Featuredأخبار محلية

الحوار متاح في دمشق… ومشروط في بعبدا

نداء الوطن – كلارا جحا

حين يُخوَّن رئيس الجمهورية لأنه يدافع عن الدولة، لا يعود الخلاف سياسيًا، بل يتحوّل استهدافًا مباشرًا لشخصه وللشرعية ومؤسساتها. وهنا تكمن الخطورة في آخر خطاب للأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم: تخوين الرئيس جوزاف عون والتحريض عليه، ونزع الشرعية عن مؤسسات الدولة لأنها تحاول استعادة قرار الحرب والسلم.

ذهب قاسم بعيدًا، وعمّق الفجوة أكثر فأكثر بين اللبنانيين المنقسمين أساسًا حول شكل الوطن والدولة اللذين يريدونهما، رغم إدراكه، كسائر المرجعيات السياسية، أن حصر السلاح بيد الدولة بات قرارًا عربيًا ودوليًا ثابتًا، وأن النقاش لم يعد في المبدأ بقدر ما أصبح في آلية تنفيذه وتوقيته. فلماذا الذهاب إلى حيث لا عودة إلى حضن الدولة؟

“الحزب” يقرّر الحرب ويحتفظ بالسلاح، فيما تتحمّل الدولة كلفة الدم والدمار والنزوح، ثم تُدان لأنها تفاوض لاستعادة ما خسره لبنان في حرب أثبتت عجز هذا السلاح عن حمايته.
هذه المعادلة اختصرت جوهر الخطاب. فقاسم، الذي وصف المفاوضات المباشرة بأنها لم تجلب سوى “العار والذل والخيبة والتنازلات”، اتّهم السلطة بأنها كانت “عونًا لإسرائيل”، وذهب أبعد في استهداف الرئيس عون معتبرًا أنه تحوّل من “حَكَم” إلى “طرف”.
لكنه لم يجب عن السؤال الأساسي: مَن منح إسرائيل الذريعة لتوسيع احتلالها وتدمير القرى وتهجير أهل الجنوب؟ وهل بدأت التنازلات على طاولة المفاوضات أو يوم اتَّخذ “حزب الله”، قرار “حرب الإسناد” من خارج الدولة للمرة الأولى والثانية، رابطًا لبنان بمضيق هرمز وبصراع إقليمي لم يعرف اللبنانيون متى بدأ ولا أين ينتهي؟ صراع يعيد رسم موازين القوى الإقليمية والدولية، فيما لا يشكّل “حزب الله” سوى ورقة على إحدى طاولاته.

تعتبر مصادر دبلوماسية متابعة لـ”نداء الوطن” أن خطاب قاسم لا يستهدف إسقاط التفاوض بقدر ما يسعى إلى تحسين موقع “الحزب” في أي تسوية مقبلة، عبر نقل النقاش من تسليم السلاح إلى “الحوار مع الحزب”. فالمطلوب، وفق هذه القراءة، ليس حوارًا حول تنفيذ مبدأ حصرية السلاح، بل إعادة التفاوض على المبدأ نفسه، بما يمنح “الحزب” دور الشريك الموازي للدولة في تقرير مستقبل لبنان الأمني.
هذه المقاربة تفسّر حدّة رد رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أعاد أصل المشكلة إلى التفرّد بقرار “حروب الإسناد العبثية” وربط لبنان بمحاور خارجية. فردّ سلام لم يكن سجالا شخصيًا، بل مواجهة بين مفهومين للسيادة: سيادة تمارسها الدولة بجيش وقرار واحد، وأخرى يطالب “الحزب” الدولة بممارستها فيما يستثني نفسه من موجباتها.
وتوقّفت مصادر متابعة عند تراجع حضور إيران في خطابات قاسم الأخيرة، متسائلةً عمّا إذا كان هذا التراجع يعكس انكفاءً في دور طهران وتأثيرها في لبنان، بعد فشل المفاوضات الأميركية- الإيرانية في سويسرا، وفصل المسارات، بالتوازي مع تقدّم مفاوضات روما، على الرغم من تعقيداتها وصعوباتها.
براغماتية “الحزب” على طريق دمشق

أما أكثر نقاط خطاب قاسم استغرابًا، فكانت إعلانه عدم ممانعته عقد لقاء علني مع القيادة السورية “في الوقت المناسب وبتقدير الطرفين”، بعد تمنّيه أن تنجح سوريا في بسط العدل وأن تبقى موحّدة ومستقرة. إنها نقلة براغماتية واضحة من حزب قاتل سنوات دفاعًا عن نظام الأسد، إلى حزب يطلب فتح صفحة جديدة مع السلطة التي قامت على أنقاضه، من دون أي مراجعة أو اعتذار عن دوره العسكري في سوريا.
والمفارقة أن قاسم يفتح باب الحوار مع قيادة سورية خاض حزبه مواجهة دامية مع القوى التي أوصلتها إلى الحكم، فيما يضع الشروط على الحوار مع رئيس بلاده، الذي منحه طوال خمسة عشر شهرًا فرصة تلو الأخرى لمعالجة ملف السلاح، والذي سبق أن عرفه، يوم كان قائدًا للجيش، حريصًا على الاستقرار وعلى الوقوف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين في أصعب مراحل الانقسام.

فكيف يصبح الحوار ممكنًا في دمشق، ومشروطًا أو حتى مرفوضًا في بعبدا؟
مصادر مطلّعة على الملف اعتبرت أن الكلام عن حوار بين القيادة السوريّة الجديدة و”حزب الله”، سابق لأوانه، وينطوي على قدر من المبالغة، رغم تأكيد الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيّته أسعد الشيباني عدم ممانعتهما الجلوس مع “الحزب” على طاولة الحوار، إذا “اقتضت المصلحة العامة بين البلدين”.
تؤكد هذه المصادر لـ”نداء الوطن” أن مساعي تقريب الطرفين تنطلق من الرغبات والتمنيات أكثر مما تستند إلى وقائع، مشيرةً إلى أن المملكة العربيّة السعودية تضع شروطًا محدّدة على تواصل الشرع مع “الحزب”، فيما تتقاطع مع قطر وتركيا على رفض أي تدخل عسكري سوري في لبنان، ولو بخطوة واحدة.
أما رأب الصدع بين القيادة السورية و”حزب الله”، فلا تختصره، وفق المصادر، جلسة حوار، إذ دونه خطوات عدّة وجرح سوري عميق قد يستغرق اندماله عشرات السنين.

وتساءلت المصادر: كيف سيتعامل السوريون مع “حزب الله”؟ هل من خلال حوار جماعات؟ أم حوار مع الدولة اللبنانية، خصوصًا أن الرئيس الشرع سبق أن وجّه دعوة رسمية إلى الرئيس عون لزيارة دمشق وعقد قمة ثنائية لفتح صفحة جديدة بين البلدين؟

Toyota

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |