حين تصبح المحبّة في لبنان فاتورة

نداء الوطن – عمر حرفوش
هناك لبنانيون يعودون إلى بلدهم لأنهم اشتاقوا إليه. يعودون لأنهم يريدون أن يروا أهلهم، أصدقاءهم، شوارعهم، مطاعمهم، ذكرياتهم… يعودون لأن لبنان، مهما ابتعدنا عنه، يبقى جزءاً من وجداننا. وأنا واحد من هؤلاء.
لكنني، خلال السنوات الخمس التي أمضيتها منذ عودتي إلى لبنان، اكتشفت وجهاً آخر للعلاقة بين المغترب وبلده. وجهاً مؤلماً، لا أتحدث عنه من موقع الضحية الشخصية فقط، بل لأنني أعتقد أن كثيرين غيري يعيشونه بصمت.
في لبنان، أحياناً، يكفي أن يعرف البعض أنك تملك إمكانيات مادية حتى تتغير طريقة التعامل معك. يصبح نجاحك، بدل أن يكون موضع تقدير، وكأنه دعوة مفتوحة إلى جيبك. تأتي من الخارج محمّلاً بالحنين، فيأتيك البعض محمّلاً بالحسابات.
لا أتحدث عن الجميع، بالتأكيد. لبنان مليء بأشخاص شرفاء، وأصدقاء حقيقيين، وأناس يعطون من دون أن ينتظروا شيئاً. لكن المشكلة موجودة، وهي أكبر مما نحب أن نعترف به.
وأنا شخصياً عشتها.
خلال السنوات الماضية، تعرضت أكثر من مرة لضغوط مرتبطة بما يُنشر عني في بعض المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي. أحياناً يكون الكلام إيجابياً، ثم يتحول فجأة إلى تهديد بأن يصبح سلبياً إذا لم أدفع. وأحياناً يكون المطلوب مالاً مقابل إزالة مادة منشورة أو عدم نشر مادة أخرى.
هنا لا يعود الأمر صحافة. ولا يصبح الأمر نقداً. ولا حتى خلافاً في الرأي. إنه، إذا كان المال هو المقابل لعدم التشهير أو لإزالة مادة مسيئة، فهذا يُعدّ ابتزازًا.
والأخطر أن هذه العقلية لا تتوقف عند أصحاب المواقع أو الصفحات. أحياناً تصل إلى أشخاص وثقت بهم، وأعطيتهم من مالي ووقتي وثقتي لأنني اعتبرتهم أصدقاء. أذكر هذه النقطة لأنني عشت تجربة شخصية مؤلمة مع شخص كنت أعتبره مقرّباً مني، وكنت أراه نموذجاً للنزاهة والشهامة.
على مدى سنوات، حوّلت له مبالغ مالية كبيرة، بين مبالغ شهرية ومساعدات ومدفوعات مختلفة، لم أفعل ذلك لأن أحداً أجبرني. فعلت لأنني كنت كريماً، ولأنني كنت أعتقد أن مساعدة شخص قريب مني هي أمر طبيعي. لكن عندما قررت الابتعاد عن النشاطات اللبنانية، وأغلقت فايسبوك، وخففت ارتباطي بما يجري على وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان، تغيرت المعادلة. وبدل أن تنتهي العلاقة بهدوء، بدأت أتعرض لضغوط ومنشورات وادعاءات اعتبرها كاذبة ومسيئة، مقرونة، بحسب ما عشته، بمطالب مالية متفاوتة. وعندما أغلقت أبواب التواصل، استمر التواصل من أرقام أخرى وحسابات أخرى، حتى أصبح الأمر مشكلة أتعامل معها منذ أشهر، بالتعاون مع محاميَّ
الأكثر إيلاماً بالنسبة إليّ أن الأمر، بحسب ما لاحظت، لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصل إلى محاولة التواصل مع أشخاص أعرف أن علاقتهم بي سيئة، وطرح فكرة مهاجمتي عبرهم.
لماذا؟ هل أصبح نجاح المغترب سبباً لكي يُطلب منه أن يدفع باستمرار؟
هل أصبحت شهرة الشخص تصريحاً مفتوحاً لمهاجمته؟
هل أصبح صاحب الموقع أو الصفحة قادراً على أن يقول: ادفع كي أكتب عنك جيداً، أو ادفع كي أحذف ما كتبته، أو ادفع كي لا أنشر الأسوأ؟ وإذا قبلنا بهذه المعادلة، فنحن نقتل الثقة. نقتل الاستثمار. نقتل العلاقة بين لبنان وأبنائه المنتشرين في العالم.
لأن المغترب الذي يأتي إلى لبنان ليستثمر، أو يساعد أهله، أو يلتقي أصدقاءه، أو يصرف من ماله، لا يجب أن يشعر أنه يدخل إلى بلد ينتظر منه الجميع أن يدفع مقابل كل علاقة وكل خدمة وكل صداقة وكل صمت. المال الذي يأتي به المغترب إلى لبنان ليس مالاً سائباً. إنه سنوات من العمل، والتعب، والمخاطرة، والنجاح والفشل، والضرائب، والقلق، والسهر. ومن غير المقبول أن تتحول فكرة «أنت قادر على الدفع» إلى «إذن عليك أن تدفع». أنا لا أكتب هذا الكلام لأقول إن كل لبناني انتهازي، ولا إن كل صحافي مبتز، ولا إن كل علاقة في لبنان تقوم على المصلحة. على العكس. أكتب لأنني أؤمن أن لبنان يستحق أفضل من ذلك. يستحق صحافة تنتقد من دون ابتزاز.
ويستحق وسائل تواصل اجتماعي تكون مساحة للرأي، لا سوقاً للمقايضة. ويستحق علاقات إنسانية لا تتحول فيها الصداقة إلى كشف حساب. وأقول هذا الكلام أيضاً من موقع شخص كان، ولا يزال، يحب لبنان. لكن الحب لا يعني أن نسكت عن الأخطاء. والكرم لا يعني أن يصبح الإنسان هدفاً دائماً. والنجاح لا يعني أن يصبح جيب صاحبه ملكاً للآخرين.
في لبنان، نحتاج إلى أن نعيد تعريف الشهامة.
الشهامة ليست أن تدافع عن شخص طالما يدفع لك. وليست أن تهاجمه عندما يتوقف عن الدفع.
الشهامة أن تبقى إلى جانب الإنسان حتى عندما لا يعود قادراً، أو راغباً، في أن يعطيك شيئاً.
والنزاهة ليست أن تكتب كلاماً جميلاً مقابل المال.
النزاهة أن تكتب الحقيقة، سواء أعجبت صاحبها أم لم تعجبه.
أما الابتزاز، مهما كان شكله، ومهما كان صاحبه، ومهما كان الهدف منه، فلا يمكن أن يصبح أمراً طبيعياً في بلد يريد أن يستعيد ثقة أبنائه والمستثمرين فيه. أنا أتحدث اليوم عن تجربتي.
لكنني أعرف أنني لست الوحيد.
وربما آن الأوان أن يتوقف اللبنانيون عن السؤال: «قديش معه؟» وأن يبدأوا بالسؤال الأهم:
«شو عمل لبلده؟»




