تململ داخل البيئة الشيعية: إلى متى يدفع الناس كلفة الحرب؟

نداء الوطن – ناديا غصوب
مع تصاعد الغارات الإسرائيلية وتوسع الدمار في قرى الجنوب، تعود إلى الواجهة أسئلة كانت مؤجلة داخل البيئة الشيعية. لم تعد تقتصر على الخسائر الميدانية، بل تمتد إلى جدوى استمرار المواجهة، ودور الدولة، ومستقبل “اتفاق الإطار” الذي كان من المفترض أن ينقل المنطقة من الحرب إلى الاستقرار.
ما كان يفترض أن يكون مرحلة انتقالية نحو تثبيت الهدوء في الجنوب، يتحول تدريجيًا إلى اختبار مفتوح لقدرة الدولة على فرض حضورها، وقدرة “اتفاق الإطار” على الصمود أمام الوقائع الميدانية. فبينما تستمر إسرائيل في توسيع ضرباتها، تتراكم في المقابل داخل البيئة الشيعية الجنوبية أسئلة أكثر مباشرة حول كلفة الحرب وجدوى استمرارها، وحول الجهة التي يفترض أن تتولى حماية الناس وإعادة بناء ما تهدّم.
جوهر النقاش اليوم لم يعد عسكريًا فقط، بل يتعلق بشكل المرحلة المقبلة: هل يبقى الجنوب أسير معادلة السلاح والردع، أم يبدأ الانتقال فعليًا إلى مرجعية الدولة؟ وبين هذين الخيارين، تتسع مساحة التململ الاجتماعي، لا بوصفه تمردًا على “حزب الله” أو حركة “أمل”، بل بوصفه تعبيرًا عن إرهاق بيئة دفعت كلفة ثقيلة وتريد أن تعرف إلى أين تتجه الأمور.
التصعيد الإسرائيلي الأخير لم يعد يقتصر على الأهداف العسكرية. امتد إلى منازل ومبان ومرافق مدنية، وسقط جراءه قتلى وجرحى في مناطق مأهولة. وتدمير مستشفى غندور في النبطية الفوقا، الذي توقف عن العمل قبل شهرين بسبب الاعتداءات الاسرائيلية، أعطى لهذا التصعيد دلالة إضافية. فبينما تعلن إسرائيل أن أهدافها مرتبطة بـ”حزب الله” وبناه العسكرية، يدفع الأهالي الثمن المباشر: نزوح متجدد، وخسائر اقتصادية، ودمار يطاول ما تبقى من مقومات الحياة.
هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة نقاشًا داخليًا داخل البيئة الشيعية. وهو لا يعني قطيعة مع “حزب الله” أو “أمل”، ولا يشكل انقلابًا في المزاج العام، لكنه يكشف عن تململ اجتماعي يتسع مع طول أمد الحرب. ما كان يناقش خلف الأبواب المغلقة بات يخرج إلى العلن، خصوصًا بين الشباب والعائلات التي تشعر بأنها تدفع ثمنًا يوميًا من دون أفق واضح للنهاية.
المعادلة معقدة. فالاعتداءات الإسرائيلية تعزز لدى كثيرين منطق المواجهة، وفي الوقت نفسه تفرض الخسائر المتراكمة سؤالا آخر: هل استمرار الحرب يحقق مصلحة أهالي الجنوب؟ ومن يتحمل كلفة الإعمار؟ ومتى يصبح للأمن مرجعية واحدة هي الدولة؟
“اتفاق الإطار” كان يفترض أن يكون الجواب. يقوم على وقف الأعمال العسكرية وانسحاب إسرائيل تدريجيًا وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوبًا. لكن الواقع يسير عكسه. الغارات مستمرة، ورقعة التدمير تتسع، وانتشار الجيش لا يزال دون المستوى المطلوب لتوفير حماية فعلية. لذلك يطرح الأهالي السؤال الأكثر إلحاحًا: أين أصبح الاتفاق؟ وهل هو قادر على التحول من إطار تفاوضي إلى آلية حماية حقيقية؟
هذه الحساسية ظهرت أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية. عائلات باتت تحذر من إقامة مناسبات اجتماعية في منازلها خوفًا من أن تكون صلة أحد الحاضرين بجهة حزبية سببا في استهداف المكان. قد لا تكون هذه الظاهرة عامة بعد، لكنها تعكس حجم القلق الذي رافق الحياة اليومية في بعض القرى.
وسط هذا المشهد برزت معلومة سياسية لافتة: اتفاق بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري على نشر الجيش في مدينة النبطية. الهدف المعلن هو تفادي أن تلحق بالمدينة مصير مناطق مثل “علي الطاهر”. هذه الخطوة، إن نُفذت، قد تشكل أول اختبار عملي لجدية الدولة في بسط سلطتها وحماية المدنيين، ولقدرة الاتفاق على إنتاج وقائع مختلفة على الأرض.
لكن حتى اللحظة لا يزال المشهد أبعد من الثنائية السهلة “مع أو ضد”. البيئة الشيعية الجنوبية مرتبطة بتاريخ وعلاقات اجتماعية وسياسية عميقة. ما يحدث هو تحوّل في الأولويات: من سؤال الانتصار والمواجهة إلى سؤال الحياة والاستقرار والدولة. جمهور يريد الحماية من الاعتداءات، ويريد في الوقت نفسه أن تنتهي الحرب، وأن يعود إلى بيته، وأن يرى الدولة تعيد الإعمار وتفرض الأمن.
المفارقة أن هذه الأسئلة تبرز في اللحظة التي كان من المفترض أن يبدأ فيها “اتفاق الإطار” بإنتاج نتائجه. فكلما طال التصعيد وتأخر انتشار الجيش، بقي الجنوب عالقًا بين خطاب سياسي يتحدث عن الدولة وواقع ميداني يعيد إنتاج الحرب.
السؤال لم يعد إذا كان هناك تمرّد داخل البيئة الشيعية. السؤال هو: هل ستتحول هذه الأصوات المتفرقة إلى ضغط حقيقي يدفع المسار السياسي إلى التقدم؟ وهل يستطيع “اتفاق الإطار” أن يصمد أمام امتحان الميدان، أم سيبقى حبرًا على ورق بينما يدفع الجنوبيون الكلفة؟




