جلسة نيابية لاستجواب الحكومة أم لمساءلة حزب الله؟

لم يأتِ قرار رئيس مجلس النواب نبيه بري الدعوة إلى جلسة عامة لمناقشة الحكومة يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين في لحظة سياسية هادئة. فالجلسة، وإن كانت تستند في شكلها إلى حق نيابي في مساءلة الحكومة، تنعقد فيما يعيش الجنوب على وقع الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية، وفيما عاد ملف حصر السلاح وبسط سلطة الدولة إلى صدارة النقاش السياسي، داخلياً وخارجياً.
لذلكَ، سيكون من الصعب التعامل مع الجلسة باعتبارها مجرد استحقاق دوري لمناقشة أداء الحكومة. فالأسئلة التي سيطرحها النواب قد تبدأ من الكهرباء والغلاء والتعليم والتعيينات والإصلاحات، لكنها لن تنتهي عندها. في الخلفية سؤال أكبر: ماذا فعلت الحكومة بقراراتها المتعلقة بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة؟ وماذا تستطيع أن تفعل في ظل حرب مفتوحة واحتمالات توسعها؟
من هذه الزاوية، تتحول الجلسة إلى اختبار سياسي مزدوج: للحكومة التي ستضطر إلى الدفاع عن أدائها وقراراتها، وللمجلس النيابي الذي سيجد نفسه أمام الانقسام السياسي نفسه الذي يحكم البلاد، ولا سيما في مسألة السلاح ودور حزب الله.
حق نيابي… لكن لماذا الآن؟
من الناحية الإجرائية، لا خلاف على حق مجلس النواب في عقد جلسة لمناقشة الحكومة. فالنظام الداخلي ينص على عقد جلسة لمناقشة عمل الحكومة وتوجيه الأسئلة إليها بعد انعقاد كل ثلاث جلسات عامة. لكن السياسة اللبنانية لا تُقرأ دائماً من النصوص وحدها، بل من توقيت تطبيقها أيضاً.
وهنا تحديداً يطرح النائب وضاح الصادق علامة استفهام حول استعادة هذا الحق في هذه المرحلة. فهو لا ينكر أن عقد الجلسة حق قانوني، لكنه يسأل: “هذه لعبة سياسية. هو حق قانوني، ولكن لماذا يأتي هذا الحق عند رغبة معينة؟”.
بالنسبة إلى الصادق، لا يمكن فصل الجلسة عن السياق السياسي الذي سبقها. فمنذ دخوله المجلس النيابي، يقول، لم تُعقد سوى جلستين لمناقشة الحكومة، ما يجعل العودة إلى هذا الاستحقاق، في رأيه، محكومة بخلفيات سياسية تتجاوز مسألة تطبيق النظام الداخلي.
ووفق قراءته، تأتي الحكومة إلى هذه الجلسة وهي واقعة تحت أكثر من ضغط: ضغط الحرب، وضغط الشارع، وضغط القوى السياسية. كما أن بعض النواب يريدون رفع مستوى الضغط عليها، فيما بدأ يُسمع في أكثر من مكان حديث عن آمال بإعادة الرئيس نجيب ميقاتي إلى المشهد الحكومي.
السلاح يدخل من باب الحكومة
يبدو أن ملف حزب الله سيكون أحد أبرز عناوين الجلسة، وقد دخل رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل عملياً إلى هذا النقاش من خلال سؤال وجّهه إلى الحكومة حول تنفيذ قراراتها المتعلقة بحصر السلاح وبسط سلطة الدولة، محذراً من أن عدم تحمّل الدولة مسؤولياتها قد يؤدي إلى اتساع رقعة الحرب وتهديد مناطق إضافية في لبنان.
ويختصر الجميّل المسألة بثلاثة أسئلة مباشرة للحكومة: “شو عملتوا، وشو رح تعملوا، وشو الجدول الزمني لتنفيذ القرارات؟”.
وتضع هذه الأسئلة الحكومة أمام معادلة شديدة الحساسية. فمن جهة، عليها أن تؤكد أن قراراتها ليست مجرد إعلان سياسي. ومن جهة أخرى، عليها أن تشرح كيف يمكن تنفيذها في واقع أمني لا يزال محكوماً بالحرب وبوجود سلاح خارج مؤسسات الدولة، فيما تستمر إسرائيل في اعتداءاتها وتهديداتها.
مجلس النواب يعكس الانقسام اللبناني
ليس متوقعاً أن يدخل مجلس النواب الجلسة بموقف موحّد. فالمجلس، في نهاية المطاف، يعكس الانقسام السياسي القائم في البلاد، وموضوع السلاح هو أحد أكثر وجوه هذا الانقسام وضوحاً.
النائب في كتلة التنمية والتحرير قاسم هاشم لا يرى في ذلك مفاجأة. ويقول لـ”المدن” إن “هذا أمر طبيعي أن يصير في انقسام لأن في انقسام بالواقع السياسي ومنعكس”، مشيراً إلى أن الآراء المختلفة حول الملفات ستنعكس داخل المجلس بحسب كل كتلة وزاويتها.
ويضع هاشم موضوع حزب الله والسلاح في إطار النقاش السياسي العام القائم في البلاد، معتبراً أن من الطبيعي أن يكون لهذا النقاش انعكاسه داخل البرلمان.
أما بالنسبة إلى المعارضة، فلا تبدو الجلسة مجرد مناسبة للحديث في الملفات العامة، بل فرصة لإعادة وضع الحكومة أمام مسؤولياتها.
النائب في التيار الوطني الحر سيزار أبي خليل يقول إن كتلته طالبت أكثر من مرة بعقد جلسة لمناقشة الحكومة، مشيراً إلى أنهم، باعتبارهم في المعارضة، يريدون “كل يوم” مناقشة الحكومة في ما يعتبرونه “الفظائع” التي ترتكبها، سواء على المستوى السياسي أو في القطاعات المختلفة.
ويشير إلى أن أجواء الجلسة لن تكون مريحة، وأن الملفات ستتوزع على أعضاء الكتلة، فيما سيكون السلاح من بين العناوين التي ستتناولها.
لكن أبي خليل يطرح إشكالية تتجاوز ملف السلاح نفسه، وتتصل بمبدأ التضامن الحكومي. فالأطراف السياسية الموجودة داخل الحكومة، في رأيه، لا يمكنها أن تكون في الوقت نفسه جزءاً من السلطة التنفيذية وتقوم بدور مساءلتها من داخل المجلس.
ويقول إن من يفترض أن يكون في موقع المساءلة هو المعارضة، بينما “الأطراف الأخرى ممثلة بالحكومة”، معتبراً أن قيام قوى ممثلة في الحكومة بمساءلتها يضرب مبدأ التضامن الذي أعلن عنه رئيس الحكومة نواف سلام.
ومن هنا يطرح السؤال: “ما جدوى استمرار الحكومة إذا أعضاؤها غير راضيين عن عملها؟”.
من يملك قرار الدولة؟
بالنسبة إلى النائب التغييري فراس حمدان، لا يمكن اختزال الجلسة في صراع سياسي حول الحكومة. فلبنان أمام مجموعة من التحديات المتزامنة: مناطق لا تزال محتلة، خشية من توسع الاحتلال، وقرارات حكومية لم تُستكمل ترجمتها، فضلاً عن أزمة اجتماعية واقتصادية تتجلى في الكهرباء والتعليم وغيرهما.
يقول حمدان لـِ “المدن” إنه أمام هذه التحديات والقرارات الصادرة عن الحكومة، من الضروري أن يكون هناك نقاش تبرر خلاله الحكومة مواقفها وأداءها.
وفي الشق السياسي، يعلن دعمه “لبسط سلطة الدولة والدور المرتبط بدور الدولة والخروج من الإفلات من العقاب والإصلاحات الاقتصادية والمالية”، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن لديه أسئلة يريد طرحها على الحكومة.
“القرار اتخذ”… فماذا بعد؟
النائب عن الجمهورية القوية سعيد الأسمر يذهب إلى صلب المسألة: لا مشكلة في أن يسأل كل نائب عما يريد، لكن الأهم هو معرفة أين أصبحت قرارات الحكومة.
يقول لـِ “المدن”: “كل واحد حقه يسأل اللي بدو اياه ونسمع الأجوبة إذا بترضي، وبالدرجة الأولى نريد أن نرى أين صارت قرارات الحكومة وتنفيذها”.
ويقر الأسمر بأن الحكومة تعمل في ظروف استثنائية، تحت ضغط معيشي وأمني وفي حالة حرب، لكنه يرى أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من دون سيادة وطنية.
وفي المقابل، يلفت إلى حاجة لبنان إلى مساعدات دولية، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، معتبراً أن حل ملف السلاح بات مرتبطاً، في نظر كثير من الجهات الدولية، بقدرة لبنان على الحصول على الدعم والمساعدة.
وبالنسبة إليه، لا تكفي القرارات. ويقول: “الحكومة أخذت قراراتها، لماذا لا تطبق؟ القرار اتخذ وما علينا إلا التنفيذ”.
حزب الله: لا تصعيد في العلن
في الجهة المقابلة، لا تبدو كتلة الوفاء للمقاومة في وارد التعامل مع الجلسة باعتبارها معركة سياسية تستوجب التصعيد منذ بدايتها.
في الجلسات النيابية الأخيرة، كان حضور حزب الله هادئاً، مع ميل إلى الاستماع ومتابعة النقاش، ثم الرد عند الحاجة. ويبدو أن هذا النهج مرشح للاستمرار في الجلسة المقبلة.
النائب عن كتلة الوفاء للمقاومة حسين الحاج حسن يقول لـ”المدن” إن جلسات مناقشة الحكومة يفترض أن تُعقد بصورة منتظمة، إلا أن ظروفاً معينة حالت دون انعقادها.
وعن استعدادات الكتلة للجلسة، في ظل كون أحد عناوينها الأساسية مرتبطاً بالحزب والسلاح، يقول: “نحن نسمع ونواكب بالمطلوب، ونحن نقرر شو بدنا نعمل”.
لكن الحزب لن يدخل الجلسة، وفق ما يوحي به موقف الحاج حسن، من بوابة السلاح وحدها. فهو يتحدث عن مساءلة الحكومة في ملفات التعيينات والكهرباء وغيرها، ويقول إن الكتلة ستسائل الحكومة عن فشلها في “مجال التعيينات، الكهرباء، واتفاق الإطار”.
وبذلكَ، لا يبدو أن الحزب يريد السماح بتحويل الجلسة إلى استفتاء حصري على سلاحه، بل سيضع أداء الحكومة نفسها على طاولة النقاش، في محاولة لإعادة توزيع ثقل المساءلة على ملفات متعددة.
لا تبدو جلسة الثلاثاء والأربعاء مجرد جلسة لمناقشة الحكومة، بل محطة في مسار سياسي أكبر، تتداخل فيه الحكومة مع المجلس النيابي، والانقسام السياسي مع الحرب، وصولاً إلى السؤال الأهم: من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يملك القدرة على فرض قرار الدولة؟
من هنا تكمن أهمية الجلسة. فهي لن تؤدي، على الأرجح، إلى إسقاط الحكومة أو إلى تحول فوري في ملف السلاح، لكنها ستكشف حدود التوافق داخل السلطة: حكومة مطالبة بتنفيذ قراراتها، ومعارضة تحاسبها على التنفيذ، وحزب الله يرفض تحويل النقاش إلى محاكمة أحادية الجانب، فيما يحاول بري ضبط سقف الاشتباك.
نغم ربيع – المدن




