حكومات استقالت ووزراء استُبدلوا… بلا حجب ثقة

نداء الوطن – ريشار حرفوش
يقف لبنان أمام أسبوع سياسي حافل بمحطات داخلية وخارجية، تتقدّمها جلسة المناقشة العامة للحكومة في مجلس النواب، في وقت ترتفع فيه حدة التساؤلات حول ما إذا كانت الجلسة ستتحول إلى مساحة فعلية للمحاسبة والمساءلة، أم ستبقى ضمن الإطار السياسي التقليدي الذي اعتاده اللبنانيون، حيث ترتفع اللهجة تحت قبّة البرلمان من دون أن تنعكس بالضرورة تغييرًا في التوازنات الحكومية.
فالحكومة تدخل الجلسة وسط اعتراضات على أدائها في أكثر من ملف، من تداعيات الحرب إلى إعادة الإعمار والإيواء والترميم، مرورًا بالملفات الاقتصادية والخدماتية، في وقت يصعب فيه فصل مساءلة الحكومة عن مسؤولية القوى الممثلة في مجلس النواب نفسه، سواء تلك المشاركة فيها أو التي ساهمت في إنتاجها أو منحها الثقة.
ومن هنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تتجاوز المناقشة العامة حدود النقد السياسي لتصل إلى طرح الثقة بالحكومة أو بأحد وزرائها؟
السؤال ليس دستوريًّا فقط، بل تاريخي أيضًا، فلبنان عرف على امتداد عقود وزراء خرجوا من الحكومات، ووزراء استُبدلوا بآخرين، وحكومات دفعتها الأزمات السياسية إلى الاستقالة، إلا أن الذاكرة السياسية لا تقدم بسهولة نموذجًا واضحًا عن وزير أسقطه مجلس النواب فعليًّا بحجب الثقة عنه.
في التاريخ السياسي اللبناني أكثر من حالة أُبعد فيها وزير أو استُبدل نتيجة خلافات سياسية أو إدارية، من دون أن يكون مجلس النواب هو الذي أنهى مهمته عبر حجب الثقة، ومن الحالات التي تُستعاد في هذا السياق الوزير السابق هنري إده، الذي خرج من الحكومة في عهد الرئيس سليمان فرنجية بعد خلافات سياسية وإدارية تتصل بمشروعه في وزارة التربية، فكانت المعالجة عبر إقالته واستبداله، لا عبر طرح الثقة به في المجلس النيابي.
وفي التسعينيات، برزت حالة وزير الموارد المائية والكهربائية جورج إفرام في حكومة الرئيس رفيق الحريري، فقد أدى الخلاف حول سياسة الكهرباء وطريقة إدارة القطاع إلى إخراجه من الحقيبة وتعيين إيلي حبيقة مكانه، قبل أن يغادر إفرام الحكومة لاحقًا، ومرة أخرى، لم يكن مجلس النواب هو الذي حجب الثقة عنه، بل حصل الاستبدال في إطار قرار سياسي داخل السلطة التنفيذية.
كما حضرت في النقاشات السياسية حالة وزير الزراعة السابق علي عبد الله، الذي ارتبط اسمه في مرحلة لاحقة بملف مشروع الأبقار والتعاون الزراعي. إلا أن هذه الحالة أيضًا لا تشكّل سابقة في حجب الثقة النيابية، بل تدخل ضمن الوقائع السياسية والقضائية التي أحاطت بالوزير وخروجه من موقعه.
هذه النماذج تكرّس فارقًا أساسيًّا بين مفهومين غالبًا ما يُخلطان في السجال السياسي: استبدال الوزير أو إقالته من جهة، وحجب مجلس النواب الثقة عنه من جهة أخرى. الأول حصل في أكثر من مرحلة، أما الثاني فبقي نادرًا إلى حد يكاد معه يغيب عن السوابق السياسية الحديثة.
وفي هذا السياق، أكد مفوض الحكومة لدى ديوان المحاسبة القاضي فوزي خميس لـ”نداء الوطن” أن السوابق التي عرفها لبنان في هذا المجال بقيت، وفق ما يستحضره، ضمن إطار استبدال الوزراء أو خروجهم من الحكومة، لا ضمن حجب الثقة عنهم داخل مجلس النواب.
وأشار خميس إلى حالات عرفتها حكومات سابقة، بينها حالة جورج إفرام ووزراء آخرون جرى استبدالهم نتيجة خلافات مع رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، لافتًا إلى أن ذلك لا يُصنَّف في خانة إسقاط الوزير عبر البرلمان.
وأوضح أن حالة وزير الزراعة السابق علي عبد الله، التي تُستعاد أحيانًا في النقاش السياسي، لم تكن أيضًا حالة حجب ثقة، بل دخلت ضمن مسار مختلف تمامًا.
ولفت إلى أن الحكومات اللبنانية التي غادرت السلطة فعلت ذلك في الغالب عبر الاستقالة، سواء نتيجة أزمة سياسية أو تبدل في التوازنات أو فقدان الغطاء السياسي، لا عبر تصويت نيابي أسقطها من داخل المجلس.
أما رئيس مجلس شورى الدولة سابقًا القاضي شكري صادر، فوضع المسألة في إطارها الدستوري، مؤكدًا لـ “نداء الوطن” أن مبدأ فصل السلطات يقوم في الوقت نفسه على التوازن والتعاون بينها.
ولفت صادر إلى أن مجلس النواب، بوصفه السلطة التشريعية، يملك حق مراقبة السلطة التنفيذية ومساءلتها، كما يملك حق منح الثقة أو حجبها عن الحكومة.
وأكد أن هذا الحق لا يقتصر على الحكومة مجتمعة، بل يشمل الوزير بصورة فردية أيضًا، وبالتالي فإن طرح الثقة بوزير معيّن جائز من الناحية الدستورية تمامًا، كما هو جائز بالنسبة إلى الحكومة.
وأشار إلى أن المساءلة النيابية تشكل جزءًا أساسيًّا من العمل البرلماني، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها خروجًا عن قواعد النظام أو تهديدًا للاستقرار، إذ إن النقاش السياسي والمحاسبة داخل البرلمان من صلب الحياة الديمقراطية.
ولفت إلى أن طرح الثقة لا يعني بالضرورة القدرة على حجبها، لأن الأمر يبقى مرتبطًا بتوازنات مجلس النواب والأكثرية التي يمكن تأمينها، وهي مسألة تبدو أكثر تعقيدًا في ظل تركيبة المجلس الحالية وتشابك المصالح والاصطفافات داخله.
وإذا كان التاريخ اللبناني قد عرف حالات استبدال وإقالة، فإن السنوات الأخيرة شهدت بصورة أوضح نمطًا مختلفًا تمثل في استقالة الوزراء تحت ضغط الأزمات السياسية. ففي تشرين الأول 2019، ومع اتساع الاحتجاجات التي انطلقت في 17 تشرين، أعلن وزراء “القوات اللبنانية” استقالتهم من حكومة الرئيس سعد الحريري، في خطوة سياسية جاءت على وقع الانفجار الشعبي في الشارع. وفي آب 2020، قدّم وزير الخارجية ناصيف حتي استقالته من حكومة الرئيس حسان دياب، ليُعيّن شربل وهبة خلفًا له في وزارة الخارجية، إلا أن وهبة نفسه وجد لاحقًا نفسه أمام أزمة سياسية ودبلوماسية واسعة بعد مواقف أطلقها في مقابلة تلفزيونية وأثارت استياء خليجيًّا كبيرًا، ما دفعه إلى التنحي عن ممارسة مهماته، في مشهد أكد مرة جديدة أن الأزمات الوزارية في لبنان غالبًا ما عولجت سياسيًّا، لا من خلال آلية حجب الثقة.
وفي كانون الأوّل 2021، قدّم وزير الإعلام جورج قرداحي استقالته من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، بعدما تحولت تصريحاته حول الحرب في اليمن إلى أزمة دبلوماسية مع دول خليجية، ولا سيما السعودية، وبعد خروجه، عُيّن زياد المكاري وزيرًا للإعلام، لتتكرر بذلك قاعدة عرفتها الحكومات اللبنانية مرارًا: وزير يخرج باستقالة أو نتيجة ضغط سياسي، ووزير آخر يدخل مكانه، من دون أن يمر التغيير عبر حجب الثقة داخل مجلس النواب.
إذًا، وبالمختصر، تبدو المفارقة واضحة بالتوازي مع جلسة المناقشة العامة، فالدستور يمنح النواب حق المساءلة وطرح الثقة بالحكومة أو بأحد وزرائها، لكن التجربة اللبنانية كرّست مسارًا مختلفًا: الاستقالات والاستبدالات كانت هي القاعدة، فيما بقي حجب الثقة أقرب إلى أداة دستورية قائمة نظريًّا منها إلى آلية استُخدمت فعليًّا لإسقاط الوزراء أو الحكومات.




