النّقود تفقد قيمتها… هل نُودّع عصر المال؟

ماريّا طراد – Mtv
يُفاجئنا إيلون ماسك، بين الحين والآخر، بأفكار تتجاوز حدود الخيال؛ من حلم العيش على المرّيخ، إلى السيّارات ذاتيّة القيادة، وصولًا إلى توقّعاته بشأن تفوّق الذكاء الاصطناعيّ على البشر. واليوم، يطرح رؤيةً أكثر إثارةً للجدل: أن يفقد المال أهمّيّته خلال سنوات قليلة. فبين التهويل والواقع، إلى أين يتّجه العالم؟
يشير الخبير الاقتصاديّ الدكتور باتريك مارديني إلى أنّ “توقّع التريليونير الأميركي إيلون ماسك يستند إلى فكرة انتقال العالم من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة”، موضحًا أنّ “الاقتصاد اليوم يحتاج إلى المال لأنّ السلع والخدمات محدودة، أمّا إذا أصبحت الروبوتات والذكاء الاصطناعيّ قادرة على الإنتاج ليلًا ونهارًا، من دون توقّف، وبكلفة متدنّية جدًا، فإنّ الكميّات المنتجة ستصبح هائلة، ما سيؤدّي إلى انخفاض الأسعار تدريجيًا حتى تقترب من الصفر”.
ويشرح مارديني، في حديثٍ خاصّ لموقع MTV، أنّ “الروبوتات لن تقتصر مهمّتها على تصنيع السلع، بل ستكون قادرة أيضًا على تصنيع روبوتات جديدة، ما يعني تضاعف القدرة الإنتاجيّة باستمرار، ومن دون الحاجة إلى اليد العاملة البشريّة في معظم القطاعات، بما فيها الزراعة والصناعة”. ووفق رؤية ماسك، ينتقل العالم عندها من اقتصاد يقوم على الندرة إلى اقتصاد يقوم على الوفرة، حيث تصبح الثروة كافية للجميع.
ويؤكّد مارديني أنّ “وظيفة المال، في الأساس، هي توزيع الموارد النادرة. فالهواء، مثلًا، لا ندفع ثمنه لأنّه متوافر بكثرة، بينما ندفع مقابل السلع والخدمات لأنّها محدودة. لذلك، إذا تراجعت الندرة وأصبح الإنتاج شبه غير محدود، فإنّ الدور التقليديّ للمال سيتغيّر تلقائيًا، لأنّه لن يعود الوسيلة الأساسيّة للحصول على ما يحتاج إليه الإنسان”. ويضيف: “ماسك لا يتحدّث عن اختفاء المال بين ليلةٍ وضحاها، بل عن مرحلة انتقاليّة تقوم على مفهوم الدخل الأساسيّ الشامل (Universal Basic Income)، بحيث يحصل كلّ فرد على دخل ثابت يسمح له بتأمين احتياجاته، بعدما تتولّى الروبوتات تنفيذ معظم الأعمال والإنتاج. وخلال هذه المرحلة، يبقى المال موجودًا، لكنّه يفقد تدريجيًا دوره كمكافأة على العمل، إذ لن يعود الإنسان مضطرًا إلى العمل للحصول على راتب، كما هو الحال اليوم”.
لكنّ مارديني يرى أنّ هذا السيناريو، على الرغم من جاذبيّته، يصطدم بحدود واقعيّة. فالذكاء الاصطناعيّ والروبوتات يحتاجان إلى الطاقة، كما يحتاجان إلى مساحات شاسعة لبناء مراكز البيانات، فيما تبقى الأراضي محدودة. كذلك، هناك موادّ أساسيّة لا يمكن إنتاجها بلا حدود، مثل الليثيوم والنحاس واليورانيوم، وهي عناصر ضروريّة لاستمرار الثورة التكنولوجيّة، ما يعني أنّ الندرة لن تختفي بالكامل، وستبقى بعض الموارد تحتفظ بقيمتها.
ويلفت إلى أنّ “ملامح هذا التحوّل بدأت تظهر بالفعل في حياتنا اليوميّة. فمستخدمو منصّات التواصل الاجتماعيّ يحصلون على خدماتهم من دون دفع مقابلٍ ماليّ مباشر، لكنّ الشركات تستفيد، في المقابل، من بياناتهم، التي تُستخدم لتطوير الخوارزميّات وتحسين أنظمة الذكاء الاصطناعيّ. وهذا، برأيه، يعكس كيف يمكن أن تتغيّر أشكال القيمة مستقبلًا، بحيث لا تبقى النقود الوسيلة الوحيدة للتبادل”.
وعن تأثير هذا التحوّل في الفجوة بين الأغنياء والفقراء، لا يتوقّع مارديني أن يصبح العالم أكثر مساواة. فبدلًا من أن تكون الفجوة قائمة على المال، قد تتحوّل إلى فجوة نفوذ، إذ ستكون القوّة بيد من يملك الوصول إلى الذكاء الاصطناعيّ، والبيانات، والخوارزميّات، ومصادر الطاقة. فهذه العناصر، بحسب رأيه، ستكون الثروة الحقيقيّة في الاقتصاد الجديد، وستحدّد موازين القوى أكثر ممّا تفعله النقود اليوم.
وبين توقّعات ماسك وواقع الاقتصاد، يبقى المستقبل مفتوحًا على تحوّلات قد تُغيّر مفهوم الثروة نفسه. وربّما لن يكون السؤال: كم تملك من المال؟ بل: ماذا تملك من تكنولوجيا؟




