رياضة

الكأس التي يرفعها الأبطال… ثم تختفي!

“اخبار اليوم”
وسط الألعاب النارية، وصيحات الجماهير، وعدسات الكاميرات، يرفع قائد المنتخب الفائز كأس العالم عالياً، في لحظة تُخلّد في ذاكرة كرة القدم. يتناوب اللاعبون على حملها وتقبيلها، ويحتفلون بها كما لو أنها سترافقهم إلى بلادهم. لكن الحقيقة مختلفة تماماً، فهذه الكأس التي يحلم بها كل لاعب لا تبقى مع البطل إلا لساعات قليلة، قبل أن تبدأ رحلة العودة إلى صاحبها الحقيقي: الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA).

 

 

كأس عالمية من ذهب خالص

الكأس الحالية، المعتمدة منذ عام 1974، ليست مجرد قطعة ذهبية، بل تُعد إحدى أثمن الجوائز الرياضية في العالم. يبلغ ارتفاعها نحو 36.8 سنتيمتراً ووزنها 6.175 كيلوغرامات، وهي مصنوعة من ذهب عيار 18 قيراطاً، مع قاعدة من حجر المالاكيت الأخضر تحمل نقشاً بأسماء جميع الدول الفائزة منذ عام 1974. ورغم أن قيمة الذهب الخام فيها تُقدَّر بحوالي 700 ألف دولار، فإن قيمتها التاريخية والرمزية تُقدَّر بنحو 20 مليون دولار، وهو ما يجعلها أغلى كأس في عالم الرياضة.

 

وتتسع قاعدة الكأس لتدوين أسماء 17 دولة فائزة فقط؛ وبما أن عدد الفرق المتوَّجة منذ 1974 وصل إلى 14 دولة حتى نسخة 2022، فإن الفيفا ستحتاج، بحسب خطط أُعلن عنها سابقاً، إلى تصنيع قاعدة جديدة بمجرد اكتمال الأسماء السبعة عشر، على أن يبقى التمثال الذهبي نفسه من دون تغيير.

قصة تصميم لم يكن الأول ولا الوحيد

هذا التصميم لم يُعتمد من فراغ. فبعدما احتفظت البرازيل بكأس «جول ريميه» الأصلية بشكل دائم عام 1970 لفوزها باللقب للمرة الثالثة، وجدت الفيفا نفسها بحاجة ملحّة لتصميم كأس جديدة تليق بالبطولة. ففتح الاتحاد الدولي باب المسابقة أمام الفنانين حول العالم، فتلقى نحو 53 تصميماً مقدَّماً من فنانين في سبع دول مختلفة. ومن بين المتقدمين كان النحات الإيطالي سيلفيو غاتزانيغا، الذي كان يعمل حينها في شركة “جي دي إي بيرتوني” (Bertoni) لصناعة الميداليات والكؤوس في مدينة ميلانو، وتخرّج من أكاديمية بريرا للفنون الجميلة.

وما ميّز مشاركة غاتزانيغا أنه لم يكتفِ بإرسال رسومات تخطيطية كما فعل معظم المتنافسين، بل أرفق نموذجاً مجسّماً (بروتوتايب) للكأس، ما ساعد لجنة التحكيم على تخيّل شكلها الحقيقي وطريقة حملها، فوقع عليه الاختيار في النهاية. صُنعت الكأس لاحقاً في ورشة “بيرتوني” نفسها، وما تزال هذه الورشة حتى اليوم الجهة الوحيدة المخوَّلة صناعة النسخ الرسمية المطلية بالذهب التي تُمنح للاتحادات الفائزة.

وقدّم غاتزانيغا تصميمه على أنه رمزٌ لتكريم البطولة الرياضية بمعناها الإنساني لا الخارق، إذ صمّم شخصين متشابكين يرتفعان في حركة لولبية نحو كرة أرضية، في تعبير متعمّد عن العالمية بدل تجسيد شخصية أو أمة بعينها، خلافاً لكأس “جول ريميه” التي كانت تصوّر إلهة النصر الإغريقية نايكي.

ورُفعت هذه الكأس الجديدة لأول مرة في نهائي مونديال 1974 في ألمانيا الغربية، حين توّج قائد المنتخب الألماني فرانتس بكنباور بها.

وتجدر الاشارة الى ان غاتزانيغا توفي عام 2016 عن عمر ناهز 95 عاماً، تاركاً وراءه أيضاً تصميم كأسي الاتحاد الأوروبي (UEFA Cup) والسوبر الأوروبي.

سرقة أضحت أسطورة: كأس “جول ريميه” و”بيكلز” الكلب البطل

وفي سياق متصل، النظام الحالي المتشدد في حماية الكأس لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن سابقة مثيرة. فقبل أشهر من انطلاق مونديال 1966 في إنكلترا، سُرقت كأس “جول ريميه” الأصلية من معرض عام في وستمنستر بلندن، رغم وجود حراسة أمنية. وأثارت الحادثة ذعراً وطنياً وتحقيقاً موسّعاً من سكوتلاند يارد لم يفلح في العثور عليها. وبعد أسبوع كامل من الغموض، عثر عليها كلب يُدعى “بيكلز” ملفوفة بورق جرائد أسفل شجيرة في جنوب لندن أثناء نزهة اعتيادية مع صاحبه، لتتحول الكأس إلى موضوع أخبار عالمية وليصبح الكلب نفسه بطلاً شعبياً حظي بمكافأة مالية وظهر في فيلم سينمائي بريطاني.

وأُعيدت الكأس بعدها إلى مسارها الطبيعي، وتُوّجت بها إنكلترا في نهائي تلك النسخة، ثم منحتها الفيفا بشكل دائم للبرازيل عام 1970 بعد فوزها الثالث باللقب. غير أن القدر لم يمهلها طويلاً؛ ففي التاسع عشر من ديسمبر 1983، سُرقت الكأس نفسها من مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم في ريو دي جانيرو، ولم يُعثر عليها حتى اليوم، إذ تُرجّح معظم التحقيقات أنها صُهرت بعد أسابيع من سرقتها. ومنذ تلك الحادثة، اتخذت الفيفا قراراً حاسماً بألا تصبح الكأس الأصلية ملكاً لأي منتخب مرة أخرى مهما بلغ عدد ألقابه.

ماذا يعود مع الأبطال إذًا؟

بعد انتهاء مراسم التتويج، يستعيد مسؤولو الفيفا الكأس الأصلية، بينما يحصل الاتحاد الوطني للمنتخب الفائز على نسخة رسمية مطلية بالذهب تُعرض في مقره أو متحفه. أما الكأس الأصلية، فتعود إلى مقرها الدائم في متحف الفيفا بمدينة زيورخ السويسرية، ولا تغادره إلا في المناسبات الرسمية أو خلال جولات الترويج التي تسبق البطولة.

اما كل لاعب في المنتخب الفائز فيحصل على الميدالية الذهبية الرسمية، وهي الجائزة الوحيدة التي تصبح ملكاً شخصياً له مدى الحياة. كما يحتفظ الفائزون بجوائزهم الفردية، مثل الكرة الذهبية لأفضل لاعب، والحذاء الذهبي لهداف البطولة، والقفاز الذهبي لأفضل حارس. أما الجائزة المالية التي يمنحها الاتحاد الدولي للمنتخب البطل، فتذهب إلى الاتحاد الوطني، الذي يحدد آلية توزيعها على اللاعبين والجهاز الفني، وغالباً ما تُضاف إليها مكافآت من الحكومات أو الرعاة.

ومن المفارقات اللافتة أن بعض الميداليات الذهبية التي احتفظ بها أبطال العالم بيعت لاحقاً في مزادات عالمية بمئات آلاف الدولارات، فيما تبقى الكأس الأصلية نفسها خارج أي عملية بيع أو اقتناء، لأنها ليست ملكاً لأي لاعب أو منتخب، بل تبقى تحت وصاية الفيفا.

 

 

كأس العالم مقابل كؤوس عالمية أخرى

وحين يجري الحديث عن أغلى الجوائز الرياضية، لا بدّ ان تحضر كأس العالم دائماً في صدارة القائمة، لكن كيف تقارَن بغيرها؟

كأس ستانلي(الهوكي على الجليد):   NHL مصنوعة من الفضة، وتُقدَّر قيمتها بحسب مصادر مختلفة بين 150 ألف دولار وحتى 600 ألف دولار، وتتميز بأنها الكأس الوحيدة التي لا تُصنع نسخة جديدة كل عام، بل تبقى نفسها منذ أواخر القرن التاسع عشر، ويُضاف إليها سنوياً حلقة جديدة تحمل أسماء الفريق الفائز.
كأس السوبر بول (لومباردي):  تصنعها شركة تيفاني آند كو من الفضة الإسترليني، وتُصنع نسخة جديدة كل عام تبقى مع الفريق الفائز بشكل دائم، وتقدَّر تكلفة تصنيعها بما بين 50 و60 ألف دولار فقط.
الكرة الذهبية (Ballon d’Or): رغم شهرتها الواسعة كجائزة فردية، فإن قيمتها المادية لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات.
في المقابل، تُقدَّر كأس العالم بما يقارب 20 مليون دولار، أي أكثر بعشرات المرات من أقرب منافسيها، وهو ما يعود بشكل أساسي إلى كونها مصنوعة بالكامل تقريباً من الذهب الخالص، إضافة إلى الرمزية العالمية التي لا تضاهيها بطولة أخرى.

طقوس وخرافات حول الكأس

ونظراً لقيمتها الرمزية الكبيرة، أحاطت اللاعبين والجماهير على مر السنين معتقدات وطقوس غير مكتوبة بشأن التعامل مع الكأس. فمن أشهر هذه الخرافات أن لمس الكأس قبل الفوز الفعلي بها يجلب الحظ السيئ. وكان اللاعب الدولي البرتغالي كريستيانو رونالدو تحدّث علناً عن هذا الاعتقاد، مؤكداً أنه يتجنّب لمس أي كأس يطمح للفوز بها قبل انتهاء المباراة النهائية. وتشير تغطيات إعلامية إلى أن نجوماً آخرين مثل ليونيل ميسي وأنخل دي ماريا التزما بالطقس نفسه خلال نهائي مونديال قطر 2022، بينما لمسها زملاء لهم آخرون، في مفارقة بقيت مادة للنقاش بين الجماهير حول تأثيرها الفعلي على نتيجة المباراة.

وتوجد طقوس مشابهة في رياضات أخرى؛ ففي دوري الهوكي الأميركي (NHL) يتجنب بعض اللاعبين لمس كأس المؤتمر (التي تُمنح قبل الوصول إلى النهائي مباشرة) اعتقاداً منهم أنها ليست الهدف الحقيقي، وأن التسرع في الاحتفال بها قد ينذر بالخسارة في النهائي الكبير.

 

استعارة للحظات

هكذا، فإن أغلى جائزة في كرة القدم لا يملكها من يفوز بها، بل يستعيرها للحظات فقط. من سرقة أذهلت العالم وحلّها كلبٌ في حديقة لندنية، إلى نحات إيطالي صاغ برونزية العالم من الذهب الخالص، تحمل قصة هذه الكأس من الدراما والرمزية ما لا تحمله أي جائزة رياضية أخرى. وما يعود به الأبطال إلى أوطانهم ليس الكأس التي أبهرت العالم، بل ميدالياتهم الذهبية، وجوائزهم الفردية، وصور خالدة تروي للأجيال أنهم، ولو لساعات قليلة، حملوا بين أيديهم الكأس التي يحلم بها كل لاعب على وجه الأرض.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |