قصة سليمان هلال الأسد كاملة: من سطوة اللاذقية لمداهمة البقاع

لم تمر ليلة الجمعة بهدوء في منطقة بعلبك اللبنانية، فمداهمة نفذتها مخابرات الجيش اللبناني لشبكة اتجار بالمخدرات انتهت بتوقيف عدد من الأشخاص، بينهم علي، نجل الموقوف نوح زعيتر، لكن الاسم الذي سرعان ما نقل العملية من خبر أمني محلي إلى حدث يتردد صداه في سوريا كان سليمان هلال الأسد، أحد أبناء العائلة التي حكمت البلاد لأكثر من نصف قرن، والرجل الذي ارتبط اسمه في ذاكرة سكان اللاذقية بسنوات طويلة من السطوة والعنف والشعور بأن القانون يقف عند حدود اسم العائلة.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها “المدن” جرى توقيف سليمان الأسد خلال المداهمة ونقل الموقوفين إلى ثكنة أبلح مع مطالبة دمشق بتسليمه على خلفية اتهامات تتصل بجرائم قتل وتهريب مخدرات، من دون أن يصدر، حتى وقت إعداد هذه المادة، بيان رسمي مفصل يوضح طبيعة التهم التي ستلاحقه في لبنان أو مصير طلب التسليم السوري.
مدينة تعرف الاسم جيداً
في اللاذقية، لا يحتاج اسم سليمان الأسد إلى كثير من التعريف، فقبل أن يصل إلى صفحات المحاكم والأخبار، كان قد تحول بالنسبة إلى كثير من أبناء المدينة إلى صورة مكثفة لنمط من السلطة لا يستمد قوته من منصب رسمي بقدر ما يستمدها من الاسم، والسلاح، والرجال الذين يتحركون حول صاحبه، ومن قناعة راسخة لدى الناس بأن الاعتراض قد تكون كلفته أكبر بكثير من السبب الذي بدأ منه الخلاف.
تتداخل في الذاكرة المحلية حول سليمان عشرات القصص؛ بعضها موثق وبعضها ظل حبيس الرواية الشفهية، عن سيارات فارهة تشق شوارع المدينة بسرعات جنونية، وعن إطلاق نار في الهواء ومشاجرات تنتهي عندما يعرف الطرف الآخر مع من يتعامل، وعن مقاه ومحال كان حضوره إليها كافياً لتغيير سلوك من فيها، فيما بقيت روايات أكثر قسوة تتناقلها أوساط من سكان اللاذقية والقرداحة عن فتيات كان مجرد أن تلفت إحداهن انتباهه كافياً، وفق تلك الروايات، لكي تبدأ ضغوط يصعب على الفتاة أو عائلتها مقاومتها في بيئة يعرف الجميع فيها مقدار النفوذ الذي يحمله الاسم.
وتتكرر أيضاً حكاية شاب قيل إنه دفع حياته لأنه جلس إلى طاولة اعتاد سليمان اعتبارها مكاناً خاصاً به في أحد مقاهي القرداحة، وهي رواية لم نعثر على ملف قضائي علني يثبت تفاصيلها، ولذلك تبقى في نطاق ما يتناقله أبناء المنطقة، لكنها، مثل غيرها من الحكايات، تساعد في فهم صورة الرجل داخل محيطه؛ فالخوف الذي ارتبط باسمه لم تصنعه حادثة منفردة بقدر ما صنعه إحساس بأن أبسط تفاصيل الحياة اليومية، من طريق في شارع إلى كرسي في مقهى، قد تتحول إلى قضية خطرة عندما يكون الطرف الآخر محاطاً بحصانة العائلة.
رصاصة عند دوار الأزهري
في آب 2015 خرجت إحدى قصص سليمان الأسد من عالم الروايات المتداولة إلى واقعة قتل هزت البيئة الموالية للنظام نفسه، عندما قُتل العقيد حسان الشيخ بعد خلاف مروري عند دوار الأزهري في مدينة اللاذقية وشتمه وشتم ضباط الجيش.
الروايات التي نشرت آنذاك قالت إن الخلاف بدأ بعدما لم يفسح الشيخ الطريق لسيارة سليمان الأسد وسط الازدحام، قبل أن تتطور المواجهة وتنتهي بإطلاق النار على الضابط، وهو ما فجر غضباً غير مألوف في اللاذقية وقرية بسنادا، مسقط رأس القتيل، وخرج محتجون يطالبون بمحاسبة القاتل وإعدامه، في لحظة نادرة بدا فيها الغضب موجهاً علناً إلى أحد أفراد عائلة الأسد من داخل البيئة التي اعتاد النظام اعتبارها خزانه الاجتماعي الأكثر ولاءً.
لم يعد ممكناً يومها إغلاق القضية خلف أبواب النفوذ، فأعلنت السلطات توقيف سليمان الأسد، وفي كانون الثاني 2016 صدر حكم بسجنه عشرين عاماً بعد إدانته في القضية، وليس بالسجن المؤبد كما تكرر لاحقاً في بعض الروايات.
كان الحكم يفترض أن يضع حداً، ولو متأخراً، لسنوات من الشعور بأن سليمان يتحرك خارج قواعد الدولة التي ينتمي إليها، لكن الرجل خرج من السجن في بعد اربعة اعوام قيل انه امضاها اقامة جبرية في فندق الشيراتون بدمشق .
حينها استقبله الاصدقاء بإطلاق نار كثيفاً في شوارع اللاذقية احتفالاً بخروجه، مقابل استياء شعبي من الإفراج المبكر عنه، وكأن القضية عادت، بعد كل ما رافقها من غضب ومحاكمة وحكم، إلى النقطة التي بدأت منها: حدود القانون عندما يصطدم باسم العائلة.
هلال الأسد… النفوذ الذي سبق الابن
لم يولد نفوذ سليمان من فراغ، فهو نجل هلال الأسد، أحد أبرز رجال قوات الدفاع الوطني في اللاذقية خلال السنوات الأولى من الحرب السورية، وقد ارتبط اسم الأب بتشكيلات مسلحة قاتلت إلى جانب قوات النظام وكان لها حضور واسع في الساحل.
وتختلف بعض الروايات في التفاصيل المحيطة بمقتله، اهمها الرواية التي ذهبت لاحقاً إلى القول إن بشار الأسد تخلص منه بسبب اتساع نفوذه؛ تلك رواية بقيت بلا دليل يكفي لتقديمها كحقيقة تاريخية.
ومع مقتل الأب، بقي الاسم والنفوذ وشبكة العلاقات، ووجد سليمان نفسه يتحرك داخل إرث من القوة تشكل في سنوات كانت فيها الحدود بين مؤسسات الدولة والمجموعات المسلحة المرتبطة بالشخصيات النافذة شديدة الالتباس.
من اللاذقية إلى البقاع
بعد سقوط نظام بشار الأسد تبدلت الخريطة التي صنعت ذلك النفوذ كله، ولم يعد الانتماء إلى العائلة يحمل المعنى نفسه الذي كان يحمله في شوارع اللاذقية ودمشق، فيما تحولت الحدود اللبنانية إلى واحدة من الوجهات التي عبر إليها عدد من الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق أو بشبكاته بعد انهياره.
ومن هنا يكتسب توقيف سليمان الأسد معنى يتجاوز بكثير ظروف مداهمة مخدرات في البقاع؛ فالرجل الذي ارتبط اسمه لسنوات بفكرة الحصانة يجد نفسه اليوم موقوفاً لدى جهاز أمني في دولة أخرى.
قصة سليمان الأسد ليست قصة رجل واحد فقط، بقدر ما هي جزء من قصة أطول عن السلطة حين تختلط بالقرابة والسلاح والخوف، وعن سنوات صار فيها اسم العائلة عند بعض أبنائها أقرب إلى رخصة مفتوحة لاختبار حدود ما يمكن فعله من دون حساب.
وبين اللاذقية التي عرفت سليمان الأسد شاباً يتنقل محاطاً برجاله، وبعلبك التي انتهى فيها داخل مداهمة أمنية، أكثر من مجرد مسافة بين مدينتين؛ هناك انهيار دولة كانت تمنحه مظلتها، وسقوط منظومة كانت تجعل كثيراً من القصص تنتهي قبل أن تصل إلى محضر شرطة أو قاعة محكمة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم بعد توقيفه هو كيف وقع في قبضة الأمن اللبناني، بل ما إذا كانت الملفات التي رافقت اسمه طوال سنوات ستجد هذه المرة طريقها إلى تحقيق قضائي حقيقي، بعيداً عن النفوذ والخوف والاسم الذي كان، في زمن مضى، يكفي وحده لإغلاق كثير من الأبواب.




