزية مختلفة عن الاستهلاك السريع للأخبار عبر المنصات الرقمية”.
أزمة مالية
ويشير إلى أن “القطاع الإعلامي اللبناني يواجه أزمة مالية، نتيجة تراجع الإيرادات الإعلانية والاشتراكات، حتى باتت بعض المؤسسات تعمل بمداخيل متدنية جدا، تكاد تلامس حدود الصفر. ويضاف إلى ذلك التحول الرقمي الذي غير جذريا طريقة استهلاك الأخبار، حيث أصبحت المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومة الفورية، إلى جانب الأزمة الاقتصادية التي رفعت كلفة الطباعة والتوزيع، وتغير عادات القراءة لدى الأجيال الجديدة التي باتت تعتمد بشكل شبه كامل على الهواتف الذكية، ما سرع انحسار الصحافة الورقية”.
ويؤكد أنه “رغم ذلك لا تزال هذه الصحف تحتفظ بشريحة محدودة من القراء، تشمل كبار السن وبعض النخب السياسية وصناع القرار، إضافة إلى قراء يفضلون التحليل العميق على الأخبار السريعة، إلا أن هذه الشريحة تتقلص تدريجيا، مع توسع الاعتماد على الإعلام الرقمي”.
الرقمنة والذكاء الاصطناعي
وفي ظل هذا الواقع، تشير الاتجاهات إلى أن مستقبل الصحافة سيكون مرتبطا بشكل متزايد بالإعلام الرقمي وأدوات الذكاء الاصطناعي، في إنتاج الأخبار وتحليل البيانات وإدارة المحتوى، مقابل تراجع مستمر لدور الصحافة الورقية، ما لم تتمكن من إعادة تموضعها ضمن منظومة رقمية متكاملة. وفي المقابل، يتجه دور الصحافي نحو التحول من ناقل خبر إلى محلل ومحقق وصانع محتوى، يقدم قيمة مضافة تتجاوز سرعة النشر.
في المحصلة، لم تختفِ الصحافة الورقية في لبنان، لكن أدواتها تغيرت والتاريخ يبين أن الوسائل القديمة لا تزول تماما، رغم البدائل الحديثة. وبين هذا التحول يبقى السؤال هل يستطيع الورق الصمود في عالم سريع لا ينتظر أحدا؟




