أملاك منظمة التحرير في لبنان: القصة الكاملة

أحمد الحاج علي – المدن
حكاية أملاك منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان يبرز فيها النُبلُ السموألي حين يرفض شخص بيع أو منح عقار فيما فوهة مسدس تشيكي تلامس صدغ رأسه، بينما آخر يسلب 14 شقة، ويعتبر التنازل عن واحدة منها كرماً يستحق الثناء. قضية الأملاك من الأهمية والجدية ما جعل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يخصص لها متّسعاً في كلمته الافتتاحية بالمؤتمر الثامن لحركة فتح قبل ثلاثة أشهر.
الغموض في هذا الملف المالي والعقاري الحساس، كادت أن تكون الحقيقة أولى ضحاياه. “المدن” تحاول الاقتراب منها، وتحلل نشأتها وتطورها، والاستقصاء حول واقعية الرقم المتداول للعقارات وهو 2000 عقار، ومدى إمكانية استعادة بعضها، وحجم الفساد المحيط بهذه القضية، والتمييز بين العقارات داخل وخارج المخيمات. ولذلك كان اللقاء بمساعد سابق لرئيس الأمن السياسي هاني الحسن، ومسؤول تنظيم فلسطيني في لبنان معنيّ أساسي بهذه القضية، إضافة إلى لقاءات واسعة مع عدد كبير من المطّلعين على ملف أملاك منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.
نشأة قضية العقارات
منذ بداية نشأة منظمة التحرير الفلسطينية كان العامل الاقتصادي وكيفية التمويل هاجساً لدى القيمين عليها، فجرى تأسيس الصندوق القومي الذي ترأسه في سنواته الأولى (1964-1969) رئيس البنك العربي عبد المجيد شومان، لكن توسع الصندوق في لبنان من حيث شراء العقارات برز مع تسلم سلوى الحوت منصبها كمعتمدة للصندوق القومي الفلسطيني في لبنان منذ عام 1969 وحتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
ومع ذلك بقيت العقارات المرتبطة بالصندوق قليلة نسبياً إذا ما قيست بتلك التي ستتملكها الفصائل الفلسطينية فيما بعد، وساهمت عدة عوامل في تطورها. وعلى الرغم من اتفاقية القاهرة عام 1969 بقي عدد تلك العقارات محدوداً، ولم يتوسع بشكل كبير إلا بعد خروج الثورة الأردنية من الأردن عام 1971، وقدوم مئات الكوادر إلى بيروت، وإن لم يكن هذا هو العامل الوحيد.
فالحاجة الأمنية لوجود شقق سكنية أو نقاط تخفٍ بدأت تزداد مع التوسع بالاغتيالات الإسرائيلية خلال النصف الأول من السبعينات من غسان كنفاني إلى محمود الهمشري ووائل زعيتر وباسل الكبيسي ووصلت ذروتها بعملية فردان واغتيال القادة الثلاثة عام 1973. فنشطت حينها عمليات شراء الشقق السكنية، والمباني، وخصوصاً بما سيُعرف لاحقاً بـ”جمهورية الفاكهاني”، والطريق الجديدة عموماً. واستفادت هذه الخطوة من الطفرة النفطية بعد العام المذكور.
البعد الأمني في شراء العقارات يمكن ملاحظته في أن أكثر الشقق التي جرى شراؤها في بيروت، كانت تتبع للأجهزة الأمنية الفلسطينية بشكل خاص. وهي جهاز الأمن السياسي الذي يرئسه هاني الحسن، وجهاز الأمن الموحد برئاسة صلاح خلف، وجهاز الأمن المركزي الذي يرئسه هايل عبد الحميد، وجهاز أمن الرئاسة (قوات الـ17 فيما بعد) الذي تولى مسؤولية قيادته علي حسن سلامة، وبعد اغتياله عام 1979 تولى المسؤولية أبو الطيب.
ولا يمكن حصر عمليات شراء الأجهزة الأمنية للعقارات بالتوجس الأمني، بل إن هذه العمليات كانت جزءاً من التنافس الزعاماتي بين هذه الأطراف. وكان ياسر عرفات يلعب دوراً في الحفاظ على التوازن بين الأجهزة الأمنية، ويحرص على أن لا يطغى جهاز الأمن الموحد برئاسة أبو إياد وجهاز الأمن المركزي بقيادة أبو الهول على بقية الأجهزة. وبذلك استطاع الأمن السياسي مثلاً أن يشتري 30 عقاراً في بيروت، معظمها في الطريق الجديدة، كما تملّك الأمن الموحد عدداً مقارباً.
عقارات فصائلية في الطريق الجديدة
يُقدِّر الباحث والكاتب والمصور الفوتوغرافي الفلسطيني يوسف نعنع في حديث لـ”المدن” عدد المقار الفلسطينية المعلنة في الطريق الجديدة قبيل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بواحد وثلاثين مقراً على الشكل التالي:
مكتب الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين (الأمانة العامة)، مكتب الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، مكتب العلاقات الخارجية لحركة فتح، معمل خياطة جلد لمؤسسة صامد، دائرة الإعلام والثقافة في منظمة التحرير، الحزب الشيوعي الفلسطيني، الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، إقليم فتح، الإعلام الموحد، الإعلام الجماهيري، مؤسسة السينما الفلسطينية، الإعلام الخارجي في حركة فتح، الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الجبهة الوطنية (عربي عوّاد وعبد الجواد صالح).
يتابع نعنع: معرض منتوجات مؤسسة صامد، مبنى الأمن الموحّد (مدمّر)، صالة عرض للاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين، مركز التخطيط الفلسطيني، مكتب الأرض المحتلة ومجلة القدس، مكتب إعلام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، مبنى العمليات (مدمّر نتيجة غارة تموز 1981)، مكتب للعمليات بعد تدمير المبنى السابق، مطعم اتحاد المرأة الفلسطينية، جهاز الأمن المركزي، جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، مركز أمن الرئاسة (قوات الـ17)، مبنى هاجمته القوة الإسرائيلية يوم عملية فردان (1973) ويتبع الجبهة الديمقراطية، منجرة لمؤسسة صامد، جيش التحرير الفلسطيني، جبهة التحرير الفلسطينية.
يُلاحظ أن معظم العقارات قد تم شراؤها بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ولا يمكن حصر السبب بانكماش حضور السلطة في لبنان، لكن السبب الرئيسي هو التدفقات المالية التي تضاعفت بعد عام 1975، وخصوصاً مع تعهد الدول النفطية عام 1977 بتقديم منح سنوية قدرها 1.58 مليار دولار إلى سورية، و1.25 مليار إلى الأردن، و250 مليون دولار إلى منظمة التحرير طيلة الأعوام العشرة التالية، ولا يشمل ذلك الأراضي الفلسطينية المحتلة التي خُصص لها مبلغ إضافي قدره 150 مليون دولار. 50 توزعها المنظمة، و100 توزعها بالمشاركة مع الأردن.
إضافة إلى ذلك فإن دولاً عربية أخرى باتت تنفق بسخاء على الأحزاب الفلسطينية المتحالفة أو الموالية لها، ومن أبرز هذه الدول العراق وليبيا. فينقل الباحث يزيد صايغ في كتابه “الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949-1993” عن تقارير أن الجبهة الشعبية ورثت عام 79 ما بين 45 مليون و100 مليون دولار عقب موت وديع حداد. فيما كانت الجبهة الديمقراطية تتلقى من القذافي مليون دولار شهرياً منذ عام 1975، هذا عدا عن شحنات الأسلحة، لذلك كان لليسار الفلسطيني حصة وازنة من العقارات، لكن عددها ظل بعيداً جداً عن منافسة ما تملكه حركة فتح.
توسع فصائلي فعقاري
لم يقتصر شراء العقارات في بيروت على منطقة الطريق الجديدة، بل امتدّ فشمل الكولا وبئر حسن والحمراء وطريق المطار والرملة البيضاء وغيرها من المناطق.
وكلما كثرت أعداد الفصائل، زادت معها المقار المرتبطة بها وبمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. فمثلاً حركة فتح، كبرى هذه الفصائل، بلغ عدد مقاتليها عام 1980 حوالى 15000 مقاتل، يُضاف إليهم 25000 عنصر ميليشيا، وما يعنيه من حاجة إلى توسع بالجسم الإداري المركزي في بيروت، وزيادة في الكادر التنظيمي، وتبرز الحاجة إلى مقرات جديدة في المدن. لكنّ اللافت أن الكادر التنظيمي الثوري الذي يُتوقع أن تكون مقراته الأساسية في المخيمات، انزاح عنها مبكراً، ومنذ بداية السبعينات، لصالح التواجد بالمدن.
خارج بيروت، كانت العقارات أكبر حجماً وأقل عدداً، خصوصاً في منطقة البقاع حيث تتقاطع مصادر عديدة أنها تجاوزت 5000 دونم. إضافة إلى 300 دونم في بلدة جنسنايا قضاء جزين. فضلاً عن عشرات الشقق في صيدا حيث مركز قيادة قوات الجنوب بقيادة الحاج إسماعيل، الذي كان بالقرب من مستشفى غسان حمود.
إضافة إلى عقارات أقل عدداً موزعة ما بين الزهراني وصور وطرابلس وعكار وبعلبك وغيرها. والكثير من هذه العقارات جرى شراؤها بهدف الاستثمار، خصوصاً الزراعية منها، فاشترت حركة فتح فندقين بمنطقة الحمراء، وتملكت اللجنة العلمية- قسم الزراعة في الحركة أراضي زراعية عديدة. وكانت فكرة الاستثمار الزراعي قد توسعت بشكل كبير، فجرى الاستثمار حينها في الكونغو والسودان وموريتانيا والصومال وأوغندا والعراق وغينيا وغيرها.
“صامد”
لا يمكن الحديث عن العقارات وتجاوز ما كانت تملكه مؤسسة صامد. فهذه المؤسسة رفعت مبكراً شعار “مشغل في كل مخيم”، فبنت على أطراف كل مخيم تقريباً، معملاً أو مصنعاً أو أكثر. والغالبية الساحقة من الأراضي تملكتها مباشرة بعد ترخيصها بالدوائر الرسمية اللبنانية عام 1973، وقد تأسست قبل ذلك بثلاث سنوات.
وأسست مشاغل على أطراف مخيمات الرشيدية والبرج الشمالي وعين الحلوة والبداوي ونهر البارد والجليل وبرج البراجنة وشاتيلا، إضافة إلى تأسيس مصانع ومعامل في بيروت والدامور والناعمة والقاسمية.
وقد وظفت صامد 5000 عامل بدوام كامل، وفق معظم المصادر، في 46 مشغلاً تابعاً لها في لبنان. علاوة على عدة آلاف آخرين كانوا يعملون في بيوتهم. كما وفرت التدريب لأكثر من 30000 شخص بحلول سنة 1982، وإن تفاوتت المصادر بعدد العاملين بدوام كامل ما بين 3000-5000 موظف.
أشهر تجمعات صامد تقع عند أطراف مخيم برج البراجنة، وهي تتكون من عدد من الدونمات، قريبة من طريق المطار. ويضم هذا التجمع المراكز الآتية: مشغل الشهيد باجس أبو عطوان للتحف الشرقية، مشغل الشهيد محمود الهمشري للحدادة، مشغل الشهيد عبد الفتاح حمود للنجارة والأثاث، معمل الحجارة، معمل الحلاوة، معمل ألبان وأجبان، مشغل التطرير، قسم المعارض والمشغل الفني، معمل الشهيد سعيد حمامي للبلاستيك.
تضرر هذا التجمع مع اندلاع حرب المخيمات عام 1985. ورغم المطالبات الأهلية بإعادة ترميمه إلا أنه بعد عام 2000 بدأت بعض القوى ببيع أجزاء منه، وبعد عام 2006 وقعت الفوضى الأكبر. وما أفسدته السياسة بين القوى المتناقضة أصلحته الغنيمة، وجمعتهم على مذهب سياسي واحد. فاقتسم هذه الأراضي الواسعة متخاصمون أمس، وقُضي على أمل كبير بأن تكون صامد عاملاً رئيسياً بالقضاء على البطالة في المخيم كما كان دورها في السابق. وما وقع لمؤسسات صامد بمخيم برج البراجنة يكاد ينطبق على بقية الأفرع في المخيمات الأخرى.
عقارات داخل المخيمات
تتوزع ما بين مقرات فصائلية وروضات أطفال ومراكز صحية وأندية رياضية، ويُقدّر عدد هذه العقارات بالمئات. جزء كبير منها، وبعد خروج الثورة الفلسطينية من لبنان عام 1982، شغلته عائلات دُمّرت بيوتها خلال الاجتياح الإسرائيلي، أو جرى إسكان أسر الشهداء فيها، أو احتله متنفذون، وهو العدد الأقل.
كما جرت أحداث عديدة أثّرت على تملك بعض العقارات في المخيمات، منها انقسام فتح عام 1983، وخروج ياسر عرفات من طرابلس، ومغادرة قواته مخيمي البداوي ونهر البارد. كذلك مغادرة قواته لمخيمي برج البراجنة وشاتيلا في بيروت عام 1988 بعد اشتباكات دامية وطويلة بينها وبين قوات فتح- الانتفاضة.
في عام 2007 وأثناء تولي عباس زكي مسؤولية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، جرى تشكيل لجنة بهدف إحصاء أملاك حركة فتح في المخيمات الفلسطينية، ومن أبرز الأعضاء خيري أبو الحاج، القيادي الفتحاوي الذي قضى ست سنوات في السجون السورية، وغالب صالح الذي تولى مسؤولية إدارة إقليم لبنان في الحركة فيما بعد.
اللجنة جابت المخيمات الفلسطينية الاثني عشرة خلال عدة أشهر، واستطاعت إحصاء المئات منها. لكن وصل تقييم منظمة التحرير إلى نتيجة مفادها، أنه من الصعب استرجاع تلك الأملاك لأسباب عديدة، منها: بعض المقار جرى تداولها بين عدة مالكين، فقدان الكثير من الأوراق التي تثبت الملكية، إشغال بعض المراكز من عائلات ليس لها بديل سكني آخر، إشغال بعض الفصائل الفلسطينية لبعض المقار، والمطالبة بها سيتسبب بأزمات أمنية وسياسية. لذا، جرى تجاوز البحث في إمكانية الحصول على هذه العقارات، التي وفق مصادر عديدة تُقارب خمسمائة مقرّ.
ارتباط لبنان وسوريا
حاولت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بعد عام 2005 تحسين علاقتها بسوريا، وكان ملف أملاك المنظمة الكثيرة فيها أحد البنود والملفات الرئيسية التي يثيرها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع الأسد في لقاءاته المتكررة منذ زيارته الأولى لدمشق كرئيس للسلطة عام 2007.
واستعادة الأملاك في سوريا صحيح أنه هدف قائم بذاته، إلا أنه يمكن أن يخدم هدفاً آخر، بإعطاء دفعة قوية لمساعي استعادة الأملاك في لبنان. فلم يكن عبثاً أن يربط عباس، خلال المؤتمر الثامن لفتح، العقارات في سوريا ولبنان بعبارة واحدة، وذلك حين قال “قمنا وبالاتفاق مع الرئيس اللبناني جوزيف عون بتسليم السلاح التابع لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في المخيمات، ونعمل في إطار لجان مختصة لتحسين أوضاع اللاجئين واستعادة العقارات في لبنان وكذلك الأمر في سوريا بما فيها المدينة التعليمية”.
بعد تعيين أنور عبد الهادي ممثّلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية في سوريا، اكتسب الملف دفعة جديدة، ثمّ تُوّج بضغط سوري أدى إلى تنازل حركة فتح الانتفاضة عن مبنى في الصالحية تحوّل إلى سفارة دولة فلسطين بعد اعتراف الدولة السورية بها عام 2011.
وبعد عام 2019 كلّف عبد الهادي نقيب المحامين السوريين السابق نزار السكيف برفع قضايا في المحاكم السورية لاسترجاع الأملاك، خاصة وأن حركة فتح اكتسبت عنصراً مهماً في السلطة السورية بتعيين فيصل المقداد مع تعيينه نائباً لوزير الخارجية عام 2006، ثم وزيراً عام 2020، وكان يساند حركة فتح في هذا الملف.
مع سقوط النظام السوري نهاية عام 2024، وجدت منظمة التحرير الفلسطينية فرصة لاستعادة هذه الأملاك، فسيطر أعضاء من فتح على مقر فتح الانتفاضة في مخيم اليرموك، لكن ما لبثت هيئة تحرير الشام حينها أن أغلقت المقر، قبل أن تعيده السلطات السورية لفتح بقيادة أبو مازن منذ أشهر.
محاولات ياسر عباس اللاحقة لم تصل بالأمور إلى خواتيمها المرجوّة بالنسبة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. فرغم أن الكثير من المقرات الفصائلية أغلقتها السلطات الجديدة، إلا أن عاملاً طرأ أثّر على مسار استعادة أملاك منظمة التحرير. وهو أن الاحتلال الإسرائيلي رفض كل عروض السلطات السورية بالعودة إلى اتفاقية فك الاشتباك عام 1974، وضاعف من اعتداءاته. الأمر الذي دفع سوريا إلى تهدئة العلاقة مع الفصائل الفلسطينية كافة، والسماح بحرية الحركة المدنية حتى لكثير ممن كانوا يوالون النظام السوري السابق ولم يتورطوا بالدم السوري والفلسطيني. وجرى تجميد ملف أملاك منظمة التحرير الفلسطينية.
لماذا العقارات بأسماء لبنانية؟
يتبادر سؤال أساسي هو لماذا الغالبية الساحقة من عقارات منظمة التحرير الفلسطينية جرى تسجيلها بأسماء لبنانيين، رغم أنه قبل عام 2001 كان مسموحاً التسجيل بأسماء فلسطينية؟
عدا عن السبب الأمني أحياناً، إلا أن هناك أسباباً أخرى، أولها أن تسجيل مئات العقارات بأسماء فلسطينية ربما كان ليثير أزمة مع قطاع واسع من اللبنانيين، حتى ممن هم مؤيدون للقضية الفلسطينية، باعتبار أن ذلك يتناقض مع فكرة السعي نحو العودة وإقامة دولة فلسطينية.
السبب الثاني أن التسجيل بأسماء فلسطينيين يفتح باباً للفساد من الصعب إغلاقه، فضلاً عن أنه يُطلق منافسة محمومة بين القوى الفلسطينية لمضاعفة النفوذ، بشكل أكبر بكثير مما كان قائماً.
أما السبب الثالث، فهو تبلور قناعة لدى العدد الأكبر من قادة حركة فتح تحديداً، خصوصاً بعد الإعلان عن البرنامج المرحلي عام 1974، أن لبنان هو محطة على طريق الدولة الفلسطينية، وليس مقراً دائماً. لذلك كان اللجوء إلى تسجيل العقارات بأسماء لبنانيين، لعدم إثارة مشاكل مستقبلية. لكن في الوقت نفسه، كتابة ورقة تنازل عند كاتب عدل، إضافة إلى إشارة على سند التمليك تمنع التصرف المنفرد.
وهناك ملاحظة مهمة أن الكثير من الإشارات هي “يُمنع التصرف بالعقار دون موافقة فاروق القدومي”، الذي هو رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير. أما لماذا القدومي، فالأرجح بسبب علاقاته الجيدة بالنظام السوري، فقد كان بعثياً قبل مشاركته في تأسيس حركة فتح. وهو ما يُسهم مستقبلاً في حل أية إشكالات حول العقارات مع هذا النظام، حسبما خمّن قياديون في فتح حينها.
أين صارت العقارات؟
قبل الإجابة، تقود المتابعات إلى أن الرقم المتداول عن أن عقارات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان (خارج المخيمات)، يقترب عددها من 2000 عقار، هو رقم مبالغ فيه، ومن الصعب جداً معرفة الرقم الحقيقي.
أحد الأسباب مرتبط بمصير العقارات، إذ إن الكثير منها جرى السيطرة عليها من أحزاب لبنانية نافذة، أو من شخصيات ذات حضور سياسي، خصوصاً أن هناك من باع عقاراً لمنظمة التحرير صورياً وبقيت أوراق تسجيل العقار باسمه، ونفوذه فيما بعد سمح له بالاستيلاء المباشر. وهناك أمثلة أخرى، استغلت الضعف السياسي لمنظمة التحرير، ووضعت اليد على عقارات، وأجبرتها على البيع بأسعار منخفضة أو رمزية.
وفي مدينة صيدا كانت معظم الأملاك يجري تسجيلها باسم شركة معروفة، أُسست لهذه الغاية، لكن بعد عام 1990، توافق أصحاب هذه الشركة على ضم تلك العقارات إلى أملاكهم الشخصية.
وهناك ملاحظة جوهرية أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية كانت مقيدة في بيروت من عام 1982 حتى عام 2005 بفعل التواجد السوري، مما سمح لبعض ضباط المخابرات السورية بالاستيلاء على بعض الشقق السكنية التي كانت ملكاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإن لم يتحول ذلك إلى ظاهرة. كما أن بعض الفلسطينيين المتنفذين حينها استولوا على بعض العقارات في بيروت.
وهناك شهود حول واقعة، حين اقتيدت شخصية لبنانية معروفة، لكي تتنازل بقوة السلاح عن أملاك مسجلة باسمها، وتتبع منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها رفضت رغم تهديدها بالقتل.
وتبرز أمثلة لساكني بعض العقارات، وهم لا يملكون مأوى آخر، فجرى التسامح معهم، لمكافأتهم “على ما قدّموا للقضية الفلسطينية”. وخلال 23 عاماً (1982-2005) تُوفي كثيرون من قاطني أملاك منظمة التحرير، وتوزع ما هو مسجّل باسمهم على الورثة، مما زاد من تعقيد القضية.
وهنا يبرز سؤال جدي: كيف استطاع البعض التصرف بالعقار الذي تملكه المنظمة، سواء ببيعه أو إيجاره، رغم القيود التي وضعتها المنظمة، عند كاتب العدل أو الإشارة التي تمنع التصرف؟
مثال في منتصف العقد الأول من الألفية، قدم ثلاثة أشخاص من الأردن، واستطاعوا بيع مبنى في منطقة الحمراء ببيروت. وعند انتشار الخبر، قدمت امرأة من عاصمة أوروبية، تحمل أوراقاً تثبت أن إحدى الشقق في المبنى تعود إليها، ورفعت دعوى في المحاكم اللبنانية.
ولا يفوت التذكير بتنازع حول أرضين، الأولى في بعلبك، وتُقدّر مساحتها بحوالي 30 دونماً، وهي عند أطراف مخيم الجليل. وتتقاطع المصادر أن مسؤول تنظيم عسكري لبناني نشط خلال الحرب الأهلية اللبنانية في المنطقة الشرقية حينها، كان له دور في عملية البيع. حاولت منظمة التحرير استعادتها من شاغليها، لكن دون الوصول إلى نتيجة. كما وقعت أزمة أخرى بعد أزمة مخيم نهر البارد (2007 )، حين ادّعى لبناني أن أرض الملعب في المخيم تعود إليه، فيما تقول منظمة التحرير أن اشترت الأرض منه، ولا تزال المحاكم تنظر بالدعوى.
مقابل من استعصوا، ورفضوا إعادة الأملاك، هناك حالات كثيرة للبنانيين أعادوا أملاك منظمة التحرير الفلسطينية، رغم أن بعضها يساوي ملايين الدولارات. وهنا تبرز سلوى الحوت التي حافظت على الأراضي المسجلة باسمها في بئر حسن، ثم أقامت الأونروا عليها مدرسة الجليل إضافة إلى قسم للعيادات.
كما تظهر شخصية لبنانية هي زوجة مسؤول فلسطيني كبير، أعادت قطعتي أرض في منطقة سيروب، الأولى أقامت الأونروا عليها مدرسة دير القاسي، ومن المنتظر أن تقيم على الأخرى مدرسة نموذجية. وهناك شخصية بقاعية معروفة ردّت مئات الدونمات.
ويُلاحظ أنه لم تظهر أزمة عقارات لدى قوى اليسار الفلسطيني، أولاً لقلتها، وثانياً بسبب أن هذه القوى لم تنقطع سوى سنوات قليلة عن أملاكها بسبب أحداث أمنية. وإن ظهرت حالات نادرة استعصى ساكنو العقار، فوُجّهت تهديدات لهم، وجرى استعادة العقار.
هل هناك فساد؟
قضية العقارات تفجرت بحديث السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور في نهاية العام الماضي عن فساد في صفقة بيع مبنى السفارة الفلسطينية القديم مع موقف السيارات عند كورنيش المزرعة، وقال إنه رفض عملية البيع “لما علمته من أن السعر المراد البيع به لا يساوي نصف القيمة الحقيقية للعقار والأرض المحيطة به وفق ما قدّرته لجنة التخمين العقارية. وهذا ما جاء ضمن رساله أرسلتها الى الرئيس ابو مازن أوضحت له فيها موقفي ذلك. إلا أن المكلفين من الشرعية الفلسطينية واصلوا إجراءات البيع وفعلاً تم ذلك. وسأكشف لاحقاً قيمة المبنى والأرض التقديرية التي قدمتها لجنه التخمين، والفرق الكبير بينها وبين القيمة التي تمت عملية البيع بها”. ثم نشر تصريحاً آخر قال إنه عُرضت عليه رشوة بخمسمائة ألف دولار ليوافق على الصفقة.
وردّ حينها مصدر مسؤول في منظمة التحرير عبر وكالة “وفا” الرسمية إن “الشائعات التي أطلقها السفير السابق أشرف دبور والمحال إلى التقاعد والمطلوب للعدالة في قضايا فساد حول أملاك منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، لا أساس لها من الصحة.”
وأكد أن” الهدف من بث هذه الأكاذيب هو التشويش على التحقيقات الجارية حول الكثير من الملفات المالية والعقارية المتهم بالتصرف فيها خلال فترة عمله في سفارة دولة فلسطين في لبنان من عام 2012 إلى عام 2025، بصفته المفوض بالتوقيع على حسابات السفارة المالية، وإجرائه صفقات شراء عقارات ودفع أثمان بخلاف قيمتها الحقيقية، وسحب مبالغ نقدية من حسابات السفارة والاحتفاظ بها في صندوق شخصي خاص به”.
زاد الأمر خطورة أن الاتهامات المتبادلة بالفساد هي بين عضو اللجنة المركزية والمبعوث الخاص إلى لبنان ياسر عباس وسفير فلسطيني قضى 13 عاماً يتبوأ تلك المسؤولية. وما ضاعف الحيرة لدى قطاعات فلسطينية واسعة، هو أن هناك غموضاً يلف تلك القضية المالية الحساسة، فلا عدد العقارات منشور، ولا ثمنها، ولا ما تبقى منها. والأدهى من ذلك، أن اللجنة المعنية بمتابعة الملف غير معلنة، ولم يظهر مرسوم واضح حول التكليف، بل الاكتفاء بما هو متداول من أن اللجنة يرئسها ياسر عباس.
وحين الرد على أشرف دبور لوكالة “وفا”، كان الاكتفاء بذكر مصدر مسؤول، والتغاضي عن الاسم. واعترف المصدر وقتها بأنه تمّ استعادة بعض الأملاك مؤخراً، دون ذكر أية تفاصيل.
خلاصة القول، إن ملف أملاك منظمة التحرير فيه من التعقيدات وربما المبالغات والصراعات ما يستدعي تمام الوضوح لا الغموض القائم، وقوة القانون، فالفساد يبدأ حين تنتهي سلطة القانون، وينمو في العتمة، ويقتله الضوء.



