المطامر تقترب من النهاية.. فهل يملك لبنان خطة لما بعد 2026؟

قد يبدو القرار الرقم 7 الصادر عن مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 10 أيلول 2026 قراراً إدارياً يتعلق بتلزيم أعمال جمع النفايات وكنسها، إلا أن قراءة حيثياته والمستندات التي بُني عليها تكشف صورة أوسع بكثير: لبنان يقف مجدداً أمام مجموعة من الاستحقاقات المتزامنة في قطاع النفايات، تبدأ بانتهاء عقود الجمع والكنس، ولا تنتهي باقتراب عدد من المطامر من حدود قدرتها الاستيعابية، مروراً بأزمة التمويل، وتعثر الانتقال من الإدارة المركزية الاستثنائية إلى الإدارة المتكاملة واللامركزية التي نص عليها القانون.
القرار لا يتناول ملفاً جديداً، بل أتى بعد أكثر من عقد على أزمة النفايات التي انفجرت في العام 2015 مع إقفال مطمر الناعمة، التي دفعت الدولة آنذاك إلى اعتماد حلول طارئة كان يفترض أن تكون انتقالية. وفي العام 2016 أُنشئت مطامر بديلة، أبرزها في الكوستابرافا وبرج حمود، ضمن خطة طوارئ لمعالجة نفايات بيروت وأجزاء من جبل لبنان. لكن الحل المؤقت امتد لسنوات، وبقيت المعالجة الشاملة، القائمة على تخفيف إنتاج النفايات والفرز من المصدر، وإعادة الاستعمال والتدوير، والتسبيخ والمعالجة قبل الطمر، دون المستوى المطلوب على نطاق وطني.
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن لبنان كان يولّد نحو 5,600 طن من النفايات يومياً في العام 2022، فيما لم تكن منشآت المعالجة القائمة تستوعب سوى نحو 8 في المئة من الكميات المنتجة. كما ارتفعت، بحسب تقديرات العام 2023، نسبة النفايات التي تنتهي في المكبات العشوائية إلى نحو 43 في المئة بعدما كانت نحو 22 في المئة في العام 2018.
قرار يقرأ ما بعد نهاية 2026
الأهمية الأولى لقرار مجلس الوزراء أنه يضع تاريخاً واضحاً أمام الدولة: نهاية العام 2026. فالعقود القائمة لجمع ونقل النفايات وكنس الشوارع في بيروت وأقضية المتن وكسروان وبعبدا وعاليه والشوف تنتهي في 31 كانون الأول 2026. لذا، فإن عدم إطلاق التلزيمات البديلة في الوقت المناسب لا يطرح إشكالية تعاقدية فحسب، بل يمكن أن يتحول سريعاً إلى مشكلة تتعلق باستمرار خدمة عامة يومية لا تحتمل الانقطاع. وقد سجّل مجلس الإنماء والإعمار في عرضه أن اتخاذ القرار بشأن كيفية تلزيم هذه الخدمات لم يعد قابلاً للتأجيل.
من هنا جاء الخيار الذي اعتمده مجلس الوزراء: تكليف مجلس الإنماء والإعمار إجراء مناقصات لتلزيم جمع وكنس ونقل النفايات، مع تلزيم مهام الإشراف، لصالح البلديات واتحادات البلديات في بيروت والمتن وكسروان وبعبدا وعاليه والشوف التي ترغب في الانضمام إلى هذا المسار، على أن تكون مدة العقود سنتين قابلة للتمديد سنة واحدة. ما يعني أن القرار لم يفرض عقداً مركزياً موحداً على جميع البلديات، بل ترك لها خيار المشاركة في التلزيم المركزي أو إدارة الخدمة ضمن نطاقها وفق الأصول.
وهذه النقطة تعبّر عن مرحلة انتقالية دقيقة في إدارة القطاع. فقانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة رقم 80/2018 كرس توجهاً نحو اللامركزية الإدارية وإسناد دور أساسي إلى الإدارات المحلية في إدارة النفايات، كلياً أو جزئياً، وفق الجدوى البيئية والاقتصادية، مع بقاء إمكان تدخل السلطة المركزية عند عجز السلطات المحلية. لكن الوقائع التي عرضها مجلس الإنماء والإعمار أظهرت أن البلديات واتحاداتها ليست جميعها، في المرحلة الراهنة، جاهزة لتسلم عمليات جمع النفايات والكنس والإشراف عليها بصورة مستقلة، ما جعل الحل الانتقالي يقوم على إبقاء باب التلزيم المركزي مفتوحاً أمام البلديات الراغبة بذلك.
المشكلة لا تقف عند جمع النفايات
الأكثر خطورة في حيثيات القرار هو أن استمرارية الجمع ليست سوى الجزء الظاهر من المشكلة. فحتى لو جُمعت النفايات يومياً، يبقى السؤال الأساسي: أين ستُعالج وأين ستذهب؟
القرار يعرض سلسلة من المواعيد المرتبطة بالقدرة الاستيعابية للمطامر. ففي طرابلس، كان مجلس الإنماء والإعمار قد حذّر من أن القدرة الاستيعابية للمطمر الصحي بلغت مرحلة حرجة، وأن البحث عن بديل كان جارياً منذ أشهر مع الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة واتحاد بلديات الفيحاء، ما يستوجب اتخاذ قرار سريع لتجنب الوصول إلى فراغ في القدرة على التخلص النهائي من النفايات.
أما مطمر الجديدة الصحي في المتن الشمالي، فتشير المعطيات الواردة في القرار إلى توقع استنفاد قدرته الاستيعابية في أواخر نيسان 2027، أي بعد أشهر قليلة فقط من انتهاء عقود الجمع الحالية. والمشكلة هنا ليست تقنية حصراً، بل المشروع البديل يواجه أيضاً إشكالية تأمين التمويل، رغم وجود قرار سابق بالسير في تمويله عبر اعتماد خاص يفتح بقانون.
وفي مطمر الغدير الصحي، تمتدّ القدرة الاستيعابية المتوقعة حتى منتصف العام 2028، إلا أن مجلس الإنماء والإعمار اعتبر أن هذا التاريخ لا يبرر الانتظار، بل يفرض البدء منذ الآن بوضع البدائل، سواء كانت مركزية أم لامركزية، لأن إنشاء مطمر أو منشأة معالجة جديدة ليس قراراً يمكن اتخاذه وتنفيذه خلال أسابيع.
وهنا تظهر العقدة البنيوية في ملف النفايات اللبناني: كلما اقترب مطمر من الامتلاء يبدأ البحث المكثف عن البديل. لكن اختيار المواقع، وإجراء الدراسات البيئية، وتأمين الأرض والتمويل، واستصدار التراخيص، ومواجهة الاعتراضات المحلية، ثم التلزيم والإنشاء، كلها عمليات تستغرق سنوات. لذلك فإن التأخر في التخطيط يعني عملياً تضييق هامش الخيارات كلما اقترب موعد الاستنفاد.
من أزمة المطامر إلى أزمة نموذج الإدارة
الأرقام المتاحة عن القطاع تفسر سبب استمرار الضغط على المطامر. فقد أشار البنك الدولي، استناداً إلى بيانات العام 2023، إلى أن ثمانية مطامر صحية عاملة كانت تستقبل نحو 57 في المئة من مجمل النفايات، في حين كانت النسبة الباقية، أي نحو 43 في المئة، تنتهي في المكبات المفتوحة. كذلك أظهرت الدراسات أن أكثر من مئة مكب عشوائي جديد ظهر بعد المسح الوطني السابق، مع استمرار الحرق المكشوف للنفايات في عدد من المواقع.
هذه الصورة تعني أن أزمة لبنان ليست أزمة “مكان للطمر” فحسب. فكل طن لا نتفادى إنتاجه أو فرزه أو تدويره أو استرداد مكوناته العضوية أو القابلة للاستعمال يتحول في نهاية السلسلة إلى عبء إضافي على المطمر. وكلما تقلصت المعالجة، تقلص العمر التشغيلي للمطامر وازدادت الحاجة إلى مواقع جديدة.
ولهذا، فإن قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الرقم 80/2018 لم يُبنَ على الطمر بوصفه الحل الأساسي، بل على سلسلة تبدأ بخفض كمية النفايات من المصدر، ثم إعادة الاستعمال والفرز والتدوير والمعالجة واسترداد الموارد، على أن يكون التخلص النهائي المرحلة الأخيرة. وقد وضعت وزارة البيئة في 2026 تحديثاً للاستراتيجية الوطنية المتكاملة لإدارة النفايات الصلبة، بالتوازي مع تعيين مجلس إدارة الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة بعد سنوات من صدور القانون.
إلا أن الانتقال من النص القانوني إلى الإدارة الفعلية يحتاج إلى مؤسسات جاهزة وتمويل مستدام. وهذا تحديداً ما تكشفه حيثيات القرار، إذ يرد فيها أن الهيئة الوطنية الجديدة لا تزال في مرحلة استكمال المراسيم اللازمة لعملها وتأمين جهازها البشري ومقرها، وهي عملية تحتاج إلى وقت. لذلك بقي مجلس الإنماء والإعمار، عملياً، في قلب إدارة عدد من المشاريع والعقود التي كان يفترض على المدى الطويل أن تدخل ضمن منظومة مؤسساتية مختلفة.
العقدة المالية: من سيدفع ثمن الخدمة؟
ربما يكون التمويل هو العنصر الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة. فالنفايات خدمة يومية مستمرة الكلفة: جمع ونقل وكنس وإشراف وفرز ومعالجة وطمر وصيانة منشآت ومراقبة بيئية. وأي منظومة لا تملك مورداً مالياً مستقراً تبقى معرضة للانقطاع مهما كانت خطتها التقنية متقدمة.
لذلك يبرز في القرار القانون الرقم 38/2026 الذي عدل نظام تمويل إدارة النفايات وأدخل آلية لاسترداد الكلفة من خلال الرسوم. إلا أن حيثيات قرار مجلس الوزراء توضح أن البلديات لم تكن قد بدأت بعد تحصيل هذه الرسوم، وأن المرسوم التطبيقي كان لا يزال في مساره القانوني. وهكذا أصبحت الدولة أمام مرحلة انتقالية مزدوجة: العقود القديمة تقترب من نهايتها، فيما نظام التمويل الجديد لم يدخل بعد بكامل عناصره التنفيذية.
ولهذا نص القرار صراحة على تكليف وزارتي المالية والداخلية والبلديات وضع آلية لجباية وتمويل عقود جمع وكنس النفايات من الرسوم التي سيحصلها المتعهدون، كما أجاز إدخال مهمة تحصيل الرسوم ضمن مهام الشركات التي ستتولى الجمع والكنس، متى صدر المرسوم التطبيقي المتعلق بها.
وهذه ليست مسألة محاسبية فحسب، بل مسألة استدامة القطاع برمته. فالاعتماد المتكرر على سلفات الخزينة والقرارات الاستثنائية يمكن أن يضمن استمرار الخدمة لفترة محددة، لكنه لا ينشئ بالضرورة نموذجاً مالياً دائماً. وفي المقابل، فإن الانتقال إلى مبدأ استرداد الكلفة يحتاج إلى قواعد واضحة للرسوم والجباية والمراقبة والمحاسبة وربط ما يدفعه المواطن بمستوى الخدمة التي يحصل عليها.
كلفة بيئية وصحية تتجاوز فاتورة الجمع
الجانب المالي المباشر ليس الكلفة الوحيدة للنفايات. فالمكبات المفتوحة والحرق العشوائي ينتجان تلوثاً للهواء والتربة والمياه، فيما قد تتسرب عصارة النفايات إلى التربة والمياه الجوفية، وتصل النفايات المحمولة في المجاري والأنهار إلى البحر. وقد قدّر البنك الدولي الكلفة المرتبطة بقطاع النفايات في لبنان للعام 2023 بنحو 273 مليون دولار، موزعة بين كلفة الخدمات والمعالجة والأضرار الناجمة عن المكبات والمطامر. وهذه أرقام تعكس سنة محددة ولا يجوز إسقاطها آلياً على 2026، لكنها تبيّن الحجم الاقتصادي للمشكلة إلى جانب أثرها البيئي والصحي.
كما أن الحرق المكشوف ليس طريقة رخيصة للتخلص من النفايات، حتى لو بدا بلا كلفة مالية مباشرة، إذ تؤكد الدراسات البيئية أن حرق النفايات في العراء يطلق ملوثات شديدة السمية، فضلاً عن انتقال الملوثات إلى الأرض والمياه والسلسلة الغذائية.
من إدارة الأزمة إلى إدارة القطاع
قرار مجلس الوزراء في 10 أيلول 2026 يؤمن مساراً انتقالياً لمنع حصول فراغ في خدمات الجمع والكنس بعد نهاية السنة، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم الملفات التي يجب إنجازها بالتوازي: تلزيم العقود الجديدة، تشغيل الهيئة الوطنية فعلياً، استكمال نظام الرسوم، تأمين التمويل، إيجاد البدائل للمطامر التي تقترب من الاستنفاد، وتفعيل منشآت الفرز والمعالجة والتدوير بحيث لا يبقى الطمر الوجهة شبه الحتمية للجزء الأكبر من النفايات.
فالاستحقاق المقبل ليس منع تراكم النفايات في الشوارع في الأول من كانون الثاني 2027 فحسب، بل الاستحقاق الأعمق هو ألا يجد لبنان نفسه بعد سنتين أو ثلاث أمام المشهد نفسه: عقد ينتهي، مطمر يمتلئ، تمويل يبحث عن مصدر، وقرار طارئ جديد لشراء مزيد من الوقت.
ما يضعه القرار على الطاولة، بصورة غير مباشرة ولكن واضحة، هو الحاجة إلى الانتقال من إدارة “دورة الأزمة” إلى إدارة دورة النفايات نفسها: من المصدر، إلى الفرز، إلى الاسترداد والتدوير والمعالجة، وصولاً إلى أقل كمية ممكنة من الطمر النهائي. عندها فقط يصبح السؤال ليس أين نضع النفايات غداً، بل كيف ننتج كمية أقل منها، وكيف نستعيد أكبر قيمة ممكنة منها، وكيف نمنع أن تتحول في كل مرة من خدمة بلدية يومية إلى أزمة وطنية.
المدن




