أخبار محلية

طارق متري: من قال لا أعلم فقد أفتى

نداء الوطن – سامر زريق

أثار موقف نائب رئيس الحكومة طارق متري حول لبنانية “حزب الله” جدلا واسعًا، قابله احتفاء إعلامي “ممانع” غلب عليه الافتعال. لكن المشكلة تتجاوز حدود الموقف من “حزب الله”، لتكشف عن إشكالية أوسع في أداء رجل كان يفترض أن يكون أحد “الأصول” السياسية والفكرية لحكومة نواف سلام، فإذ به يتحول إلى شاهد متحفظ على مرحلة يفترض أن يكون شريكًا في صناعتها.

حين طرح اسم متري خلال “ماراتون” تشكيل الحكومة، لم يُنظر إليه بوصفه وزيرًا من فريق رئيس الحكومة، بل كقيمة مضافة ورافعة استراتيجية لخطاب حكومة “تكنوقراط” تقود البلاد في مرحلة انتقالية. فالرجل يحمل رصيدًا سياسيًا ودبلوماسيًا وأكاديميًا، وتجربة دولية يفترض أن تجعل منه أحد أكثر أعضاء الحكومة قدرة على قراءة التحولات وصياغة المواقف.

لكن التجربة جاءت أقل من التوقعات: إطلالات محدودة، “فاولات” سياسية متكررة، وتحفّظ يكاد يتحول إلى منهج، في لحظة لا تحتمل الصمت.

الملاحظة التي لا يمكن تجاوزها أن متري نفسه أثبت قدرته على أن يكون مختلفًا. في إطلالته على “بودكاست” منصة “أثير” التابعة لـ”الجزيرة”، في حلقة بعنوان “دبلوماسية اللحظات الأخيرة في الشرق الأوسط”، ظهر الرجل بجدية ورصانة وشغف، وتحدث بإسهاب عن تجربته الدولية ومفهوم الوساطة، وعن مهمته مبعوثًا خاصًا للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا بين عامي 2012 و2014، وتناول ملفات شائكة.

إذًا ما الذي يحدث عندما يتحدث متري بصفته مسؤولا في الحكومة؟

تكثر عندها أدوات الشك وعدم اليقين: “ربما”، “أعتقد”، “لا أعلم”، أنا مش مطلع”…

يقول إن “حزب الله” لبناني، وإنه “ربما” للإيرانيين مشاركة في عملياته العسكرية. وهذه الـ”ربما” تتجاوز حدود الدبلوماسية، لتمنح التدخل الاستخباراتي والأمني الإيراني مشروعية، قد تتحول إلى طعن بقرارات الحكومة.

كيف يكون نائب رئيس الحكومة “غير مطّلع” على طبيعة مشاركة الحرس الثوري الإيراني في لبنان، فيما اتخذت الحكومة التي هو نائب رئيسها قرارًا بملاحقة وتوقيف وترحيل عناصره؟ وكيف تتحول مشاركة هؤلاء إلى “ربما” بعدما قتل عدد منهم في استهدافات إسرائيلية؟ هل نائب رئيس الحكومة “مش مطلع”، أم أنه مطلع فقط على الملفات التي لا تزعج أحدًا؟

أما القول إن تمويل إيران لـ”حزب الله” لا ينفي لبنانيته، فهو تسخيف للمشكلة. فلا أحد يناقش جنسية “الحزب” أو عنوانه القانوني. المشكلة في اختلال التوازن بين البعد الوطني والبعد الولائي لحساب الثاني. وبينما أعلن “الحزب” عن وثيقة سياسية عام 2009 للتأكيد على هويته الوطنية، نجد أنه أعلن قبل أسابيع “بيعة” علنية للمرشد الجديد. وفوق ذلك، لا تكاد إيران تغيب عن خطاب قياداته ونوابه ومواقفه.

والأدهى أن متري يقول إنه لم يسمع المحللين الذين يهاجمون التدخل الإيراني يقدمون خطة عملية لمواجهته. في هذه النقطة يبدو أن “الأستاذ” نسي موقع “المسؤول”. فالمحللون ليسوا الحكومة، والجمهور ليس السلطة التنفيذية. ومهمة الحكومة أن تضع السياسات وتحدد المخاطر وتقترح الحلول وتنفذها.

وحين يقول متري إن الجيش “قد” يتراجع في خطة تسليم السلاح، فهذه رسالة سياسية تستحق التوقف عندها، إلى جانب إشارات أخرى مررها على طريقته. لكن السؤال الأوضح الذي لم يطرح عليه: هل يقبل المشاركة في المفاوضات مع إسرائيل ممثلا عن الدولة اللبنانية؟

وبينما يعرف عن متري عمق إطلاعه على التراث الإسلامي، فإنه “ربما” متأثر بالإمام مالك بن أنس، الذي يروي عنه الإمام الشافعي مقولة شهيرة “من قال لا أعلم فقد أفتى”، تحولت الى قاعدة أساسية في الفقه الإسلامي لتحري الأمانة العلمية، ويمكن إسقاطها على الفقه السياسي معطوفة على مقولة لعمر بن عبد العزيز “من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم”، بما يعطي انطباعًا بأن المسؤول عن العلاقات مع سوريا يظهر جانبًا أمويًا.

لكن في السياسة، ثمة نصف آخر لا يجوز للمسؤول أن يتهرب منه: أن يعرف، وأن يقرر، وأن يتحمل مسؤولية القرار. “ربما” كان متري يناور دبلوماسيًا ويمرر رسائل سياسية على طريقته. لكن المناورة حين تصبح جوابًا دائمًا، تفقد قيمتها الدبلوماسية وتتحول إلى عجز سياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |