
تاريخيا شكلت الجامعات في لبنان، وتحديدا الحركات الطالبية، احد ابرز منطلقات الحياة السياسية، والصراع بين الاحزاب والقوى العقائدية المختلفة، حيث تركت وسط هذا المشهد الجامعة اللبنانية بصمة خاصة، بوصفها الخزان البشري الاكبر للطلاب الجامعيين على مساحة لبنان، ومتنفسا عبرت عنه “المعارضات”، على اختلاف اطيافها عن مواقفها وتوجهاتها، حتى في خضم الازمة اللبنانية، قبل ان تطيح السلطة الانتخابات الطالبية، تحت حجة خطرها “على السلم والتضامن الاهليين”.
اليوم، ومع قرار رئيس الجامعة باعادة العمل بهذه الانتخابات، تكشف مصادر مواكبة لملف الجامعة ان القرار جاء نتيجة قرار سياسي كبير، وبعد دراسة ونقاش كجزء من التغيير الذي يشهده العهد الجديد، في رسالة الى الداخل، مفادها ان التنافس السياسي عاد ليكون تحت سقف وحماية الدولة، وللخارج لاظهار تمسك الدولة اللبنانية بطبيعتها الديموقراطية.
وفي هذا الاطار، تقول المصادر ان الخطوة الرسمية جاءت لتفتح نافذة امل امام تطوير الجامعة، وتأمين برامج مساعدات خارجية لها، حيث تركز الهيئات المانحة، الى جانب المستوى الاكاديمي، على درجة ممارسة الطلاب والشباب لحرية العمل السياسي والاكاديمي، خصوصا ان العديد من الجامعات الخاصة استفادت من هذه البرامج لسنوات، فيما حرمت منها الجامعة الوطنية.
من هنا، ترى المصادر في فتح باب الانتخابات، إعادة تنشيط للاشتباك السياسي “المضبوط” و”تنفيسا لاحتقانه”، في ظل الظروف الجديدة التي خلفتها تداعيات احداث سنوات “التعطيل”، حيث تواجه الأحزاب التقليدية تراجعا واضحا في ثقة الشباب بها، مقابل تنامي نزعة اعتراضية تشكك في الخطاب السياسي السائد وفي جدوى الاصطفافات القديمة، يعبر عنها “المستقلون” و”قوى التغيير”، التي اثبتت مكانتها وحفظت مقاعدها، بحسب ما تبينه انتخابات الجامعات الخاصة.
غير ان المصادر توقفت عند نقطة اساسية، تتمحور حول المعوقات التي قد تمنع انجاز الاستحقاق، وفقا لمواعيده، خصوصا ان العام الجامعي شارف على بلوغه “نصفه”، نتيجة:
– عوائق لوجستية، ذلك ان العديد من الكليات والفروع تفتقد الى الاساسيات لانجاز العملية الانتخابية، وابسطها عدم حيازة الطلاب لبطاقات جامعية، وهي تعتبر اساسية في العملية وفقا لقانون الانتخابات الجامعية.
– اضراب موظفو الجامعة اسوة بسائر موظفي الدولة، الى جانب التصعيد من قبل الاساتذة المتعاقدين، وهو ما يهدد ليس فقط الانتخابات، انما بتطيير العام الجامعي ككل.
– عدم استعداد الاحزاب السياسية والقوى المختلفة، لخوض الاستحقاق ضمن المهلة المحددة، حيث يدور الحديث في الاوساط الطلابية، عن انه باستثناء حزب “القوات اللبنانية” وحركة “امل”، تحتاج باقي المجموعات الى فترة زمنية للتحضير لانتخاباتها.
– الاحتقان السياسي السائد والانقسام العمودي، الذي قد يؤدي الى انفجار، يبقى رهينة طريقة إدارة العملية الانتخابية، وقدرة الجامعة على ضبط التنافس، ومنع انزلاقه إلى استقطاب حاد أو صراع سياسي يعكس أزمات البلد بدل أن يخفف من حدّتها، وهنا قد يكون تعديل نظام الانتخابات احد الحلول المطروحة.
وتختم المصادر بان قرار إعادة الحياة الديموقراطية إلى الجامعة اللبنانية من باب الانتخابات الطالبية، يحمل بالتأكيد في طياته دلالات سياسية ورمزية كثيرة، كما انه يلامس النقاش المفتوح حول معنى التمثيل والديموقراطية، في بلد تعطّلت فيه الاستحقاقات وتآكلت الثقة بالمؤسسات، والاهم يطرح الاشكالية الكبيرة حول ما اذا كانت هذه الخطوة تمثل محاولة جدية لكسر هذا المسار، أم أنها مبادرة محدودة سرعان ما تصطدم بواقع الانقسام السياسي الحاد؟
ميشال نصر – الديار
