أخبار محلية

شرخ التغييريين يتّسع: مَن بقي فعلًا في 17 تشرين؟

لم تسقط حكومة نواف سلام في مجلس النوّاب، لكنّ جلسة مناقشتها الأخيرة أسقطت شيئًا آخر، أو على الأقل جعلت الإبقاء عليه أكثر صعوبة: صورة “نوّاب التغيير” بوصفهم مساحةً سياسيةً واحدة، ولو فضفاضة. فحين انتهى يومان من المناقشات إلى تجديد الثقة بالحكومة بـ68 صوتًا، مقابل 12 صوتًا حجبوا الثقة وامتناع نائبين، فيما غادر نوّاب “حزب الله” القاعة قبل التصويت، لم تكن الأرقام وحدها هي التي رسمت خريطة المجلس. الجلسة نفسها تجاوزت مساءلة أداء الحكومة إلى اشتباك على ملفات حصرية السلاح، والسيادة، والتفاوض، والجنوب، والعلاقة مع إسرائيل، وهي ملفات أعادت فرز المواقع داخل البرلمان، وداخل المساحة التي اعتاد اللبنانيون، منذ انتخابات 2022، اختصارها بتسمية “نوّاب التغيير”.

هناك، ظهر الخلاف بأوضح صوره.

فالخلاف الذي جرى احتواؤه، طوال السنوات الماضية، تحت عناوين من نوع “التنوّع”، و”الاستقلالية”، و”اختلاف المقاربات”، لم يعد متّصلًا فقط بغياب كتلة نيابية موحّدة، فهذا واقع معروف منذ الأشهر الأولى لدخول هؤلاء النوّاب إلى المجلس، بل بالسؤال عمّا إذا كانت لا تزال هناك أصلًا هوية سياسية مشتركة يمكن أن تجمعهم.

والأكثر دلالة أنّ كلّ طرف تقريبًا ينفي أنّ “نوّاب التغيير” كانوا يومًا حزبًا أو كتلة متجانسة، فيما يتمسّك، في الوقت نفسه، بقراءته الخاصة لما كانت تعنيه “17 تشرين”، وما يفترض أن تعنيه اليوم. هنا تحديدًا يقع الشرخ.

اكتشاف المزيد
صحيفة رقمية
أخبار عاجلة
أخبار المنصوري
فالخلاف لم يعد على وحدة كتلة لم تتشكّل أصلًا، بل على من يملك تعريف “التغيير” نفسه، ومن بقي أقرب إلى روح 17 تشرين بعدما فرضت الحرب، والسلاح، والحكومة، والتفاوض، والتحوّلات الداخلية، أسئلةً لم تكن لحظة 2022 قادرةً وحدها على الإجابة عنها.

الجلسة التي أخرجت الخلاف إلى العلن

لم تخلق جلسة مناقشة الحكومة هذه التباينات من العدم. لكنّها جعلت التعايش معها أكثر صعوبة.

ففي قاعة المجلس، لم تقتصر المناقشة على الكهرباء والإصلاح والملفّات الاجتماعية، بل تحوّلت ملفات السلاح، والسيادة، والجنوب، والتفاوض إلى صلب المواجهة السياسية. وبحسب النتيجة المنشورة للجلسة، امتنعت النائبة حليمة قعقور والنائب جهاد الصمد عن التصويت، فيما جاءت أصوات حجب الثقة الاثنا عشر من نوّاب “التيار الوطني الحر”، وغادر نوّاب “حزب الله” قبل التصويت. لكنّ النتيجة العددية لا تختصر ما ظهر داخل البيئة التغييرية.

اكتشاف المزيد
مراجع جغرافية
سياسة
أخبار لبنان
فقعقور قدّمت خطابًا ناقدًا للمسار السياسي القائم، مع تمسّكها بحصرية السلاح ورفضها، في الوقت نفسه، ما تعتبره انتقائيةً في مفهوم السيادة. وفي الجهة المقابلة، برز نوّاب يرون في الحكومة الحالية بداية مسار ينبغي دعمه، وفي حصر السلاح بيد الدولة نقطة الانطلاق لأي مشروع جدي لبناء الدولة.

هكذا خرج إلى السطح خلاف كان يتراكم منذ سنوات.

في 2022، تعثّرت باكرًا محاولة تحويل النواب الفائزين على خلفية 17 تشرين إلى كتلة سياسية متماسكة. ثمّ كشف الاستحقاق الرئاسي اختلافًا أوسع في الخيارات والأسماء، وتكرّر الأمر في مقاربة تسمية رئيس الحكومة وفي الملفات الاقتصادية. وبعد الحرب والتحوّلات التي أعقبتها، صار الخلاف أكثر ارتباطًا بالأسئلة الكبرى، من السلاح والسيادة إلى العلاقة بالخارج والتفاوض ودور الحكومة. أما جلسة المناقشة الأخيرة، فلم تفعل سوى جمع هذه التناقضات في مكان واحد، وفي لحظة واحدة.

ويمكن اختصار خطوط الانقسام بثلاثة أسئلة: هل تمثّل حكومة سلام بداية مسار سياسي جديد يستحقّ الدعم، أم ينبغي التعامل معها من موقع المعارضة والمساءلة؟ هل تبدأ السيادة من حصرية السلاح واحتكار الدولة للعنف، أم يجب أن يوضع ذلك ضمن مقاربة أوسع تشمل أيضًا العدوان الإسرائيلي ورفض الارتهان للخارج؟ ثمّ، السؤال الأصعب، من يملك أصلًا حقّ تعريف “17 تشرين” بعد اليوم؟

قعقور: “لا أريد أن أختار بينهما”

لعلّ موقف النائبة حليمة قعقور كان الأكثر إثارةً للنقاش داخل البيئة التغييرية خلال الأيام الماضية. فهي لا ترى نفسها في الموقع الذي يضعها فيه منتقدو موقفها، أي الانتقال من ضفّة سياسية إلى أخرى، بل تعتبر أنّ جوهر خيارها هو رفض الضفّتين معًا.

وتقول قعقور لـ”المدن”: “كأنّه ممنوع علينا في هذا البلد أن نكون خارج الأجندتين الأميركية والإيرانية، أو خارج الاصطفافات القائمة. وكأنّ المطلوب دائمًا أن نختار بين محورين، وهذا تحديدًا ما يجب أن نتحدّث عنه”. وتضيف: “يقال إنّ بعض نوّاب التغيير ذهبوا باتجاه 8 آذار، وآخرين باتجاه 14 آذار. أنا لا أريد أن أكون هنا ولا هناك. أرفض أصلًا هذه الثنائية، وهذه الـBinary، أي فكرة أنّ عليّ أن أختار إمّا هذا المعسكر وإمّا ذاك. كان موقفي واضحًا، لا أريد أن أختار بينهما”.

اكتشاف المزيد
تحليل سياسي
أخبار محليّة لبنان
كواليس سياسية
وبالنسبة إليها، فإنّ أصل النقاش حول “وحدة” نوّاب التغيير ينطلق من فرضية غير دقيقة، لأنّهم “لم يأتوا أصلًا من حزب واحد، ولم يكونوا يومًا مجموعة سياسية متطابقة، وهذا ليس أمرًا جديدًا”. لكنّ السؤال الذي انفجر بعد الجلسة لم يعد حول إثبات وجود الاختلاف، بل حول تحديد من غيّر موقعه، ومن بقي أقرب إلى الحالة السياسية التي أوصلت هؤلاء إلى البرلمان.

وحين تُسأل قعقور عن الانتقادات التي اعتبرت أنّها ابتعدت عن الجو الذي خرج من 17 تشرين، تقلب السؤال: “ومن يقرّر أصلًا من هو 17 تشرين ومن ليس كذلك؟ دعوا الناس تحكم”.

وتتابع: “من كان يقول إنّه ضدّ كلّ المحاور؟ 17 تشرين. ومن كان يقول إنّ منطق 8 و14 آذار حوّل البلد إلى دكّان سياسي؟ أيضًا 17 تشرين. ومن تحدّث عن السيادة الكاملة كان جزءًا من 17 تشرين، وهذا هو الخط الذي أستمر فيه”. ومن هنا ترفض ما تعتبره “انتقائيةً” في مفهوم السيادة: “أنا لا أتحدّث عن جهة وأصمت عن جهة أخرى. لا أتحدّث عن تمويل من طرف وأتجاهل تمويل الطرف الآخر، ولا أنتقد سفارة وأصمت عن سفارة أخرى. أتحدّث عن الاثنين معًا. هذا هو الخط الذي أتمسّك به”.

ولا تبدو قعقور معنيّةً بعد اليوم باستعادة تجربة “كتلة تغييرية” بالمعنى الذي طُرح غداة انتخابات 2022. وتقول: “هذا موضوع قديم بالنسبة إليّ، ولا أريد أن يتمّ التعامل معي فقط تحت عنوان نوّاب التغيير. أنا أتحدّث كحليمة قعقور، وهذا هو النموذج السياسي الذي أريد الاستمرار به”.

وتشرح أنّها تريد تقديم خط “يؤمن بالسيادة الحقيقية، وببناء الدولة، وبمؤسّساتها”، مضيفةً: “أنا لست الوحيدة التي تؤمن بذلك. هناك شخصيات كثيرة، من زياد ماجد إلى شخصيات أخرى، تؤمن بوجود خط ثالث”.

والمقصود بهذا الخط، بحسب قعقور، ألّا تقود معارضة الأجندة الإيرانية والسلاح خارج الدولة إلى الانتقال تلقائيًا إلى المعسكر المقابل: “ليس ضروريًا، إذا كنّا ضدّ الأجندة الإيرانية وضدّ السلاح خارج الدولة، أن ننتقل تلقائيًا إلى الجهة المقابلة أو أن نقبل الارتهان للخارج. نحن نطرح خطًا ثالثًا”.

وتضيف: “هذا الخط يؤمن بالدولة، وبحصرية السلاح، وبالمدرسة الرسمية، وبمؤسّسات الدولة. ويؤمن في الوقت نفسه بأنّ للبنان أعداء، وبضرورة حماية سيادته كاملة. وهو لا يقبل الارتهان لأي محور أو لأي سفارة”. ولا يعني ذلك، بالنسبة إليها، انقطاعًا كاملًا مع بقية النوّاب. “نحن نلتقي في الكثير من الملفات، ونوقّع معًا أسئلةً واقتراحات ومواقف مشتركة. هناك تعاون قائم بالتأكيد”.

لكنّها تستدرك: “لا نلتقي جميعًا على الرؤية العامة لما أسمّيه الخط الثالث أو الخط السياسي الجديد الذي يحتاج إليه البلد. وأنا مصرّة على هذا الخط”. وتخلص إلى أنّها لن تتراجع عنه تحت ضغط الحملات أو الاتهامات: “هم أحرار في خياراتهم وأنا حرّة في خياري، لكنني أريد أن أقدّم النموذج الذي أؤمن به. أنا أعرف موقفي جيدًا، وأرفض أن أعود إلى الاصطفاف التقليدي بين 8 و14 آذار، أو أن أُدفع إلى خط لا أؤمن به”.

ضو: “نحن لم نغيّر تموضعنا”

هنا تبدأ المفارقة الأساسية في الروايتين.

قعقور تقول إنّها لم تنتقل من موقع إلى آخر، بل تتمسّك منذ البداية برفض الاصطفاف بين المحورين. أمّا النائب مارك ضو، فينظر إلى المشهد من النقطة المعاكسة تقريبًا، معتبرًا أنّ الاتجاه الغالب لدى النواب المصنّفين تغييريين لم يتغيّر، وأنّ الاختلاف جاء من خيارات فردية خرجت عن هذا الاتجاه. ويقول ضو لـ”المدن”: “أنا لا أرى أنّ هناك شرخًا”.

وبرأيه، لا يزال معظم هؤلاء النواب يؤيّدون الحكومة ويدعمون مسار الإصلاحات، فيما ظهرت لدى عدد محدود منهم مقاربة مختلفة.

ويضيف: “هذا ليس انقسامًا أو انشقاقًا. هناك من قرّر اتخاذ خيار سياسي مختلف والخروج من الجو العام الذي كنّا نسير فيه، وهو دعم الحكومة. نحن، في المقابل، لم نغيّر شيئًا في تموضعنا السياسي، وما زلنا نسير في الاتجاه نفسه”. ووفق ضو، فإنّ دعم الحكومة لا يعني منحها شيكًا على بياض: “بالتأكيد لدينا ملاحظات على الإصلاحات وعلى سرعتها، وهناك اختلافات بيننا وبين الحكومة حول ملفّات عدّة، لكن على مستوى الخط السياسي العام هناك تقارب واسع”.

وهو يعتبر أنّ الحكومة “استطاعت أن تنقل لبنان إلى موقع مختلف، في ما يتعلّق بسيادة الدولة، واستعادة علاقاتها الدولية، وتمكين مؤسّساتها العسكرية، والعمل على استعادة الدولة دورها والقيام بوظائفها”.

ويشدّد على أنّه لا يعتبر النتائج مكتملة: “لكنّنا نسير في هذا المسار”.

ويضيف أنّ غالبية النواب الذين يتحدّث عنهم لا يزالون، بحسب قراءته، ضمن “مشروع إصلاح الدولة ودعم الحكومة في الإصلاحات وفي المقاربة السياسية المعتمدة”، مع الإبقاء على الملاحظات والاعتراضات على اتفاق الإطار أو بعض سياسات الحكومة.

ويقول: “هذا طبيعي وصحّي، لكنّه لا يغيّر التموضع السياسي الأساسي”. بالنسبة إلى ضو إذًا، ليس المطلوب البحث عن انهيار جماعي لحالة التغيير، بل عن تحوّل في تموضع بعض الأفراد. وهذه القراءة تحديدًا هي ما ترفضه قعقور، ويرفضه بصورة أكثر حدّة إلياس جرادة.

فالمشكلة صارت تتجاوز السؤال: “من اختلف مع مَن؟”، إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من هو الثابت، ومن هو الذي تحرّك؟ وما المرجعية التي يمكن أصلًا القياس عليها؟

جرادة: “من الذي خرج من 17 تشرين؟”

النائب إلياس جرادة لا يكتفي برفض فكرة أنّه ابتعد عن الجو التغييري، بل يعترض على أصل السؤال.

بالنسبة إليه، ليست القضية في أنّ نائبًا أو اثنين ابتعدا عن “نوّاب التغيير”، بل في تحديد من يملك الحق أصلًا في الادّعاء أنّه ما زال يمثّل روح 17 تشرين.

ويقول لـ”المدن”: “عندما يقال إنّ هناك من خرج عن 17 تشرين، يجب أن نسأل أولًا، من الذي خرج عنها؟ وهل كانت 17 تشرين أصلًا مع هذه الحكومة؟”.

ويتابع: “النوّاب هم الذين منحوا الحكومة الثقة، وليس 17 تشرين. وهناك فرق كبير بين الأمرين. إذا تخلّى شخص عن مبادئ 17 تشرين، فهذا خياره هو، ولا يعني أنّ 17 تشرين نفسها تغيّرت”.

ويعتبر جرادة أنّ شريحة من جمهور الانتفاضة تعاطفت مع موقفه وموقف قعقور، لأنّ هذه القراءة، بحسبه، تنسجم مع “روح 17 تشرين التي طالبت بحماية المواطن وحقوقه، وفي مقدّمتها أموال المودعين، وإصلاح الإدارة، وبناء دولة تتحمّل مسؤولياتها كاملة تجاه كلّ مناطق لبنان، من الجنوب إلى سائر البلد”. ويقول: “هذا هو مفهومي لروح 17 تشرين”.

بل يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أنّ تسمية “نوّاب التغيير” نفسها تجاوزها الزمن السياسي: “الحديث عن نوّاب التغيير باعتبارهم كتلة واحدة لم يعد دقيقًا. كانت هناك، في مرحلة معينة، محاولة لتشكيل كتلة أو تكتّل تحت هذا الاسم، وتقاطعت المواقف في ملفّات كثيرة، واختلفت في ملفّات أخرى، لكنّ المشروع أُجهض في بداياته ولم يتحوّل إلى كتلة سياسية فعلية”.

ويضيف: “عندما نتحدّث في عام 2026، لا يمكن أن نبقى نتعامل مع المشهد كما لو أنّنا ما زلنا في الأشهر الستة الأولى التي أعقبت انتخابات 2022”. أما عن الانتقادات التي اعتبرت موقفه وموقف قعقور أقرب إلى موقف “حزب الله”، فيرفض جرادة هذه القراءة، وينقل النقاش إلى مكان آخر.

يسأل: “الدماء التي سُفكت في الجنوب وفي مختلف مناطق لبنان، هل هي دماء لبنانية أم دماء حزب أو فريق معيّن؟ والقرى التي تُدمّر، هل هي ملك حزب معيّن أم هي قرى لبنانية يسكنها بشر؟”. وبالنسبة إليه، فإنّ حصر هذه القضية في التموضع السياسي يفقدها بعدها الإنساني: “17 تشرين، بالنسبة إليّ، خرجت من وجع الناس ومن شعورهم بالظلم. فإذا كنّا اليوم نرى ظلمًا يقع على أهل الجنوب أو على أي فئة من اللبنانيين، ولا نقف إلى جانبهم لأنّنا نخشى أن يُفسّر ذلك باعتباره موقفًا سياسيًا إلى جانب حزب ما، فلدينا مشكلة تتجاوز السياسة إلى مفهومنا للعدالة والإنسانية”.

ويشدّد: “ما قالته الدكتورة حليمة وما قلته أنا لم يكن دفاعًا عن حزب الله، بل كان دفاعًا عن أشخاص يتعرّضون للظلم، أيًا تكن هويتهم السياسية”. ويصل من ذلك إلى مفهوم السيادة: “عندما طالبنا بالدولة والسيادة، طالبنا بسيادة فعلية لا بمجرد شعارات. وعندما انتقدنا مسارًا أو اتفاقًا نعتقد أنّه يمسّ السيادة أو حقوق الإنسان أو الثوابت الدستورية والقانونية، فنحن ننطلق من هذه المبادئ”.

ويرى أنّ 17 تشرين التي يؤمن بها كانت “وقوفًا مع وجع الناس ومناصرةً للمظلوم، من دون تمييز على أساس الطائفة أو المنطقة أو الانتماء السياسي”. أما انتخابيًا، فيقول إنّ موقفه لا يرتبط بحساب الأصوات: “إذا كنّا فعلًا نؤمن بالتغيير، فالتغيير ليس حساب أصوات، بل محاولة لإحداث تغيير في وعي الناس وفي الوعي الوطني والسيادي. وهذا عمل تراكمي لا يرتبط بموعد الانتخابات”.

ولا ينفي حق الناخب في المحاسبة، بل يفصل بين محاسبة النائب والتخلّي عن فكرة التغيير: “إذا كان لدى المواطن اعتراض على نائب تغييري معيّن، فليحاسبه وليستبدله بشخص آخر، لكن لا يتخلَّ عن فكرة التغيير نفسها. التغيير ليس اسم شخص”.

ويضيف: “إذا لم يعد المواطن مقتنعًا بإلياس جرادة، مثلًا، فليختر شخصًا آخر، لكن ضمن النهج التغييري نفسه، لا أن يعود إلى الخيار الذي ثار عليه أساسًا”.

وهنا يكتمل التناقض مع قراءة ضو. كلاهما يتمسّك بفكرة الاستمرارية، لكنّ كلًّا منهما يضع الآخر، سياسيًا، خارج نقطة البداية التي يعتبرها صحيحة.

منيمنة: الدولة تبدأ من احتكار العنف

النائب إبراهيم منيمنة يبتعد قليلًا عن معركة ملكية “17 تشرين”، ويعيد الخلاف إلى سؤال سياسي أكثر مباشرة: ما هي نقطة البداية في بناء الدولة؟ بالنسبة إليه، الاختلافات بين هؤلاء النواب ليست جديدة.

ويقول: “نوّاب التغيير جاؤوا، منذ الأساس، من مقاربات مختلفة، ولذلك لا يوجد شيء مفاجئ في ما يحصل اليوم. هذه الاختلافات ظهرت في محطّات سياسية كبيرة سابقة، من بينها انتخابات رئاسة الجمهورية وغيرها من الاستحقاقات”.

لكنّ الفارق، برأيه، هو أنّ اللحظة الراهنة لم تعد تسمح ببقاء المواقف الكبرى ضبابية. ويشرح: “البلد اليوم يواجه تحدّيات مصيرية، وفي السياسة يصبح من واجب كلّ طرف أن يتّخذ خيارات واضحة، لكي يبيّن طبيعة المشروع السياسي الذي يطرحه وكيف يرى مستقبل البلد”.

ويضع ملف السلاح في قلب هذا الاختبار: “اليوم، مثلًا، لم يعد موضوع السلاح خارج الدولة تفصيلًا، خصوصًا بعدما رأينا حجم الدمار والحرب التي أُدخل إليها البلد، وكيف يستغلّ العدو هذا الواقع لتبرير حربه علينا”. ويضيف: “أصبح من الضروري مقاربة هذا الملف بوضوح، وتحديد المسؤوليات بوضوح أيضًا. لا يمكن الهروب منه بعد الآن”.

ولا يحصر منيمنة تداعيات الأمر في الجانب العسكري، بل يرى أنّه بات يهدّد الاجتماع اللبناني نفسه: “استمرار هذا الواقع يخلق أيضًا انقسامًا كبيرًا داخل المجتمع اللبناني”. ويحذّر من أنّ بعض اللبنانيين بدأوا “يفقدون الأمل بتركيبة البلد نفسها”، مع تصاعد خطاب تقسيمي يعتبره “أمرًا بالغ الخطورة”.

ومن هنا يعتبر أنّ الخلاف بين النواب بات جوهريًا: “هناك بالفعل خلافات أساسية حول هذه النقطة تحديدًا، وحول السؤال: من أين تبدأ عملية بناء الدولة؟”. وجوابه واضح: “بالنسبة إليّ، بناء الدولة يبدأ باحتكار الدولة للعنف والسلاح. لا يمكن أن نبدأ من مكان آخر. وبعد ذلك تصبح كلّ القضايا الأخرى قابلة للنقاش داخل المؤسّسات، ونحتكم بشأنها بصورة ديمقراطية إلى هذه المؤسّسات”.

لكنّ منيمنة يرفض تحويل الاختلاف إلى قطيعة شخصية مع قعقور أو جرادة: “نحن نوّاب، وبيننا علاقات قائمة على الاحترام والصداقة، لكن هناك اليوم اختلاف في الخيارات السياسية”. كما يرفض اختصار الخريطة بمعسكرين فقط، ويشير إلى أنّه يختلف أيضًا مع “مقاربات تدعو إلى السلام أو التطبيع”، مضيفًا: “هناك اختلافات في أكثر من اتجاه”

وهنا تكتسب قراءة منيمنة أهميتها داخل المشهد. فهو لا يقول إنّ خطًا واحدًا انشقّ إلى اثنين، بل إنّ لحظة سياسية جديدة باتت تفرض على تيارات كانت قادرة سابقًا على التعايش تحت مظلّة واحدة أن تعرّف نفسها بصورة أدق.

وفي ما يتعلّق بالانتخابات المقبلة، يعتبر أنّ هذا الفرز ليس بالضرورة أزمة: “هذه تجربة سياسية تتطوّر وتتبلور وتتشكّل، وتحتاج إلى وقت. وهذه هي الديمقراطية، فهي تفرز قوى سياسية مختلفة ومتنوّعة، وعلى الناس أن تختار بينها”.

ويضيف: “لا أعتقد أنّه يمكن اليوم أن نبقى أسرى تجربة انتخابات عام 2022 أو أن نقيس كلّ شيء انطلاقًا منها. الناس نفسها تجاوزت، برأيي، مرحلة العتب على نوّاب التغيير لأنّهم لم يبقوا جميعًا معًا”. وبالنسبة إليه: “هناك حالات سياسية جديدة تتشكّل، واصطفافات جديدة، واستحقاقات كبيرة تفرض خيارات مختلفة. وفي النهاية، الناس ستختار على أساس هذه الخيارات”.

يعقوبيان: فرصة البديل التي لم تكتمل

في مقابل من يتعامل مع هذا الفرز بوصفه طبيعيًا، تنظر النائبة بولا يعقوبيان إلى الأمر من زاوية مختلفة، أقرب إلى فرصة سياسية لم تكتمل. وتقول لـ”المدن”: “للأسف، هم لم يكونوا موحّدين يومًا بالمعنى الفعلي. وكنت أقول دائمًا إنّ أكبر إنجاز كان يمكن لنوّاب التغيير تحقيقه في مجلس نبيه برّي هو أن يبقوا موحّدين، وأن يحافظوا على هذه الحالة باعتبارها بديلًا فعليًا من السلطة القائمة”.

وتضيف: “أمضيت سنتين أحاول جمعهم واحدًا واحدًا، وأقول لهم: لا تتوقّعوا أن تتمكّنوا، كأفراد، من تحقيق الكثير، لكن على الأقل ابقوا أوفياء لهذه الحالة التي أوصلتكم إلى المجلس”. لكنّ المحاولة، وفق يعقوبيان، لم تنجح: “للأسف، تعرّضت هذه المجموعة لضغوط من جهات مختلفة، ولم تنجح في الحفاظ على وحدتها”.

في الوقت نفسه، لا تنكر أنّ جذور المشكلة موجودة في التكوين نفسه: “في الأساس، هم جاؤوا من خلفيات مختلفة، وهذه حقيقة”. وتشير تحديدًا إلى الاختلاف في النظرة إلى “حزب الله”، حيث يرى بعض النواب، وفق تعبيرها، أنّه مسؤول عن جانب أساسي من الكوارث التي وصل إليها البلد، فيما ينظر آخرون إلى المسألة بطريقة مختلفة.

وتخلص إلى أنّ “وحدة سياسية أو فكرية كاملة” لم تكن موجودة أصلًا.

وبرز الخلاف بينها وبين قعقور أيضًا في قراءة بعض المواقف الأميركية الأخيرة. تقول يعقوبيان إنّ “حليمة صديقة، ونحن نعمل كثيرًا معًا، ولديّ لها الكثير من الاحترام والمحبّة. وليس لديّ شيء آخر أقوله على المستوى الشخصي. لكن هذا لا يعني أنني أتوافق معها في كلّ المواقف السياسية”. وتعطي مثالًا قراءتها لموقف السفير الأميركي ميشال عيسى، إذ تعتبر أنّ كلامه لم يكن تبريرًا لإسرائيل بقدر ما كان تحذيرًا من طبيعة ردّها.

وتقول: “من وجهة نظري، لم يكن يبرّر لإسرائيل، بل كان يحذّر من الطريقة التي تردّ بها”.

وتضع المسألة في سياق أوسع: “نحن نعرف مع من نتعامل، ونعرف حجم العنف الذي يمكن أن تمارسه إسرائيل. فإذا كنا نرى أمامنا ما تقوم به في غزة، فلماذا نذهب إلى استفزازها وإدخال لبنان مجددًا في هذا المسار، فيما وضع البلد أصلًا بهذا السوء؟”.

بالنسبة إلى يعقوبيان إذًا، المشكلة ليست فقط في وجود اختلاف طبيعي بين نواب متنوّعين، بل في أنّ هذا الاختلاف حال دون تحويل اللحظة الانتخابية التي أنتجتهم إلى بديل سياسي قادر على مراكمة قوّة مؤسّسية داخل المجلس.

صادق: “الشارع لا يفرز حزبًا سياسيًا”

أما النائب وضّاح صادق، فيقدّم تفسيرًا أكثر بنيويةً لما حصل.

بالنسبة إليه، المشكلة بدأت حين افترض البعض أنّ النواب الذين وصلوا على خلفية 17 تشرين يفترض أن يتحوّلوا تلقائيًا إلى حزب واحد.

ويقول لـ”المدن”: “هناك أصلًا اختلافات بين نوّاب التغيير”.

ويشير إلى أنّ جرادة اختار “توجّهًا سياسيًا مختلفًا نسبيًا”، من دون أن يحكم على صحّة هذا الخيار أو خطئه، فيما يرى أنّ قعقور لديها “أفكارها وقناعاتها الخاصة”، مضيفًا أنّه يحترم حقّها في ذلك.

لكنّ صادق يتموضع بوضوح إلى جانب دعم حكومة سلام. ويقول: “نحن نتعامل اليوم مع هذه الحكومة باعتبارها من أفضل الحكومات التي جاءت منذ سنوات طويلة. بالتأكيد لديها أخطاء، ولا أعتقد أنّ هناك حكومة يمكن أن تأتي من دون أخطاء. لكنها، في رأيي، تمتلك نيّةً للعمل، وقد تسلّمت بلدًا في حالة إفلاس، وفي ظلّ حرب، وفساد هائل، ومؤسّسات شبه مفكّكة”,

ويضع المسألة في سؤال سياسي مباشر: “ماذا يحصل إذا سقطت هذه الحكومة؟ هل نعود إلى المرحلة السابقة؟ ومن سيأتي مكانها؟ هل نعيد إنتاج الوزراء أنفسهم والمنظومة نفسها؟”. ويشرح: “عندما نمنح الحكومة الثقة، فنحن لا نمنح الثقة لكلّ تفصيل قامت به، بل نعطي ثقتنا لمشروع نعتبر أنّه يمثّل بداية مرحلة جديدة”.

لكنه يرفض أن يعني ذلك أنّ 17 تشرين أنتجت أصلًا رؤيةً سياسيةً موحّدة.

ويقول: “الخطأ الكبير الذي ارتكبه البعض هو افتراض أنّ النوّاب الذين وصلوا على خلفية 17 تشرين يمثّلون خطًا سياسيًا واحدًا أو خطًا اقتصاديًا واحدًا. وهذا غير صحيح”. ويضيف: “نحن نوّاب جئنا من حالة شديدة التنوّع. الشارع لا يفرز حزبًا سياسيًا. الحزب السياسي يمكنه أن ينظّم شارعًا ويقوده، لكن ما حصل في 17 تشرين لم يكن نتيجة قرار صادر عن حزب دعا الناس إلى الثورة. الناس نزلوا من تلقاء أنفسهم نتيجة شعورهم بالغبن وبما كان يحصل في البلد”.

وبعدها، بحسب صادق، تشكّلت مجموعات سياسية مختلفة، “بعضها التقى في السياسة والاقتصاد، وبعضها لم يلتقِ، ودخل هذا التنوّع إلى مجلس النوّاب”. ويقول: “هناك ملفات نلتقي حولها، وملفات نختلف عليها، وهذا أمر طبيعي، لأنّ الشارع لم يكن يومًا حزبًا سياسيًا واحدًا”.

والأهم أنّ صادق يعيد هذه الفروقات إلى الأشهر الأولى للتجربة النيابية. فهي ظهرت، بحسبه، في الاستحقاق الرئاسي، وفي تسمية رئيس الحكومة، وفي طريقة تنظيم المجموعة نفسها، وحتى في الخيارات الاقتصادية. ويقول: “منذ اليوم الأول كانت هناك خلافات”.

ومن الأمثلة التي يعطيها أنّ بعض النواب كانوا يريدون بناء آلية تنظيمية تتضمّن أمانة سرّ وتصويتًا واضحًا، فيما كان آخرون يميلون إلى اشتراط إجماع النواب جميعًا على القرارات. كما ظهرت خلافات اقتصادية وصلت، بحسبه، إلى مقاربات متناقضة للقطاع المصرفي.

لذلك، يرى صادق أنّ الاختلاف ليس عارضًا جديدًا ينبغي إخفاؤه، بل نتيجة طبيعية لتنوّع سياسي كان موجودًا منذ البداية. وهو يرفض أيضًا إسقاط مشروع التغيير بسبب أداء فرد أو نائب بعينه: “إذا أخطأت أنا، لا يعني ذلك إسقاط فكرة التغيير بكاملها”.

لكنّه يقرّ بأنّ قسمًا من هؤلاء النواب انتقل إلى موقع جديد بعد انتخاب رئيس الجمهورية ودعم الحكومة: “قد لا أحب استخدام تعبير نحن في الحكم، لكن عمليًا نحن دعمنا رئيس الجمهورية ودعمنا الحكومة، ونعتبر أنفسنا شركاء في مشروع سياسي جديد”. وعندما يُسأل عن مستقبل العلاقة بين النواب، لا يرى ضرورةً لإعادة اختراع كتلة واحدة.

بل يقول إنّه لا يجد مشكلة في أن يتوزّعوا عمليًا على ثلاث مجموعات، مجموعة يعمل ضمنها هو وعدد من النواب، ومجموعة قريبة منها سياسيًا وإن لم تكن ضمن إطار تنظيمي واحد، وثالثة تختلف عنها نسبيًا في السياسة والاقتصاد وطريقة العمل.

ويضيف: “لا مانع في أن تبقى هذه المجموعات الثلاث موجودة، وأن تنسّق في ما بينها بصورة مستمرّة. ما نتّفق عليه نعمل عليه معًا، وما نختلف عليه يبقى موضع خلاف”. ورغم ذلك، يتمسّك بخيط مشترك: “من إلياس جرادة إلى مارك ضو، أنا مقتنع بأنّ جميع نوّاب التغيير ينطلقون، كلّ بحسب رؤيته، من اعتبار مصلحة البلد أولوية. نحن نختلف في الطريقة وفي التفكير وفي مقاربة الملفات، لكنّ نقطة الانطلاق واحدة”.

من يملك الاسم بعد اليوم؟

ربّما يكون السؤال عمّن تغيّر أقلّ أهميةً من السؤال عمّا تغيّر. في عام 2022، أمكن لكلمة “التغيير” أن تستوعب تحتها تناقضات كثيرة. كان الاعتراض على منظومة سياسية قائمة واسعًا بما يكفي لجمع شخصيات وقوى لا تتشارك بالضرورة تعريفًا واحدًا للاقتصاد، أو السياسة الخارجية، أو السلاح، أو حتى لشكل الدولة.

لكنّ الاعتراض وحده لا يبني هويةً سياسيةً إلى ما لا نهاية. فالسلطة تفرز القوى السياسية، والحروب تفعل ذلك أيضًا. وكذلك السلاح، ومفهوم السيادة، والعلاقة بالخارج، والتفاوض، والحكومة، والاقتصاد، والانتقال من مقاعد الاعتراض إلى موقع الشراكة في إنتاج رئيس وحكومة ومسار سياسي.

وفي عام 2026، لم يعد كافيًا أن يكون النائب “من 17 تشرين” لكي يُعرف موقعه السياسي. إذ لا يبدو أنّ الانقسام الأعمق هو بين “اثنين وعشرة”، أو بين مانحي الثقة ومعارضي الحكومة، بقدر ما هو بين تعريفات مختلفة لمفاهيم الدولة والسيادة والتغيير، ولما بقي من الإرث السياسي لـ17 تشرين.

وقد يكون هذا الفرز، بحدّ ذاته، أكثر صدقًا من الإصرار على وحدة لم تعد موجودة.

بتول يزبك – المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |