أخبار محلية

توقّف منح رخص البناء… ملف ينتظر قرارًا سياسيًا

في بعلبك ـ الهرمل، لم تعد أزمة البناء مجرّد ملف تنظيمي أو خلاف إداري بين البلديات والتنظيم المدني، بل تحوّلت إلى نموذج صارخ لكيفية صناعة الأزمات بقرار سياسي، ثم ترك المواطنين والقوى الأمنية يدفعون الثمن. فالمفارقة أنّ المحافظة التي شهدت، خلال السنوات الأخيرة، تحسّنًا أمنيًا ملحوظًا بفضل جهود الجيش والقوى الأمنية في ملاحقة المطلوبين، وتفكيك شبكات التهريب وتجارة المخدرات، وإعادة فرض هيبة الدولة، تجد نفسها اليوم أمام عبء جديد لا علاقة له بالأمن، بل بقرار إداري ما زال غائبًا.

فالبلديات في معظم بلدات ومدن بعلبك الهرمل، لم تعد تمنح رخص البناء، ليس لأنها لا تريد ذلك، بل لأنها تنتظر إذنًا من وزارة الداخلية والبلديات يسمح لها بإصدار الرخص ضمن الأطر القانونية. ومع استمرار تأخر مشاريع الضم والفرز منذ عشرات السنين، بقيت آلاف العقارات خارج أي إمكانية قانونية للبناء، وتحول حق المواطن في تشييد منزل أو استثمار أرضه إلى معركة يومية مع الإجراءات والقرارات.

وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكنًا تجاهله: ما الذي يمنع وزارة الداخلية، حتى اليوم، من اتخاذ قرار يعيد هذا الملف إلى سكّته الطبيعية؟ وإذا كانت الدولة قادرة على إصدار تعاميم واستثناءات في ملفات أقلّ أهمية، فلماذا بقيت بعلبك ـ الهرمل وحدها رهينة انتظار لا ينتهي، فيما لا يزال الضمّ والفرز حبرًا على ورق؟

وعليه كانت النتيجة واضحة، فالمواطن يحتاج إلى منزل يؤويه أو شقة يؤجرها في ظل أزمة سكن خانقة فرضتها الحرب والدمار، فيجد نفسه عاجزًا عن الحصول على رخصة. وإن قرر البناء تتحول ورشته إلى مخالفة، فتتدخل القوى الأمنية، وتنظم محاضر الضبط، وتوقف الأعمال، وربما تصل الأمور إلى قرارات الهدم. وهكذا يصبح المواطن في مواجهة الدولة، فيما أصل المشكلة ليس البناء، بل غياب القرار الذي ينظم البناء.

والأكثر غرابة أن القوى الأمنية، التي يفترض أن تكرس كل إمكاناتها لحماية الأمن وملاحقة الجريمة، أصبحت مضطرة إلى تسيير دوريات لمراقبة ورش البناء، وتوقيف الأعمال، ومتابعة عشرات المخالفات يوميًّا. وهنا يبرز السؤال: أي منطق إداري يجعل عنصرًا أمنيًا يلاحق خلاطة إسمنت بدلا من ملاحقة مطلوب؟ وأي دولة تضيف إلى أجهزة أنهكتها الملفات الأمنية ملفًا كان يمكن حله بتوقيع إداري؟

أمّا البلديات، فهي الخاسر الأكبر أيضًا، إذ إنّها محرومة من مورد مالي أساسي كانت تؤمّنه رسوم رخص البناء، في وقت تعاني فيه عجزًا ماليًا خانقًا ينعكس مباشرة على الخدمات والإنماء المحلي. وفي المقابل، يستمرّ البناء العشوائي، وتتوسّع المخالفات، لأنّ القانون أصبح شبه مستحيل التطبيق على أرض لا تملك أصلًا طريقًا قانونيًا للبناء.

لكنّ الأخطر من كلّ ذلك أنّ استمرار الأزمة لم يعد يُقرأ على أنّه مجرّد تقصير إداري. فداخل المنطقة، يزداد الاعتقاد بأنّ بقاء الملف معلّقًا يخدم طبقة سياسية كاملة. فعندما تصبح الرخصة مستحيلة، تتحوّل الواسطة إلى حاجة، ويصبح النائب أو الحزب أو المسؤول محطّة إلزامية لوقف محضر ضبط، أو تأخير قرار هدم، أو إجراء اتصال مع جهاز أمني. أمّا لو سلكت الرخصة طريقها الطبيعي عبر البلديات، فإنّ المواطن سيقصد المؤسّسة لا الزعيم، والقانون لا الوسيط. ولذلك، يعتقد كثيرون أنّ بعض القوى السياسية لم تُبدِ يومًا حماسة حقيقية لإقفال هذا الملف، لأنّ إنهاءه يسحب من يدها واحدة من أبرز أدوات النفوذ اليومي.

اليوم، لم يعد المطلوب تجاهل القانون، ولا فتح الباب أمام الفوضى العمرانية، بل إصدار قرار شجاع من وزارة الداخلية يعيد إلى البلديات حقّها في منح رخص البناء وفق ضوابط واضحة، بالتوازي مع تسريع مشاريع الضمّ والفرز التي تأخّر إنجازها عقودًا. فهذا القرار لن يخفّف معاناة المواطنين فحسب، بل سيمنح البلديات موردًا ماليًا تحتاج إليه، وسيحرّر القوى الأمنية من عبء لا يدخل في صلب مهامها.

عيسى يحيى- نداء الوطن

Toyota

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |