“أزمات بلا فرص للتعافي”: الوفيات بالانتحار في لبنان ترتفع بنحو الثلث

بي بي سي نيوز عربي
ارتفع عدد الوفيات المسجلة بالانتحار في لبنان من 38 وفاة خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى مايو/أيار 2025، إلى 50 وفاة خلال الفترة نفسها من عام 2026، بزيادة بلغت نحو 32 في المئة، وفق أرقام رسمية لقوى الأمن الداخلي أوردتها جمعية “إمبرايس”.
وبالتوازي، بات الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار بالتعاون بين البرنامج الوطني للصحة النفسية وجمعية إمبرايس يتلقى أكثر من 60 اتصالاً يومياً، في ظل الحرب والنزوح وفقدان المنازل ومصادر الدخل.
لكنّ مختصتين تحدثتا إلى بي بي سي عربي تحذّران من تفسير الارتفاع بعامل واحد، وتؤكدان أهمية التدخل المبكر وتسهيل الوصول إلى خدمات الدعم النفسي.
“خمسون حياة ليست مجرد أرقام”
تقول عبير جمول، المعالجة النفسية والمشرفة على الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار بالتعاون بين البرنامج الوطني للصحة النفسية وجمعية إمبرايس، إنها تقرأ الزيادة المسجلة “بجدية تامة وبحذر في الوقت نفسه”.
وتضيف : “هذه خمسون حياة، وخمسون عائلة تعيش خسارة لا تقاس بالأرقام”.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الوفيات بالانتحار تَراجع من 171 وفاة عام 2019 إلى 115 عام 2021، بانخفاض بلغ 33 في المئة، قبل أن يرتفع إلى 168 وفاة عام 2023. ثم انخفض إلى 129 وفاة في 2024، وعاود الارتفاع إلى 147 وفاة عام 2025، بزيادة بلغت 14 في المئة خلال عام واحد.
وترى جمول أن الأرقام المسجلة قد تكون أقل من العدد الفعلي للوفيات بالانتحار في لبنان، بسبب الوصمة وإخفاء بعض العائلات للحالات واعتبارات دينية واجتماعية، إضافة إلى صعوبة تصنيف بعض الوفيات الغامضة التي قد تسجَّل على أنها حوادث.
وتقول إنه لا يوجد في لبنان نظام مراقبة وطني موحد يربط سجلات قوى الأمن الداخلي بالمستشفيات والطبابة الشرعية والسجلات الصحية.
الفئات الأصغر سناً في صدارة الأرقام
تُظهر بيانات عام 2024 أن نحو 48 في المئة من الوفيات المسجلة كانت لأشخاص تقل أعمارهم عن 39 عاماً. وشكّلت الفئة العمرية من صفر إلى 23 عاماً نحو 23 في المئة من الحالات، فيما بلغت نسبة من تراوحت أعمارهم بين 24 و38 عاماً نحو 25 في المئة.
أما الفئة العمرية من 39 إلى 53 عاماً، فشكّلت نحو 21 في المئة من الوفيات، مقابل 16 في المئة لمن تراوحت أعمارهم بين 54 و68 عاماً، وثمانية في المئة لمن تراوحت أعمارهم بين 69 و83 عاماً.
وتُظهر بيانات عام 2023 أيضاً أن الفئات الأصغر سناً استحوذت على نسبة كبيرة من الوفيات. فمِن أصل 168 شخصاً فقدوا حياتهم بالانتحار، كان 121 تتراوح أعمارهم بين 13 و42 عاماً. وسُجّل العدد الأكبر في الفئة العمرية من 23 إلى 32 عاماً، بواقع 48 وفاة، تلتها الفئة من 33 إلى 42 عاماً بـ39 وفاة، ثم الفئة من 13 إلى 22 عاماً بـ34 وفاة.
لكن المعالجة عبير جمول تقول إنه لا توجد فئة واحدة يمكن وصفها بأنها “الأكثر عرضة للخطر” بصورة مطلقة، لأن الخطر يتشكل من تفاعل عوامل عدة.
وتضيف أن الانتباه يزداد عندما يجتمع الضغط الشديد مع العزلة أو فقدان الأمل أو وجود محاولة انتحار سابقة. وقد يكون الأشخاص الذين تعرّضوا لخسارة أو نزوح أو عنف أو سوء معاملة أكثر هشاشة، إلى جانب من فقدوا مصادر دخلهم أو يعانون من ضغوط مالية شديدة أو عزلة اجتماعية أو مشكلات نفسية وأمراض مزمنة.
أزمات متراكمة من دون فرصة للتعافي
توضح المعالجة عبير جمول أنه لا يمكن تفسير الوفيات بالانتحار بعامل واحد، إذ يكون السلوك الانتحاري عادة نتيجة تراكم عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وبيئية، لا نتيجة حدث منفرد.
لكنها تقول إن ارتفاع هذه الوفيات لا يمكن فصله عن الأزمات المتلاحقة التي يعيشها سكان لبنان منذ سنوات، وما رافقها من حروب ونزوح وفقدان للمنازل ومصادر الدخل والخسارات المتكررة.
وتضيف أن سكان لبنان مروا منذ عام 2019 بأزمات صحية واقتصادية واجتماعية متتالية، قبل أن مجيء الحروب والنزوح، من دون أن تتاح لكثيرين فرصة حقيقية للتعافي بين أزمة وأخرى. وأدى هذا التراكم، بحسب جمول، “إلى إضعاف القدرة على التكيف مع الضغوط، وزيادة مشاعر الخوف وانعدام الاستقرار واليأس والعجز”.
وترى أن الحرب والأزمات المتراكمة لا تمثل تفسيراً وحيداً لارتفاع الوفيات، لكنها قد تزيد مستوى الخطر، خصوصاً عندما تجتمع مع عوامل فردية مثل اليأس الشديد أو الاكتئاب أو تجربة سابقة مع إيذاء النفس أو محاولة الانتحار.
من جهتها، تقول آغاتا عبود، مديرة الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، الذي تديره جمعية إمبرايس بالتعاون مع البرنامج الوطني للصحة النفسية، إن كثيرين نزحوا مراراً أو فقدوا ممتلكاتهم أو أشخاصاً مقربين منهم، مضيفة: “لا يعرف لبنان مرحلة ما بعد الأزمة، فهناك دائماً أزمة جديدة”.
وتوضح عبود أن فقدان المنزل “ليس فقدان جدران، بل فقدان المكان الآمن والروتين والذاكرة والشبكة الاجتماعية”، فيما قد يؤدي النزوح إلى انقطاع الشخص عن معالجه النفسي أو دوائه أو مركز الرعاية الصحية الذي كان يتابع فيه علاجه.
أما فقدان العمل أو مصدر الدخل، فله أثر يتجاوز الجانب المالي، إذ يتلقى الخط اتصالات من أرباب أسر يشعرون بالذنب لأنهم لم يعودوا قادرين على تأمين احتياجات عائلاتهم، أو لأنهم يشعرون بأنهم أصبحوا “عبئاً على الآخرين”.
أكثر من 60 اتصالاً يومياً
تظهر أرقام “إمبرايس” أن الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، تلقّى 6,132 اتصالاً عام 2020، ارتفع عددها إلى 9,859 اتصالاً عام 2021، ثم إلى 12,481 اتصالاً عام 2022.
وتَراجع العدد إلى 11,076 اتصالاً عام 2023، ثم إلى 9,514 اتصالاً عام 2024، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 12,515 اتصالاً عام 2025. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، تلقّى الخط 3,625 اتصالاً.
وتقول عبود إن الخط رصد منذ مارس/آذار 2026 ارتفاعاً لافتاً في عدد الاتصالات، إذ بات يتلقى أكثر من 60 اتصالاً يومياً، أي ما يقارب ضعف العدد المسجل قبل بداية الحرب.
لكنّ قراراً أصدره مجلس الوزراء في مارس/آذار، وجعل الاتصال بالخط مجانياً، ساهم أيضاً في ارتفاع العدد، بعدما أزال عقبة كانت تحول دون وصول بعض الأشخاص إلى الخدمة.
وبحسب عبود، يتحدث معظم المتصلين عن ألم نفسي أو عاطفي، ومشاعر اليأس والعجز، والإحساس بأنهم عالقون في وضع لا مخرج منه، فيما تتحدث نسبة كبيرة منهم عن أفكار انتحارية.
وتتكرر في الاتصالات مشاعر الخوف من المستقبل وانعدام الاستقرار وفقدان الأمل بتحسن الأوضاع، والقلق المستمر على سلامة المتصلين وسلامة المقربين منهم، إلى جانب اتصالات مرتبطة بالعنف الأسري والجسدي والنفسي والجنسي.
كما ارتفعت نسبة الاتصالات التي يتلقاها الخط من أفراد العائلة والأصدقاء والجيران القلقين على شخص يعتقدون أنه قد يكون معرّضاً للخطر. وترى عبود أن ذلك تطور إيجابي، لأنه يعني أن الصمت المحيط بالصحة النفسية والانتحار بدأ ينكسر داخل بعض العائلات.
وشكّل الأشخاص الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و34 عاماً ما بين 57 و66 في المئة من المتصلين خلال الأعوام من 2020 إلى 2022. وفي عامي 2023 و2024، شكّل من تراوحت أعمارهم بين 18 و24 عاماً نحو 33 و29 في المئة من المتصلين على التوالي، فيما تراوحت نسبة من هم دون 18 عاماً بين سبعة و11 في المئة خلال الفترة من 2020 إلى 2024.
من الاستماع إلى التدخل والوقاية
يعمل الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار في لبنان على مدار الساعة، ويقدم خدمة مجانية وسرّية يديرها أكثر من 120 متطوعاً مدرباً بإشراف مختصين في الصحة النفسية.
وتقول آغاتا عبود إن التعامل مع المتصل يبدأ بالاستماع إليه من دون أحكام وبناء الثقة، ثم سؤاله مباشرة عن الأفكار الانتحارية، وتقييم مستوى الخطر ووضع خطة للسلامة بالتعاون معه.
ويشمل التقييم شدة هذه الأفكار وتكرارها، ومدى قدرة الشخص على التحكم بها، وما إذا كانت لديه خطة فعلية أو وسيلة لإيذاء نفسه، إلى جانب المحاولات السابقة ودرجة اليأس والخسائر الحديثة. كما يؤخذ في الاعتبار ما يعرف بعوامل الحماية، مثل وجود دعم اجتماعي وأسباب تدفع الشخص إلى التمسك بالحياة واستعداده لتلقي المساعدة.
وعندما يكون الخطر وشيكاً، يبقى المتطوع أو المتطوعة على الخط، ويسعى إلى ضمان السلامة الفورية وإبعاد أي وسيلة قد تستخدم لإيذاء النفس، مع محاولة إشراك شخص موثوق قريب من المتصل.
ولدى جمعية “إمبرايس” فرق تدخُّل متنقلة تضم طبيباً وممرضاً مختصين بالصحة النفسية، وتعمل في العاصمة بيروت ومدينة طرابلس شمال البلاد، وبعض مناطق جبل لبنان، ويمكنها التوجه إلى الشخص في الحالات الطارئة. كما يجري، عند الضرورة، التنسيق مع الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني والقوى الأمنية والمستشفيات.
وتشير المعالِجة عبير جمول إلى علامات تستدعي الانتباه والتدخل، من بينها الحديث عن الموت أو الانتحار، والتعبير عن اليأس أو الشعور بانعدام المخرج، والقول إن الآخرين سيكونون أفضل من دون الشخص، إضافة إلى الانسحاب المفاجئ من العائلة والأصدقاء، والتغيرات الحادة في المزاج أو السلوك، والحديث عن خطة لإنهاء الحياة أو توديع المقربين بطريقة غير معتادة.
وتشدد جمول على أن السؤال المباشر والهادئ عن الأفكار الانتحارية لا “يزرع” الفكرة في ذهن الشخص، بل قد يساعده على الشعور بأنه مسموع ومفهوم. وإذا كان الخطر وشيكاً، فلا ينبغي تركه وحيداً، بل إشراك شخص موثوق وطلب المساعدة من خدمات الطوارئ أو الصحة النفسية.
أما أبرز العوائق أمام طلب الدعم، فتشمل عدم معرفة أين يمكن الحصول عليه، والوصمة الاجتماعية والخوف من أن يُنظر إلى الشخص على أنه ضعيف، إلى جانب كلفة الرعاية.
وتدعو جمول إلى دعم تنفيذ الخطة الوطنية للصحة النفسية في لبنان، وتعزيز الخدمات المجتمعية ومراكز الرعاية الصحية الأولية، ومواصلة التوعية في المدارس والجامعات وأماكن العمل، والحديث عن الصحة النفسية والانتحار بوعي ومسؤولية.
وتلخص عبود رسالة الخط بالقول: “الأفكار الانتحارية في معظم الأحيان ليست رغبة في الموت، بل رغبة في أن يتوقف الألم. والفرق هنا حاسم، لأن الألم قابل للعلاج”.



